حرب على حافة الانفلات
31 يناير 2026
31 يناير 2026
جربت منطقة «الشرق الأوسط» العام الماضي معنى المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران بعد أن كانت تجري بشكل غير مباشر أو عبر وكلاء منذ 4 عقود تقريبا. عرفت إسرائيل مواطن قوتها وضعفها وكذلك فعلت إيران. وعرفت دول الخليج والعراق والأردن ولبنان وسوريا واليمن ماذا يعني أن تكون في هذا المحيط الملتهب، وماذا يعني أن تكون مع طرف من هذه الأطراف سواء بالقول أو بالفعل.
نتائج تلك التجربة، الميدانية والسياسية أو حتى النفسية تدفع اليوم إلى مواجهة أخرى، لكن أمريكا ترامب هي التي تمسك بفتيل الحرب هذه المرة فيما تبدو إسرائيل في ظل -قليلا- رغم ما قد يكون في هذا من مناورة عسكرية وتكتيكية. حيث توجه الأنظار إلى الأساطيل الأمريكية فيما تأتي الضربة من إسرائيل.
الحرب، أي حرب، مشكلة كبيرة في حد ذاتها، وهي كما تسمى ذروة المأساة البشرية، لكن مشكلة هذه الحرب بالذات أنها إن وقعت، لن تبقى «ثنائية» وقد شُكلت المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية وتشابكت العلاقات فيها من أجل مثل هذه اللحظة؛ حرب بين طرفين تجر معها بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر من عشر دول في الجانب العسكري وتجر معها العالم أجمع في الجانب الاقتصادي. ما يعني أن أحدا لن يكون في منأى عن هذه المواجهة إن وقعت كل بحسب قربه من أحد طرفي الصراع.
لكن هذه الحرب أيضا تضع المنطقة أمام اختبار حقيقي مع نفسها: قدرتها على حماية سيادتها، وقدرة المجتمعات فيها على احتمال الصدمة، وقدرة القانون على كبح القوة حين تتقدم وتنفلت دون رادع أو توازن قوى ولو في حده الأدنى.
يبدو قرار الحرب في مثل هذه اللحظة، من بعيد، خيارا محسوبا، لكنه من قريب، هو سلسلة تفاعلات.. ضربة تتبعها قراءة نوايا، ثم رد، ثم رد على الرد.
قد تغري الحسابات الداخلية بعض الساسة في واشنطن نفسها بتصعيد يراكم شعبية ترامب أو حتى حزبه في عام الانتخابات النصفية، ومن ثم يترك الإقليم يدفع الثمن وحده كما حدث في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق. يدفع البعض من حلفاء أمريكا اليوم نحو المواجهة باعتبارها لحظة حسم. وآخرون يلتزمون الصمت خوفا من كلفة غضب واشنطن/ ترامب أو من فواتيره الجمركية. وبين هذين الطرفين تقف دول عربية وخليجية منها بشكل خاص أمام سؤال صعب جدا: كيف تحمي استقرارها الداخلي إذا تحولت أراضيها، أو أجواؤها، أو سواحلها، إلى ساحة رسائل متبادلة؟ عبر الصواريخ وليس عبر الدبلوماسية!
ثم يأتي الخطر الأمني. لا تحتاج الحروب الحديثة إلى احتلال كي تصبح مؤذية، يكفي استهداف البنى الحساسة: الطاقة، والموانئ، والاتصالات. ويكفي أيضا خطأ واحد في البحر أو السماء. ودول الخليج معرضة لمثل هذه الأخطاء، سواء كانت أخطاء حقيقية أم مبرمجة لأهداف سياسية آنية أو مستقبلية.
ثم هناك مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وورقة رابحة في اللحظة التي يمكن أن يفقد فيها أحد الأطراف أوراقه الرابحة. وورقة مضيق هرمز لا تتمثل في الإغلاق كما في السياق الكلاسيكي للحرب ولكن في كلفة أقساط التأمين على السفن أو تعطيل سلاسل الإمداد النفطي. الجميع سيدفع الثمن، ودول الخليج ستدفعه مضاعفا نظرا لقربها واعتماد دخلها على النفط في المقام الأول.
تبدو أوروبا الضعيفة عالقة أمام هذه الحرب الموشكة على الاندلاع بين خوف التصعيد وخوف غضب الحليف الأمريكي، تعرف أن فاتورة الحرب ستُدفع بالتضخم والطاقة قبل أن تُدفع بالسلاح. والاتحاد الأوروبي يدرك أن كسر القواعد ينعكس على أمنه، لأن الأمن لا يُصنع بالردع وحده والذي لم تعد أوروبا تملكه أصلا.. تشاهد أوروبا كل هذا وهي تعرف أنها المتضرر الأكبر منه مع الوقت. فهي الهدف الأثمن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مع الزمن.
بهذا المعنى فإن هذه الحرب، إن وقعت، فيمكن أن تغير المنطقة والعالم. ستترك المنطقة في أكبر حالة فوضى وسيخرج العالم في أعقابها بقواعد جديدة تجتر كل أشكال الفوضى والهيمنة والإمبريالية عبر التاريخ.
