الإعلام الخليجي.. من تبادل الأخبار إلى بناء الوعي
27 يناير 2026
27 يناير 2026
مصدر الفوضى في العالم اليوم لا يأتي من نقص المعلومات، ولكن من كثرتها وسرعة دورانها، ومن قدرة الهواتف على صناعة «أخبار» لا تخضع للتدقيق، ولا تمر على سياسات تحريرية صارمة خاصة فيما يتعلق بالدقة والمصداقية. لهذا صار الوعي العام ساحة يتنازعها المبالغون، ويستثمر فيها محترفو التضليل، وتُستنزف فيها طاقة الناس بين خوف متجدد وغضب متكرر وتفسير متعجل لكل شيء.
وفي مثل هذا المناخ الملتبس عالميا لا يكفي أن تبني كل دولة منابرها، المطلوب أن يكون لدى الدول العربية والخليجية منها على وجه الخصوص معايير مشتركة لصناعة الخبر، ومسؤولية مشتركة في حماية المجال العام من الانحدار. والتعاون الإعلامي جزء أصيل من منظومة الاستقرار، لأنه يحدّد كيف ترى المجتمعات نفسها، وكيف تفهم ما يجري حولها، وكيف تتعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى هلع جماعي أو خصومة داخلية أو نزاع على الهوية.
تمر منطقتنا بسلسلة متصلة من التحديات: حروب على الأطراف، واضطراب في أسواق الطاقة، وتحولات اقتصادية عميقة، وأسئلة اجتماعية تتشكل تحت ضغط التغير السريع. ومع كل أزمة تتسع مساحة «الشرح» أكثر من مساحة الخبر نفسه. لا يتركز اهتمام الناس في المقام الأول عمّا حدث. يسألون ماذا يعني ذلك؟ وما تأثيره علينا؟ ومن الرابح والخاسر فيه؟ وهنا يبرز دور الإعلام ليكون وسيطا بين الوقائع والناس، لا مضاعفا للتوتر، ولا ناقلا للانفعال ومرسخا له.
تعيش دول الخليج العربي، بحكم القرب والتاريخ وتشابه النسيج الاجتماعي، في مجال عام متداخل، تتأثر فيه كل دولة بأي مستوى من مستويات اختلال بيئة المعلومات ونشر الإشاعات. يعبر الخبر الحدود بسرعة، لكن الشائعات تعبر أسرع منه بكثير. وما قد يقال على منصة من منصات التواصل الاجتماعي ينعكس أثره في جميع دول المجلس. لذلك لا يمكن التفكير في بناء وعي وطني داخل كل دولة بمعزل عن بناء وعي خليجي أوسع يملك لغة مشتركة في قراءة التحديات. ليست القضية أن نكتب النص نفسه أو نرفع العنوان نفسه. القضية أن نتفق على الحد الأدنى الذي يحمي الناس بعيدا عن الإثارة والتحريض.. وفي جميع الأحوال الإنسان قبل «الترند».
والتعاون المطلوب بين الدول العربية والخليجية بشكل خاص لا يبدأ من تبادل المحتوى بقدر ما يبدأ من توحيد قواعد التحقق... وكيف نغطي الأزمات... وكيف نغطي الأزمات دون أن نعيد إنتاج خطاب الكراهية؟ وكيف نمنح الجمهور سياقا يساعده على الفهم بدل أن يتركه أسيرا للانطباع؟ هذه أسئلة مهنية لكنها في جوهرها أسئلة سياسية واجتماعية، لأنها تتعلق بالتماسك الداخلي وبالثقة العامة وبقدرة الدولة والمجتمع على الصمود أمام الضغط.
وإذا كان العالم يتجه بسرعة نحو مرحلة يصبح فيها المحتوى المصطنع أكثر انتشارا، وتصبح «الحقيقة» أكثر قابلية للتلاعب، فإن الاستجابة لا يمكن أن تكون فردية. والمؤسسة الإعلامية، مهما كانت قوية، لن تصمد وحدها أمام موجات التضليل العابرة للحدود. المطلوب بنية تعاون مشتركة للتحقق تُدار بمعايير واضحة، برامج تدريب مشتركة لصحفيي البيانات والتحقق الرقمي، وغرف تنسيق وقت الأزمات لتوحيد الحقائق الأساسية، وتبادل للمحتوى التفسيري الذي يشرح للناس ما يجري بلغة هادئة ومسؤولة.
وهنا تأتي الزيارات الرسمية بين وزارات الإعلام والمؤسسات الإعلامية في الخليج لتكون مؤشرا على إدراك متزايد أن الإعلام جزء من قوة الدولة الناعمة ومن أمنها المعرفي. وزيارة وزير الإعلام السعودي والوفد المرافق إلى سلطنة عُمان تقرأ في هذا الإطار بوصفها خطوة ضمن مسار أوسع يبحث عن صيغة تعاون تحترم الخصوصية الوطنية وتستثمر التقارب الثقافي، وتحوّل العلاقات إلى مشاريع عمل حقيقية. ثم إن الزيارة أوجبتها اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة والعالم وما تشهده من تحولات كبرى الأمر الذي تحتاج فيه المنطقة إلى إعلام يسبق الأزمة لا أن يلحقها، إعلام يخفف التوتر لا أن يضخمه، إعلام يصنع جسورا بين المجتمعات لا أن يضع بينها حواجز جديدة.
تحتاج المنطقة أن نجعل من التعاون الإعلامي مساحة لبناء الثقة والعمل بفكر المنظومة المحكمة بالمعايير والأدوات المهنية والعلمية.
بهذا المعنى قد يكون أهم ما يقدمه الإعلام للناس هو أن يشعرهم أنه يحترم عقولهم ويضع الحقيقة أمامهم دون إثارة. لكن عملية بناء الوعي مهمة طويلة ولا تتوقف، وهي التي تقود التغيير الحقيقي عبر الزمن.
