مداخلات أكاديمية تقارب منجز الشيخ سلطان القاسمي التاريخي والثقافي في متحف بيت الزبير
نظّم بيت الزبير مساء أمس ندوة فكرية موسعة تناولت التجربة الفكرية والعلمية والثقافية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، في أمسية سعت إلى مقاربة هذا المشروع كمنجز معرفي متكامل يتجاوز حدود الكتابة التاريخية إلى إعادة تعريف علاقتنا بالذاكرة والوثيقة والهُوية، وانطلقت الندوة بكلمة قال فيها مقدم الندوة أحمد المخيني عضو مجلس أمناء مؤسسة بيت الزبير: إن مشروع الشيخ الدكتور سلطان القاسمي لا يُقرأ إلا باعتباره تحولا نوعيا في مساءلة التاريخ، حيث انتقلت عُمان في هذا المشروع من كونها موضوعا تاريخيا إلى حقل وثائقي يُعاد بناؤه عبر الأرشيف والترجمة والتحقيق، وبأدوات معرفية صارمة تستند إلى الوثيقة كونها ساحة اشتباك معرفي، لا شاهدا محايدا، وأن الحضور العُماني في أعمال الشيخ القاسمي ليس حضورا تزيينيا أو احتفاليا، وإنما حضور بنيوي يتجلى في إعادة تفكيك السرديات الاستعمارية من داخل أرشيفها، وباللغات التي كُتبت بها بما يحوّل التاريخ من رواية تُروى إلى معرفة تُدار وتُساءل.
إنتاج تاريخي
بداية قدّم الدكتور ناصر بن سيف السعددي، أستاذ مساعد بكرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي بجامعة نزوى، ورقة تناولت "ملامح الإنتاج التاريخي للشيخ سلطان القاسمي"، كشف فيها عن حجم هذا المنجز واتساعه الزمني والجغرافي واللغوي، موضحا أن الإنتاج التاريخي للشيخ القاسمي يضم ما يزيد على ستين مؤلفا، تعود بداياتها إلى عام 1986 بكتاب "أسطورة القرصنة العربية في الخليج العربي"، وصولا إلى إصدارات حديثة صدرت في عام 2025، مع تزايد ملحوظ في حجم الإنتاج خلال العقدين الأخيرين، حيث شهدت بعض السنوات ذروة لافتة في عدد الإصدارات، مشيرا إلى أن هذا التراكم لا يعكس غزارة عددية فحسب، بل تطور منهجي واضح في طبيعة الاشتغال التاريخي.
وبيّن أن هذه المؤلفات توزعت على مجالات متعددة شملت التاريخ السياسي وبنى الدولة والسلطة، والوثائق والمراسلات والاتفاقيات، والتاريخ البحري والملاحي، والتاريخ العمراني والعسكري، فضلا عن التراجم والدراسات الحضارية، إلى جانب أعمال اعتمدت على الترجمة المباشرة من الأرشيفات الأجنبية والخرائط واليوميات الأوروبية.
وأوضح "السعدي": أن النطاق الجغرافي لهذا المشروع شمل عُمان، والإمارات، والخليج العربي، وشرق إفريقيا، وبلاد فارس، والعالم الإسلامي، وأوروبا، مع تفاوت في التركيز تبعا لطبيعة المرحلة التاريخية والوثائق المتاحة، مؤكدا أن الشيخ القاسمي تعمّد مخاطبة الآخر بلغته، ليس فقط عبر الترجمة، بل عبر الاشتغال من داخل أرشيفه ومصادره الأصلية، حيث صدرت أعماله أو تُرجمت إلى أكثر من عشر لغات عالمية، في مقدمتها الإنجليزية، إلى جانب الفرنسية، والإسبانية، والألمانية، والبرتغالية، والإيطالية، والروسية، فضلا عن لغات آسيوية مثل الملاوية والهندية والأردية والصينية، وأخرى إفريقية، وهو ما يعكس وعيا عميقا بأهمية تفكيك السرديات التاريخية من داخل لغتها المرجعية.
وفي ختام ورقته أكد الباحث الدكتور ناصر السعدي أن هذا المشروع المعرفي الواسع لا يزال بحاجة إلى دراسات تحليلية معمقة تتناول بنيته المنهجية، وتحولاته الزمنية، وأثره في إعادة كتابة تاريخ المنطقة من داخل مادته الخام، بعيدا عن التلقي الوصفي أو الاحتفائي.
أداة نهوض حضاري
من جانبها تناولت الدكتورة أحلام بنت حمود الجهورية، الباحثة والكاتبة في التاريخ وعضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العُمانية، الإسهام الحضاري والثقافي للحركة الإبداعية والأدبية التي يرعاها الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، مؤكدة أن هذه التجربة تشكل مشروعا ثقافيا متكاملا يقوم على وعي عميق بدور الثقافة في إعادة بناء الحضور الحضاري، وعلى فهم طويل النفس لمسارات المعرفة وتأثيرها في المجتمعات. وأوضحت أن اختيار الشيخ القاسمي للثقافة جاء عبر رؤية واعية تراكمت عبر الزمن، واعتمدت الصبر والتخطيط وعدم التعجل، وهو ما أسهم في بناء بيئة ثقافية مؤسسية قادرة على إنتاج المعرفة وترسيخها في الوعي العام.
وأشارت إلى أن التكوين العلمي والمعرفي للشيخ القاسمي أسهم بصورة مباشرة في صياغة هذا المشروع، حيث تنوع مساره الدراسي بين أكثر من بيئة عربية، وحصل على درجتي دكتوراه في التاريخ والجغرافيا السياسية للخليج، ما أتاح له قراءة تاريخ المنطقة قراءة تحليلية، وربط البحث الأكاديمي بالممارسة الثقافية والمؤسسية.
وبيّنت "الجهورية" أن إمارة الشارقة في ظل هذا التوجه، تحولت إلى مركز ثقافي عربي وإسلامي ذي حضور دولي، وتحقق ذلك عبر مبادرات ومشاريع طويلة المدى توجت بمحطات بارزة، من بينها اختيار الشارقة عاصمة للثقافة العربية عام 1998، وعاصمة للثقافة الإسلامية عام 2014، والعاصمة العالمية للكتاب عام 2019، معتبرة أن هذه المحطات جاءت نتيجة رؤية ثقافية واضحة استثمرت في الإنسان والمعرفة.
وتطرقت الدكتورة أحلام الجهورية إلى البعد الإنساني في هذا المشروع، موضحة أن الشيخ القاسمي أسهم في ترسيخ الوعي التاريخي، وتحرير قراءة التاريخ من الارتهان للسرديات الجاهزة، وتعزيز القيم الإنسانية الجامعة المرتبطة بالهُوية الثقافية، وهو ما انعكس في منحه لقب "سادن المعرفة" من منظمة العالم الإسلامي للتربية والثقافة والعلوم، تقديرا لمسار ثقافي ممتد جعل من المعرفة ممارسة فاعلة في المجال الحضاري.
التراث من الحفظ إلى الإدارة
من جانبه تناول الباحث عمر المعمري مدير متحف بيت الزبير "التراث واللحظة الثقافية الراهنة في مشروع الشيخ الدكتور سلطان القاسمي"، مشيرا إلى أن التجربة الشارقية ـ كما أسماها ـ أسهمت في نقل التعامل مع التراث من مستوى الحفظ التقليدي إلى مستوى الإدارة الواعية التي تربط بين الذاكرة والمعرفة والمجتمع، وأن منظومة المتاحف في إمارة الشارقة التي تضم أكثر من ستة عشر متحفا، قامت على تنوع الوظائف وتعدد الأدوار، حيث تحولت المتاحف إلى فضاءات تعليمية مفتوحة ومساحات للحوار المجتمعي والتعلم المستمر، في انسجام مع المفهوم المعاصر للمتحف الذي يربط العرض بالبحث والتفاعل المجتمعي.
وتطرق "المعمري" إلى الاهتمام بالمواقع الأثرية، وفي مقدمتها موقع الفاية الذي جرى تسجيله مؤخرا ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلى جانب موقع مليحة الأثري، مؤكدا أن هذا الاهتمام جاء ضمن رؤية شاملة تربط البحث العلمي بالتفسير المتحفي وإتاحة المعرفة للجمهور. كما أشار إلى أن المشروع شمل التراث غير المادي عبر معهد الشارقة للتراث، الذي عمل على توثيق الحرف التقليدية والفنون الشعبية والرواية الشفوية والعادات الاجتماعية، وتحويلها إلى معرفة منهجية تُدرّس وتُنقل بين الأجيال.
وأكد عمر المعمري أن بناء القدرات البشرية شكّل محورا أساسيا في هذا المشروع، من خلال برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة، من بينها برنامج الماجستير في إدارة التراث الثقافي بالتعاون مع منظمة إيكروم، الذي يدمج بين الدراسة النظرية والتطبيق الميداني، موضحا أن الاستثمار في الإنسان ظل ركيزة مركزية في مقاربة الشيخ القاسمي للتراث والعمل الثقافة، مؤكدا أن المعرفة التاريخية لم تعد حبيسة الأرشيفات، لكنها أصبحت معرفة حية قابلة للنقاش والبناء.
ختام وتكريم
وفي الختام شهدت الندوة تكريم المشاركين والمتحدثين تقديرا لإسهاماتهم الفكرية، إلى جانب افتتاح المعرض المصاحب الذي ضم مجموعة مختارة من مؤلفات الشيخ الدكتور سلطان القاسمي والتي عكست تنوع مشروعه العلمي واتساع اهتماماته التاريخية والثقافية، وقدّم المعرض للقارئ والمطلع فرصة للاطلاع على جانب من هذا المنجز المعرفي الممتد في المشهد الثقافي وكونه مكوّنا فاعلا في بناء الوعي التاريخي والثقافي.
