No Image
رأي عُمان

بالحوار نردم الهوة بين الأجيال

07 فبراير 2026
07 فبراير 2026

لا تملك أجيال اليوم الثقة التي كانت تملكها أجيال الأمس في الآخر، أجيال اليوم ثقتها هشة، وتقديرها لنفسها يأتي على حساب الآخر، فردا كان أم مؤسسة. وتراخي الثقة أو التباسها بين الأجيال ناتج عن أسباب وتراكمات كثيرة ربما في مقدمتها اللغة المستخدمة للحوار بين الأجيال، ورغبة الأجيال الماضية ـ التي تنظر لنفسها أنها الأكثر نضجا والأقدر على فهم اللحظة وتوقع المستقبل ـ في أن تنشأ أجيال اليوم متطابقة معها، فكرا ومسارا وخلقا دون الأخذ في الاعتبار المتغيرات التي يشهدها العالم. وهذه الفجوة التي نشأت بين الأجيال ليست استثناء على مجتمعاتنا العربية بل هي مسار بشري لكنها تلقى دراسة وفهما أعمق في الغرب نتيجة الجهود التي تقوم بها المراكز البحثية في قراءة تحولات المجتمع. 

وهذه الالتباسات بين الأجيال لا تعني أن طرفا يملك الحقيقة فيما الطرف الآخر مخطئ بالضرورة. لا يقاس الأمر ولا يعالج بهذه الطريقة أبدا. فالجميع يمسك بجزء من الحقيقة ولكنه يرى الآخر من زاوية يمكن أن تكون عمياء، فلا يرى صدقية ما يقوله الآخر أو يفعله. والحل الأمثل أن تتقارب لغة الحوار، ثم يكون هناك حوار مفتوح بين الجميع. بين الأفراد بعضهم وبعض في النظر إلى القضايا المجتمعية التي تحيط بهم، وبين الأفراد والمؤسسات، وبين مؤسسات المجتمع على اختلاف أشكالها والمناطق التي تقف فيها وتتحدث عبرها. 

طائفة واسعة من المجتمعات في العالم العربي كانت تشتكي أنها موضوعة في الهامش، لا أحد يستمع لها، أو يعرف رأيها وتوجهاتها وأن تفاصيل الحياة تفصل لها تفصيلا لا يأتي في الغالب على مقاسها أو وفق أحلامها وتطلعاتها. 

ولذلك كانت الشعوب العربية تنظر إلى هذا الوضع باعتباره الجدار الذي لم تستطع القفز فوقه، فصنع تخلفها وركودها وأبعدها عن اللحاق بركب التقدم في العالم. 

وبغض النظر عن رؤية الأجيال السابقة لصدقية هذا الطرح إلا أن النتيجة كانت فجوة كبيرة بين الأجيال صنعت الكثير من الاحتقان، وكال كل طرف الاتهامات للطرف الآخر.. ومرة أخرى سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات. 

وإذا كان الحوار هو الحل الأمثل في طريق ردم الهوة؛ فإنه مقبول من الجميع. لكن ثمة أمر آخر لا تقل أهميته عن الحوار، ويمكن أن يكون نتاج له وهو، الثقة وشعور الأجيال الجديدة أنها على المحك. محك المسؤولية ومحك الثقة. هذا الشعور من شأنه أن يبلور الحوار، ليس على خط السباق بين الأجيال ولكن على خط المسؤولية وبناء الذات.. الذات الفردية والذات الجمعية. 

هذه الرؤية يمكن أن نسقطها في عُمان على ملتقى «معا نتقدم» الذي تنطلق نسخته الرابعة اليوم. حيث يبدأ الحوار بين جيل الشباب وبين المؤسسات التي هي في مجملها مؤسسات المجتمع أو هي الحكومة بمعنى من المعاني. 

هذا الحوار من شأنه أن يرسخ لدى أجيال اليوم حسا عميقا بالمسؤولية، ويزيل الكثير من الأوهام الناتجة عن البعد الشاسع بين الأجيال. وهو أيضا يكشف للأجيال السابقة جيل الآباء والأجداد عن مستوى الوعي والفهم الذي يمتلكه جيل الأبناء والأحفاد. 

على أن سد الفجوة بين الأجيال وبناء الثقة، على أهمية كل ذلك، ليس الهدف الوحيد الذي يخرج منه كل عام ملتقى «معا نتقدم» فهناك أيضا زوايا الرؤية التي ينبه كل جيل الجيل الآخر عنها ويطرح كل جيل أفكاره ورؤاه من أجل بناء متكامل يخدم الجميع. 

القضايا التي سيتم نقاشها اليوم في «معا نتقدم» لم تفرضها المؤسسات الحكومية إنما اختارها الشباب، وهذا جيد جدا في حد ذاته ويكشف عن توجهات الشباب والقضايا التي يحتاجون للحوار فيها وحولها. وعندما تكون هذه القضايا محورية ورصينة فالأمر يبعث رسالة مفادها أن الشباب يملكون وعيهم الرصين ويستحقون أن نثق فيهم أكثر بكثير مما كنا نفعل، وفي المقابل عندما يشعر الشباب أنهم محاطون بالثقة يشعرون فورا بالمسؤولية. 

يبقى الحوار، سواء كان بين الأفراد أم بينهم وبين المؤسسات أحد شروط الدولة القوية. والمجتمع الذي يُسمع صوته بجدية لا يحتاج إلى أن يرفعه بشكل صاخب، أو يفتعل أحداثا ليُوصل عبرها صوته للآخر.. وهنا تصبح أبواب الدولة في الوعي العام والجمعي مفتوحة ويمكن الاقتراب منها بل ودخولها لبناء شراكة دائمة في مجتمع يضمن الجميع.