No Image
رأي عُمان

المكتبة الوطنية.. مشروع حضاري فارق

26 فبراير 2026
26 فبراير 2026

يمثل المرسوم السلطاني الصادر أمس بإنشاء مكتبة عُمان الوطنية حدثا حضاريا فارقا في تاريخ عُمان؛ لأنه يضع الثقافة والمعرفة في قلب مشروع بناء الدولة، ويتناغم مع المشروع الحضاري الكبير الذي يتبناه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه. وهو مشروع تتضح معالمه مع توالي المبادرات التي تؤسس للبنية الثقافية والمعرفية، وتسير جنبا إلى جنب مع البناء الاقتصادي، ومع ترسيخ منظومة القيم في المجتمع.

ومشروع المكتبة الوطنية أكبر بكثير من الصورة النمطية التي تتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المكتبات العامة. فالمكتبة الوطنية هي، بالمعنى العميق، عقل عام للدولة: الطريقة التي تصون بها الأمم ما كتبته عبر التاريخ وما كُتب عنها، وما أنتجته في العلم والفكر والأدب، وما وثقته في سجلاتها الرسمية، بل وحتى يومياتها السياسية والاجتماعية التي قد تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها حين تُجمع مع غيرها ترسم صورة المجتمع وهو ينتقل من طور إلى طور. وحين تُنظم هذه المدونات وفق سياق علمي وتُتاح للباحثين، تتحول المعرفة إلى رأسمال جماعي، ويصبح بمقدور أهل الاختصاص أن يكتبوا أطوار المجتمع ويقرؤوا تحولاته على أساس دقيق لا على أساس الانطباع.

يُقرأ مرسوم إنشاء المكتبة الوطنية في هذه اللحظة، داخل عُمان وداخل الإقليم، بوصفه خطوة تُرسخ معادلة التوازن في بناء الدولة بين الفكرة الإدارية والفكرة الحضارية. فبالنظر إلى تاريخ عُمان العريق وسياقها الثقافي والحضاري، لا يمكن أن نكتفي ببناء الاقتصاد، أو بترسيخ القيم الاجتماعية المستمدة من الدين الإسلامي، من دون أن نملك مؤسسة تُحسن حفظ الذاكرة، وتستطيع قراءة ما يحدث في عُمان قراءة علمية تقوم على معطيات موثوقة. لا يكفي أن نملك مؤسسات تُدير السياسة، إن لم نملك مؤسسة تُدير السردية الوطنية بوعي علمي: توثق، وتحقق، وتفهرس، وتكرس لثقافة الوثيقة، وتفصلها عن الانطباعات، وتفرق بين التذكر بوصفه حنينا والتذكر بوصفه معرفة.

ورغم هذا الدور المتصل بالماضي، فإن المكتبة الوطنية لا تقف عنده؛ إنها أيضا مَعلم للمستقبل، وأداة للتعليم والبحث، وحاضنة للترجمة والنشر، وجسر بين الأجيال، خاصة مع وجود فضاء يُعنى بالأطفال وثقافتهم ومشاريعهم. فالمكتبة الوطنية، بوصفها مشروعا حضاريا، هي إحدى أدوات السيادة في عصر تتعرض فيه الذاكرة للتشويش، وتتحول فيه المعرفة إلى تيار سريع لا يترك أثرا.

ويؤكد هذا المشروع أن عُمان لا تكون يوما عابرة في التاريخ. إنها امتداد حضاري نحو المستقبل، بقدر ما هو امتداد قائم على ركائز وثقل معرفي، كما هو ثقل سياسي واقتصادي واجتماعي. ومن هذا الثقل، بكل تجلياته، تُبنى ملامح الوعي، وتُحرس المنجزات الإنسانية، ويُصان معنى الدولة.