No Image
رأي عُمان

وهم السلام الذي يطول

01 فبراير 2026
01 فبراير 2026

لا أحد في العالم يجد وقتا ليقرأ الأحداث بعمق القراءات الاستراتيجية، ومن يفعل ذلك يجد أن النتيجة لا تخدم طموحاته الآنية، فيفضل السير وراء القافلة بحثا عن مكاسب آنية أو درءا لخطر سياسي أو اقتصادي أو أمني في لحظة لا يملك فيها العالم منظومة قانونية يمكن أن يحتكم لها الجميع.

قال ترامب في شرم الشيخ إن «خطة السلام» هي الحل الوحيد لإنقاذ سكان غزة من مأساتهم.. وقع ترامب على الخطة ووقعت دول عربية وأوروبية لكن لم تظهر ضمانات واضحة لنجاح الخطة وتنفيذ الطرق الإسرائيلية للالتزام الأساسي من ناحيته وهو وقف إطلاق النار. ومنذ توقيع «الخطة» ما زالت إسرائيل تمارس خطة إبادتها التي رفعت وتيرتها بعد استلام آخر جثة كانت بحوزة حماس. فتحت معبر رفح على خجل أمس لكن القصف ما زال مستمرا.. وما زالت المأساة التي يعيشها السكان مع اشتداد فصل الشتاء تدمي القلوب. والعالم يخدر اللحظة الإنسانية التي يمكن أن تتحرك هنا أو هناك بالحديث عن «خطة السلام» التي لم يسمع سكان غزة إلا باسمها أما حقيقتها فما زالت بعيدة عنهم كل البعد.. لم ينشأ بعدُ ذلك الحدّ الأدنى من اليقين الذي يجعل الناس ينامون دون أن يحسبوا المسافة بين نافذة البيت ونقطة القصف التالية. ما يُفترض أن يكون لحظة تهدئة تحوّل إلى وضع مُعلّق صار أقرب إلى صياغة دبلوماسية منه إلى واقع ميداني.

من يتابع الأحداث اليومية ويضعها في سياق «خطة السلام» التي ينساق العالم وراء وهمها يفهم أن ما يحدث في غزة اليوم هو سياسة جديدة على الأرض. بمعنى أن على سكان غزة أن يعتادوا على الوضع؛ لأنه سيصبح الوضع الطبيعي الذي لا يتقاطع مع فكرة «السلام» كما يريدها ترامب وكما تطبقها إسرائيل.

وقد أنشأ ترامب لحماية الوضع على الأرض «مجلس السلام» الذي جرى وراءه العالم أجمع تقريبا إلا من رحم ربك لأسباب وجيهة أحيانا متعلقة بفهم حقيقة «المجلس» وما يرتبط به من ابتزاز سياسي وأخلاقي، أو أسباب متعلقة بدرء الشر الذي يمكن أن يترتب عن اعتزال هذا المجلس أو مجابهته سياسيا بطرح حلول بديلة.

والجميع يعلم اليوم أن ترامب غير معني بجوهر السلام لا في غزة ولا في إيران ولا في أوكرانيا.. السلام في نظر ترامب مختلف تماما عن ذلك السلام الذي سادت فكرته منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد يفيق العالم ذات يوم قريب ليجد أن نظاما عالميا ـ ولو بشكل مجازي ـ قد صار واقعا على الأرض وعلى الجميع أن يخضع له ولأطروحاته الجديدة.. وإلا كيف يؤمن العالم بمجلس للسلام لم يستطع حتى الآن أن يضمن وقفا لإطلاق النار في غزة أو دخولا للمساعدات.. كيف يمكن لمثل هذا المجلس أن يضمن ما هو أكثر تعقيدا وأطول نفسا: مستقبل غزة! أو ذلك النوع من السلام الذي يسميه ترامب «السلام الذي يصلح للتصدير»!

المشكلة في مجلس ترامب لا تتعلق بالنوايا. رغم أن النوايا تحتاج إلى الكثير من التمحيص. المشكلة في الفكرة التي يبنى عليها هذا المجلس/ السلام.. كيف لدول العالم أجمع بما تملكه من خبرة ومن تجارب عميقة أن تؤمن بسلام يُدار بمركزية شخص واحد، وبآليات تُنافس الشرعية الدولية بدل أن تتكئ عليها، وبخطاب يميل إلى تحويل القانون إلى تفصيل ثانوي أمام «الصفقة»!

لا تحتاج غزة لكل هذا الضجيج.. تحتاج إلى قواعد بسيطة جدا. وقف الإبادة بكل تفاصيلها. وفتح المعابر لدخول المواد الغذائية والطبية والمواد الإنسانية التي تحمي السكان من برد الشتاء القارس.

وتوفير غطاء دولي يحمي السكان بعيدا عن صراع سقوط النظام وصعوده. أما الدول التي تعتقد أن «مجلس السلام» يمكن أن يرضي غرور السلطة مع بعض الأنظمة العالمية فهو واهم جدا.. قد يستخدم المجلس لبناء قواعد تكشف عن إرهاصات نظام عالمي جديد لكنه لن يستطيع منح غزة أو أي مكان في العالم فكرة السلام لأن أيا ممن يبحث عن نظام عالمي جديد لا يؤمنون بحقيقة فكرة السلام خاصة في هذه اللحظة التي تتطلب منهم أن يفرضوا سطوتهم وقوتهم أما السلام فيبقى في هذه اللحظة التاريخية الطويلة سياقا لغويا ودبلوماسيا وخطابيا فقط.