تقول الأرقام ما لا نقوله
02 فبراير 2026
02 فبراير 2026
كشف الادعاء العام أمس في مؤتمر صحفي عن مؤشرات الوضع الجنائي في سلطنة عُمان خلال عام 2025 عبر حصيلة واسعة للقضايا الواردة، ومؤشرات الإنجاز، وأنماط الجرائم الأكثر تكرارا.
ولا تعني الأرقام «كمًّا» بقدر ما تعني خريطة تحولات وتعقيدات في البنية الاجتماعية والاقتصادية والرقمية، وآليات تفاعلها داخل النسيج الاجتماعي. يرى البعض أن الأرقام كبيرة وفي صعود سنوي. القلق مفهوم هنا، لكنه لا يكفي. الأهم أن نسأل: ما الذي يدفع هذه الأنماط؟ وما الذي يمكن تقليصه عبر الوقاية والتنظيم قبل أن يتحول إلى ملف قضائي؟
أما الأرقام فيمكن تفسيرها بعوامل ديموغرافية ورقمية واقتصادية دون أن يُفهم ذلك على أنه تخفيف من جسامة أي انتهاك أو انتفاء المسؤولية.
تتعامل منظومة العدالة مع هذه المؤشرات بوصفها قابلة للتفسير ضمن عوامل محددة، لكنها تظل مرفوضة حين تمس الحقوق والكرامة. فلا وجود لمجتمعات أفلاطونية إلا في السياق النظري أو في سياق الجمود التام عن الفعل والتأثر. وهذا ليس تبريرًا لأي نوع من أنواع الجرائم، بل هو تحرك في إطار الواقعية الإنسانية، وفهم التعقيدات التي ترافق عملية التحديث في المجتمعات المعاصرة.
لكن هذا لا يعني أن المجتمع عاجز عن تقليص هذه التحديات. يمكن ذلك، وإن كان صعبا، لكنه ليس مستحيلا.
هناك توعية كبيرة -على سبيل المثال- لتجاوز عمليات الاحتيال التي تحدث إلكترونيا. الأمر معقد جدا، وممكن، لكن الممكن أيضا ألا تتكرر عمليات الاحتيال كل يوم، وللشخص نفسه أحيانا. الحذر مهم جدا، وسوء الظن في مثل هذه الحالات عصمة كما قالت العرب قديما.
وقد يشير ارتفاع قضايا الأحداث إلى ضغوط على وظيفة الرقابة الأسرية والمدرسية، وإلى تغيرات في الفضاء الرقمي. وكذلك دور المؤسسة الأكبر من مؤسسة الأسرة: المجتمع نفسه الذي لا بد أن يتعامل مع قضايا الأحداث كما كان يتعامل معها قبل عقدين أو ثلاثة؛ فالكثير من الدوافع لقضايا هذه الفئة ليست دوافع إجرامية، بل هي نتيجة لتحولات المجتمع، وتراجع دور الأسرة، وضغوط المدرسة والأقران ومنصات التواصل الاجتماعي.
أما جرائم الاعتداء على الأطفال -وفي مقدمتها جريمة التحرش التي بلغت 1246 جريمة- فهي ليست رقما يُقاس بالزيادة والنقصان فقط، بل اختبار لضمير المجتمع وقدرة مؤسساته على الحماية المبكرة. والمعركة هنا ليست قضائية فحسب، بل تربوية ورقابية وتشريعية وإعلامية مع قاعدة أخلاقية واضحة: الوصمة على الجاني، والحماية للضحية.
ومرة أخرى فإن ردة فعل المجتمع من هذا الرقم مفهوم جدا، وخوفه منها مبرر جدا، لكن يمكن خفض هذا النوع من القضايا إلى أدنى حد عبر ترسيخ الوازع الديني والأخلاقي، وتحويل هذا النوع من القضايا إلى وصمة في المعتدي، وليس في المعتدى عليه الذي على المجتمع والمؤسسات القضائية حمايته بشكل كامل.
وهذه المكاشفة والشفافية التي يحرص عليها الادعاء العام سنويا من شأنها أن تعيد الحديث عن ترسيخ الجوانب الأخلاقية في المجتمع بتعاون جميع المؤسسات المجتمعية والقضائية والإعلامية؛ فهناك قضايا يمكن للمجتمع أن يتجاوزها، وتجاوزها لا يعني عدم الحديث عنها أو التقليل من شأنها. يحدث ذلك بشكل علمي عبر برامج وقاية وتثقيف، وتكامل مبكر بين المدرسة والأسرة والإعلام. ويحدث من خلال بناء الشعور بأن المجتمع كلّ متكامل يتأثر بعضه ببعض، وأينما بدا أن ثمة فجوة أو ثقبًا فإن أثره سيكون على جميع مكونات المجتمع. لكن هذه الشفافية السنوية لا تُعرض للطمأنة ولا للذعر، بل لكي تتحول الأرقام إلى برنامج وقاية قبل أن تتحول إلى ملفات جديدة.
