No Image
رأي عُمان

عُمان.. حين تختبر الأزمات حقيقة الاستقرار

11 مارس 2026
11 مارس 2026

لا تقتصر مآسي الحروب على ما تخلفه المواجهة المباشرة بين المتحاربين في ميادين القتال التقليدية. تفرض الحروب واقعا استثنائيا على الدول المجاورة، وتضعها أمام تحديات مفاجئة في الإدارة والسيادة والقدرة على حماية المجال الإنساني من أن يتصدع. وكشفت الحرب المشتعلة الآن بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى هذه الحقيقة بشكل جلي. ومع اتساع الحرب وجد آلاف المسافرين أنفسهم عالقين بين أجواء مضطربة وحدود مثقلة بالتوتر والخطر. بدت سلطنة عُمان للكثير من المسافرين الوجهة الأكثر موثوقية للعبور الآمن. ووجدت عُمان نفسها أمام تحدٍ يتجاوز القدرات اللوجستية إلى اختبار مباشر لقدرة مؤسساتها على العمل تحت الضغط وفي ظروف حرب محيطة. وبرز التحدي الأهم في كيفية تحويل الاستقرار من فكرة سياسية إلى ممارسة يومية دقيقة يشعر بها الجميع؛ العمانيون والمقيمون والعابرون من المنافذ البرية والجوية والبحرية.

لم تتعامل عُمان في إدارة هذا الظرف بأسلوب الاستنفار والصخب، ولا بلغة الاستعراض التي عادة ما تصاحب الأزمات الكبرى. سار الأداء المؤسسي بشكل هادئ ومتماسك وإنساني أيضا. وفي هذا ما يكشف أن كفاءة الدولة لا تظهر في سرعة الاستجابة فقط، إنما في قدرتها على إبقاء المجال العام منضبطا حين يكون محيطه كله مهددا بالاختلال.

من هذه الزاوية، فإن ما قامت به وزارة الخارجية وشرطة عُمان السلطانية ومطارات عُمان، إلى جانب الطيران العُماني وطيران السلام، ومؤسسات كثيرة أخرى عملت في الظل، يعكس مستوى التكامل المؤسسي. والقيمة الفعلية لأي استجابة وطنية في ظرف استثنائي لا تكمن في حضور كل جهاز داخل نطاق اختصاصه فقط، إنما في قدرته على العمل ضمن منطق واحد. وأثبتت التجربة أن الجميع دخلوا في بنية استجابة واحدة، هدفها الأساسي حماية حركة البشر من الانقطاع، وحماية الدولة من أن تُفاجأ بأزمة عند مختلف منافذها الحدودية من دون قدرة على إدارتها. فالذي يستحق التوقف هنا ليس مجرد نجاح الاستجابة، بل ما كشفته من جاهزية مؤسسية قادرة على العمل تحت الضغط من دون أن تفقد تماسكها أو وضوحها. فالجاهزية في معناها الحقيقي لا تُختبر في الظروف العادية، إنما في اللحظات التي يتعرض فيها النظام اليومي كله للضغط.

لكن الصورة لم تكن مؤسسية فقط. فقد كشفت مساهمة المواطنين في نقل مئات العالقين عند المنافذ البرية بعدا آخر لا يقل أهمية. فالدول لا تواجه الأزمات بأجهزتها وحدها، بل أيضا بما تختزنه مجتمعاتها من حس مدني ومن استعداد للتدخل حين تتطلب اللحظة ذلك. وحين تتجاور كفاءة المؤسسات مع مبادرة المجتمع، فإن النتيجة تكون صورة أكثر تماسكا لدولة تعمل مؤسساتها ومجتمعها ضمن إحساس مشترك بطبيعة اللحظة.

لهذا كله، فإن قراءة ما جرى ينبغي أن تتجاوز حدود الإشادة المناسبة أو الامتنان المستحق. الأهم هو ما يكشفه الحدث عن طبيعة الدولة العمانية في لحظة إقليمية شديدة القسوة. لقد دلّ على أن الاستقرار، في التجربة العمانية، ليس تعبيرا سياسيا عاما، إنما قدرة عملية على إدارة أثر الحرب من دون الانجرار إلى منطقها. ودلّ أيضا على أن الدولة التي تدرك المعنى الإنساني للأزمات تكون أقدر على احتواء آثارها. وفي هذا يتجلى أحد المعاني الأعمق لوظيفة الدولة: أن تحول بين الإنسان والفوضى حين يبدأ المحيط كله في فقدان توازنه.