هذه ليست حربَ الخليج
04 مارس 2026
04 مارس 2026
تتسع ساحة الحروب الإقليمية، عادة على حساب الأطراف الأقرب جغرافيا وبنيويا؛ ويقع الخليج في قلب هذا القرب حين يتعلق الأمر بحرب في إيران أو ضدها. ويتجاوز الانخراط في الحرب الدائرة على إيران اليوم الحساب السياسي والعسكري ليتعلق بإعادة تعريف أمن الخليج واقتصاده وعلاقته بمجتمعه وصورته في المحيط العربي. ولهذا تبدو دول الخليج أمام مفاضلة بين منطقين: منطق الانخراط الذي يَعِدُ بالدفاع والردع، ومنطق الاحتواء الذي يسعى لتقليل انتقال المواجهة إلى الداخل المدني والبنية الأساسية.
على المستوى العسكري لا تملك أغلب الدول الخليجية عمقا استراتيجيا يجعلها بعيدة عن خطوط النار. نظرة من أعلى على الخليج تكشف أنه شبكة منشآت طاقة وموانئ ومحطات تحلية ومطارات ومراكز اتصالات، متقاربة جغرافيا ومتصلة وظيفيا. ودخول الخليج في حرب واسعة يعني أن هذه الشبكة ستصبح، بحكم المنطق العسكري، أهدافا محتملة أو أوراق ضغط. وحتى لو كان لدى دول الخليج منظومات دفاعية متقدمة، فإن الدفاع لا يصنع، دائما، حصانة كاملة أمام كثافة الهجمات أو تنوعها أو طول أمدها. كل ضربة قد لا تكون قاتلة وحدها، لكنها تُحدث ما يكفي من الارتباك لتعطيل الحياة اليومية.
منطق الردع يفترض أن الحرب يمكن أن تُدار كسُلّم محسوب الدرجات، وأن الطرف الآخر سيلتزم حدود الرسالة. غير أن «الردع» في حرب كهذه قد يتحول سريعا إلى استدعاء لرد أضخم، وأن الكلفة لن تقع على الجبهة العسكرية وحدها، بل على البنية المدنية. وهكذا يتحول الردع إلى استنزاف وعبء يومي على الاقتصاد والحياة اليومية.
والأرجح أن الانضمام إلى الحرب ـ وإن بدا من الوهلة الأولى حلا للمشكلة ـ قد يصبح المشكلة نفسها.
ثم تأتي البنية الأساسية، وهي نقطة الضعف الأكثر حساسية خلال الحروب. وأكثر البنى الأساسية خطرا في الخليج هي بنى الطاقة المتمثلة في منصات النفط والغاز التي تشكل عصب الميزانيات. وهي مرتبطة بسلسلة التزامات محلية وخارجية، وبذلك تشكل ركيزة مهمة لبناء الاستقرار الاجتماعي. ومحطات التحلية على ضفاف الخليج شرط وجود المدن، والموانئ والمطارات شرايين الغذاء والدواء والتجارة، ولا تحتمل تعطّلا طويلا.
لا تحتاج إيران أو أي طرف آخر في هذه الحرب أو في غيرها إلى تدمير هذه البنية بشكل كامل. يكفي أن ترتفع كلفتها مع تكرار تعطلها؛ الأمر الذي يجعل المستثمر والزبون وشركات التأمين يعيدون حساباتهم الاستثمارية أو التأمينية. وبمنطق المخاطر فإن حربا كهذه تتحول من «عملية محدودة» إلى ضريبة يومية على الاقتصاد والناس.
ويضاف إلى ذلك أن إدارة الرأي العام في زمن الحرب تصبح جزءا من معادلة الأمن. فصورة الاصطفافات، كما تُقرأ شعبيا وإقليميا، قد تُنتج كلفة سياسية لا تقل حساسية عن كلفة الاستهداف المادي.
ومن زاوية استراتيجية يُطرح الآن في الخليج سؤال في غاية الأهمية، ما الذي يمكن أن يربحه الخليج من الدخول؟ وما الذي يخسره؟ الربح المحتمل غالبا يُصاغ كـ«ردع إيران» أو «إبعاد الخطر عن الحدود». لكن الحروب لم تكن في يوم من الأيام تدار وفق رغبات المشاركين فيها. حين تدخل للحرب، تفقد قدرتك على تحديد السقف. وحين تصير طرفا، تصبح أهدافك المدنية جزءا من لعبة التوازن، وحين تدفع الشعوب الخليجية الثمن في الماء والكهرباء والوظائف والأسعار، ستسأل سؤالا واحدا: هل كان هناك طريق أقل كلفة؟
لا يعني ذلك أن الخليج محكوم بالانخراط أو بالحياد كخيارين مجردين. في الواقع هناك طيف من السياسات يتدرج بين حماية الداخل، وتقليل قابلية البنى الحيوية للانكشاف، ورفع كفاءة الدفاعات، وبين إبقاء قنوات السياسة مفتوحة لمنع الحرب من التحول إلى نمط طويل. في الحساب الاستراتيجي الأمر لا ينحصر في «مشاركة» و«عدم مشاركة»، بل بين مسار يضبط الكلفة ومسار يرفع سقفها ويترك نتائجها لميزان ردود الأفعال.
والخلاصة أن ساحة الخليج في هذه الحرب هي جزء من معادلة الردع والضغط بحكم الجغرافيا والبنية الاقتصادية. وكلما اتسعت الحرب، صار الداخل الخليجي أكثر حضورا في حسابات الأطراف. وهذا ما يجعل سؤال الكلفة والاستنزاف يتقدم على سواه.
