No Image
رأي عُمان

المنطقة أمام لحظة البارود والنار

01 مارس 2026
01 مارس 2026

حاول العقلاء جاهدين، منذ أكثر من عام، كبح مسار التصعيد الذي كان يتجه بنا إلى هذه الحرب التي انفلتت من عقالها أمس. ورسموا سيناريوهات تأثيراتها، المتوقعة، أمام دعاتها وأمام المجتمع الدولي وحذروا بصوت مسموع من تكلفتها على المنطقة وشعوبها ومستقبلها.. لكنّ نزعة الحرب كانت أكبر وأقوى من أن يرى دعاتها في السلم خيارا يحقق الطموحات أو يحفظ حرمة الدماء وحق البشر في الحلم والحياة.. فكان أن ذهبت المنطقة بأكملها إلى حرب يعلم الله وحده إلى أين يمكن أن تتجه مع توسع ميادينها وتضخم أثمانها على الجميع.

وفي الحقيقة لا يمكن النظر إلى ما حدث أمس باعتباره حربا بالمعنى التقليدي للكلمة، إنه سقوط مُعلن لسلطة القانون أمام منطق القوة. شعوب لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب استيقظت صباحا على صوت الحرب وبشاعتها، تلاميذ تلطخت دماؤهم بأوراق كانوا يرسمون فيها بعضا من أحلامهم، وأمهات فجعن بأبنائهن وبأوطانهن، واستيقظ آخرون في عواصم خليجية مفزوعين على صوت حرب لم يطلبوها ودمار لم يعهدوه.

كانت مؤشرات التفاوض، كما تعلم الولايات المتحدة، توحي، للكثيرين على الأقل، بإمكان الوصول إلى تفاهمات تفضي إلى إبرام اتفاقيات. وكانت هناك قراءات ترى مرونة جيدة بالنسبة لإيران، إلا أن أمريكا، وللمرة الثانية، بدأت الحرب في اللحظة التي شعرت فيها أن الاتفاق أصبح «في متناول الأيدي» في إشارة لا تخفى أن خيارها، هي وإسرائيل، كان خيار الحرب هو المُقدَّم، حتى حين بدا أن السلام قادر على تلبية جزء معتبر من المطالب.

المنطقة هي المتضرر الأكبر من هذه الحرب ومن تداعياتها الآنية والمستقبلية، إلا أن هناك تأثيرات مباشرة وغير مباشرة تطال العالم أجمع عبر أثمان الحرب في سوق الطاقة وفي سلاسل الإمداد وفي حرية التنقل.. وفي سيادة القانون واحترام الدبلوماسية، وتآكل ما تبقى من هيبة النظام الدولي وتحول مؤسساته إلى شهود على العجز.. ومدى قدرته على وقف هذا الانهيار العظيم الذي يحدث في العالم نتيجة عبث كيانات مختالة بأوهام القوة والسطوة.

أما الشرق الأوسط المحكوم عبر التاريخ بالنار والدم فإنه في أسوأ لحظاته على الإطلاق، سنوات من البناء والتأسيس تنهار في لحظة واحدة، مقدرات أمنية وتنموية تتلاشى، وأقدار شعوب كانت تحلم على الدوام بمستقبل أكثر استقرارا وأكثر أمنا هي الآن على محك غير محكها وفي حرب غير حربها هي خاسرة فيها في جميع الأحوال.

لن تقاس نتائج هذه الحرب بمن يكسب في الجانب العسكري، فهذا الجانب معقد جدا بالنظر إلى موازين القوى وإلى الحشد العسكري الضخم والدعم العالمي.. ستقاس في الغالب بما ستفعله في مفهوم «الدولة» ذاته، وحين يتآكل معنى الدولة بهذه الطريقة يتراجع الإحساس بالأمان العام، ويغدو البيت نفسه ساحة قلق لا ملاذا. وتتجه الموارد المخصصة للتنمية إلى الطوارئ، ويعلو خطاب التعبئة على حساب الإصلاح، فتخسر المجتمعات سنوات من البناء في أيام معدودة.

المنطقة تحترق بكل ما تعنيه الكلمة من معنى رغم أن الحرب ما زالت في ساعاتها الأولى ولم تكتمل صورة ارتداداتها الحقيقية.. والمطلوب من العالم أن يتحرك بمسؤولية حجم اللحظة وخطرها ويفرض وقفا فوريا لإطلاق النار. وقد كان نداء سلطنة عُمان لوقف فوري لإطلاق النار هو المعنى البدهي الأوضح في هذه اللحظة.

كما أن على العالم تأسيس آلية دولية تمنع حرية الانزلاق نحو الحروب بمنطق القرار المنفرد خاصة عندما يكون للدبلوماسية القدرة على إنجاز المطالب العادلة؛ لأن ترك الحرب لتداعياتها يعني القبول بأن الإقليم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وأن العالم عاجز عن حماية أبسط المبادئ التي ادّعى أنه قام عليها وفي مقدمتها حماية المدنيين وصون السيادة واحترام القانون.

إن تُركت هذه الحرب لتتمدد، وهي تتمدد حتى الآن مع الأسف، ستُسقط فكرة قدرة العالم على ضبط نفسه. وحين تسقط هذه الفكرة يصبح المستقبل كله رهين لحظة انفلات واحدة.