ماذا يقرأ الأدباء أثناء الكتابة؟!
أثناء الانهماك في الكتابة يحرص أدباء على قراءة أعمال أدبية معينة، كنوع من "الدوزنة"، أو ضبط أوتار "الجيتار" أو "العود" على طريقة الموسيقيين، لكنَّ آخرين يقطعون صلتهم بالقراءة تماماً خوفاً من أن يتسرَّب صوت الكاتب الغريب إلى نصوصهم. في هذا التحقيق نتعرَّف على الطريقة التي يتعامل بها الأدباء مع القراءة في فترات الإلهام.
الكاتب المغربي عبد الرحيم الخصار يتفادى القراءة بقدر الإمكان أثناء إنجاز عمل أدبي، ويستثني فقط تلك القراءة المعرفية التي تشكل مراجع، أو جذوراً أو أصولاً أو إضافات للعمل. مثلاً حين كتب رواية "جزيرة البكاء الطويل" استغرق منه البحث حوالي خمس سنوات، إذ كانت رواية تبحث في شق تاريخي بالأساس، وبذلك صارت قراءاته كلها عبارة عن بحث معرفي في أحداث ووقائع وتواريخ وجغرافيات ومعلومات وتفاصيل كي يغني بها عمله.
يضيف: "حتى في الشعر يحدث ذلك، فمنذ ثلاث سنوات أشتغل على نص واحد مطول يتعلق بتجربة ألزهايمر التي عاشها والدي، وطوال فترة كتابة ذاك النص كنت أقرأ عن مرض ألزهايمر، كيف ومن أين يأتي وبماذا يحسُّ المريض وماذا يرى وهل له نفس القياسات والرؤى والنظرة التي لنا؟ وقد وجدت أشياء كثيرة تختلف بين ما يعيشه المريض وما يعيشه الإنسان الصحيح".
نقاش قديم
الكاتبة الجزائرية لميس السعيدي تشتغل حالياً على كتاب يجمع بين السيرة الشخصية والأدبية والبحث في الإشكالية اللغوية في الأدب الجزائري. هذا العمل يدخل في إطار مواصلة نقاش قديم بدأ في خمسينيات القرن الماضي بين الكُتَّاب الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية. قبل أن تشرع في الكتابة، كان عليها أن تقرأ عدداً من الروايات والقصائد والمقالات والدراسات ذات صلة بهذا النقاش وبجوهر الإشكالية اللغوية، لتتمكن من خلق حيز تلتقي فيه -جسدياً- كل هذه الأفكار على أرض الكتابة، مع الحفاظ على صوتها الفكري مستقلاً وسط هذا الحوار الثقافي والشعري واللغوي والإنساني الطويل والمتشعب.
وتقول: "في فصل بعنوان "لماذا لا تكتبين بالفرنسية؟" أصل إلى نتيجة مفادها أن اللغة هي ماء وليست أرضاً، وتحديداً هي عبارة عن مياه إقليمية يصعب رسم حدودها بدقة، وحتى لو رسمنا هذه الحدود، فمن الصعب منع المياه المجاورة أو مياه أخرى من التسرب إليها. كما هو من الصعب أن نمنع مياه الآخرين، أي نصوص كُتَّاب سابقين، من التسلل إلى نصوصنا، فكل كتابة هي في النهاية استمرار لكتابة أخرى".
هل تفضِّل الابتعاد عن قراءة الأعمال الرديئة أثناء الكتابة؟
تجيب: "كنت قد اخترت قراءة نص بدا مناسباً لموضوعي، لكنني فوجئت بسذاجة مقاربته الجَمالية والفِكرية، وقررت استبعاده من النصوص التي اعتمدتُ عليها كمراجع للطرح اللغوي والفكري الذي أقدمه، لكن هذا النص ظل أثناء الكتابة بوصلة للأسلوب الذي عليَّ تجنبه، وأنا أتناول ذاتياً وجمالياً وفكرياً مسألة حساسة مثل مسألة اللغة والهُوية الأدبية وما يترتب عليها من إشكاليات اجتماعية وسياسية".
وتضيف: "هذا النص لم يكن رديئاً بالمعنى الواضح والبسيط والمباشر، الذي يجعلنا نتجاهله بسهولة، لكن ثمة رداءة مغلفة بالجِدية والمنهجية التي تجعل القارئ يقع في فخ الاستسهال الفكري، معتقداً أنه يقرأ عملاً مهماً، بينما هو في أحسن الأحوال مجرد مجموعة هواجس لا تتعدى تصفية الكاتب لحسابات شخصية ضيقة لا تهم القارئ. لذلك، أعتقد أن قراءة النصوص الرديئة قد تكون مفيدة، إذا تمت بالوعي الذي يلازم الكاتب ويدفعه دائماً إلى التساؤل عن جدوى الكتابة ودوافعها".
تشويش الإيقاع
من النقطة الأخيرة - قراءة الأعمال السيئة - تبدأ الكاتبة الليبية رزان نعيم المغربي حديثها: "قراءة عمل رديء أو متوسط في فترة الكتابة قد تؤثر سلباً، إذ تساهم في هبوط سقف الحساسية الجمالية مؤقتاً، النص الضعيف يربك البوصلة ويشوِّش الإيقاع الداخلي للكاتب أكثر مما يفعل النص الجيد".
تستدرك: "أما النصوص الجيدة، فهي خطر جميل من نوع آخر؛ فهناك أعمال تتغلغل في الوجدان بأسلوبها القوي، وكثيراً ما صادفت ذلك الحضور الطاغي لعمل قرأته ويحتاج وقتاً طويلاً ليغادر الذاكرة، مما يولِّد قلقاً خفياً من تسرُّب تقنياته السردية إلى العمل الذي أشتغل عليه. لهذا السبب، أتفهم تماماً لماذا يختار بعض الكتاب "العزلة القرائية" أثناء الكتابة حمايةً لنقائهم الصوتي".
ما قراءات رزان إذن المفضلة أثناء الكتابة؟
تجيب: "أميل لتقليل قراءة الروايات والقصص إلى الحد الأدنى، وألجأ بدلاً من ذلك إلى قراءات بعيدة عن مزاج السرد، مثل كتب التاريخ، والفنون، وعلم النفس والنقد؛ فهي قراءات تدعم البحث والمعرفة وتغذي نصي دون أن تشوِّش أسلوبي. أعتبر الكتابة حالة تشبه "الصيام المؤقت" عن الخيال الموازي، حتى يكتمل الصوت الشخصي ويستعيد النص هويته المستقلة".
بعد الانتهاء من الكتابة تعود رزان للقراءة بشراهة لاستعادة التوازن، وتميل حينها لتفكيك النصوص التي تأسرها بحثاً في أسرار صنعتها وتقنيات كتابها.
قارئ محترف
أسأل الكاتبة العمانية آية السيابي: هل تتوقفين عن القراءة أثناء كتابة عمل جديد أم أنك لا تخشين التأثر بلغة الكاتب أو عالمه وتقرأين بشكل عادي؟
تجيب: "الكاتب هو في الأصل قارئ محترف، ومن القراءة تتشكَّل أحياناً ملكة الكتابة. شخصياً، لا أتوقف عن القراءة، لكنني أمارس قراءة انتقائية ذكية. وهذا ما يجعلني لا أغادر لغتي لأرتدي لغة الآخرين. لأن الكاتب الذي يمتلك مشروعه الخاص وصوته المنحاز لقضاياه - كما أحاول أن أفعل - يمتلك حصانة طبيعية ضد العدوى الأسلوبية. أما عن القراءة أثناء الكتابة، فهي بالنسبة لي ضرورية لشحذ الأفكار وتوسيع أفق المادة والخيال. أنا أقرأ لأبقى في حالة يقظة لغوية، وأقرأ في هذه الفترة لأوجه بوصلتي الفكرية نحو ما يخدم المشروع الروائي القائم، ولأضمن أن عالمي الروائي ينمو في مناخ أدبي حي".
القراءة في هذه الفترة - بالنسبة لآية - تتحول إلى جزء أصيل من التكوين المعرفي للنص أو المشروع الروائي الذي تعمل عليه. لذا تتقاطع اختياراتها القرائية في فترة كتابة عمل جديد، مع ثيمة العمل وعالمه. فمثلاً، عندما شرعتْ في كتابة روايتها الأخيرة "العنبر الخامس" كانت قراءاتها كلها في أدب السجون، وفي التكوين النفسي والاجتماعي للسجين قبل وبعد السجن. تعلق: "هذا منحني عصباً معرفياً قوياً ارتكزت عليه ليساعدني في بناء نص واقعي رصين. وهذا بالضبط ما عملت عليه في رواية "يباس"، التي كانت تصب تماماً في اضطراب الهوية الجندرية. فبدأت البحث في كل ما يتعلق بالاضطراب النفسي والأسري والمجتمعي. وكنت أقف خارج الدائرة لأرقب تقلبات الهوية وأثرها على الشخصية".
أسألها: ماذا يحدث إذا وجدتِ العمل مملاً؟
تجيب: "عندما أتعرض لعمل لا يضيف لي أو يفتقر للعمق، لا أتردد في إغلاقه فوراً وركنه في الرف السفلي من مكتبتي بإهمال. لديَّ دائماً ذلك القلق تجاه الوقت. والرغبة في استهلاكه باكتمال فيما يخدمني ويصقل أدواتي. لذا فأنا لستُ مضطرة لإتمام نص لا يحترم ذكاء القارئ".
عدة مراحل
الكاتب العماني حسام المسكري يقدم رؤية مختلفة، فعملية الكتابة لديه تمر بعدة مراحل، ولكل مرحلة منها طقوس قرائية تناسبها؛ ففي مرحلة الكتابة الأولى، يكون تركيزه منصباً بالكامل على توليد النص، وهي بالنسبة له أمتع المراحل، وفيها يندر أن يقرأ أي شيء. تليها فترات توقف يبتعد فيها عن النص تماماً، وهنا يعود لنظام قراءته المعتاد من روايات وكتب متنوعة دون قيود، مضافاً إليها كتب "الكتابة"، مثل كتاب "إنقاذ حياة القطة" لجيسيكا برودي، وكتاب "الحقيقة والكتابة" لبثينة العيسى.
أما في مرحلة المراجعة، فتصبح قراءاته أقل بشكل كبير؛ حيث يتجنب الروايات التي تنتمي لذات المجال الذي يكتب فيه، ويركز بدلاً منها على الكتب الفكرية أو العلمية. وصولاً إلى المرحلة الأخيرة وهي "إعادة الكتابة" وتعديل النص الأصلي، وفيها تكون القراءة شبه معدومة؛ لأن كل طاقته تكون موجَّهة للنص الذي يعمل عليه.
ألا يواتيه قلق من "تسرب" لغة كاتبٍ ما إلى نصه؟
يجيب المسكري:،"إنه قلق موجود وطبيعي، ويكون في أوجِه خلال المرحلة الأولى؛ لأن الكتابة حينها تكون بتدفق عفوي وبدون قيود، لذا أحياناً أتوقف عن القراءة تماماً لفترة قبل البدء في الكتابة".
المسكري لديه فكرة مختلفة عن العمل الرديء..
يقول: "تسرب اللغة الضعيفة إلى النص يؤثر على الكاتب بلا شك، لكنني في الوقت ذاته أرى أن قراءة عمل ضعيف وإدراك مواطن خلله يمنحني قدرة على تجنب تلك العثرات في نصي الخاص، وهذا الأمر يتجلى بوضوح أكبر في مرحلة التعديل وإعادة الكتابة، مع التوضيح أن هذه القراءة للأعمال الضعيفة لا تكون عادةً في "فترة الكتابة" الفعلية".
لغة صافية
الكاتب الكويتي عبد الله الحسيني يذكر أنه - في واحدة من المسودات التي يعكف على كتابتها - كان يقرأ رواية مترجمة، وأُعجب بالتراكيب اللغوية للمترجم، ثم انتبه إلى أن أسلوبه هذا وجد طريقه إلى نصه، فحذف ذلك كله في المسودة اللاحقة.
يعلق: “لاحظت أن هذا الأمر يتكرر معي كثيراً ولهذا وُجِدت المسودة الثالثة والرابعة.. إلخ. ليس ذلك فحسب؛ بعض الروايات، التي أقرأها وأنا أكتب، ألحظ بها فنيات تدوخني من فرط الإعجاب بها، فنيات قد تتماهى مع النص الذي أشتغل عليه لو أنني تنبهت إلى ذلك باكراً، فأكره ما أكتب، وأنظر إليه بعين الشك، الشك الذي يفوق التحمُّل، فأرتبك ويتعطل تقدمي في الكتابة من دون أي طائل".
لهذا السبب يحاول عبد الله في الآونة الأخيرة، قدر الإمكان، أن يقلل من قراءة الروايات حين يكون في طور الكتابة، وإن لم ينجح الأمر دائماً بالطبع. يقول: "صرت أقرأ كتباً فكرية تقترب، أحياناً، من أسئلة الرواية التي أكتبها. أي شيء يدور حول العوالم التي لزاماً عليَّ أن أستغرق فيها. ينفعني الأمر ويضيء لي جوانب كانت خافية. والآن، أضع بجانبي، وأنا أكتب روايتي الجديدة، دواوين من الشعر الأموي والعباسي. أتصفحها على نحو عشوائي، بين استراحة وأخرى. لا أدري لِمَ شعر هذين العصرين تحديداً. ربما لأنني أظن أن اللغة هناك صافية، بتراكيبها، بالنسبة إلى قارئ أغلب قراءاته مترجمة، وربما لأنها تعجبني من دون الحاجة إلى أي تبرير".
ثقافات متنوعة
الكاتبة التونسية فائقة قنفالي حين عرضت أولى كتاباتها على صديق سألها بجدية: هل تريدين أن تصبحي كاتبة؟ بعد أن تقرأي هذه القائمة بخمسين رواية سنتحدث. منذ ذلك اللقاء لم تفارقها الكتب.
لا تعتقد فائقة بوجود تأثير سلبي على الكاتب وهو يقرأ، أياً كان ما يقرأ. من المهم جداً، كما ترى، أن يقرأ الكاتب أنواعاً مختلفة من الكتب ولأسماء كثيرة من ثقافات متنوعة، فهذا بديهي لتطوير نصه. النص بالنسبة لها كائن متحول ومتغير ينمو بالتأثيرات التي يتلقاها ذهن الكاتب وتستجيب لها مخيلته، ولذلك كل قراءة تساهم في هذا النمو.
وتتفق مع المسكري في ضرورة قراءة كتب رديئة فمع الوقت يستطيع الكاتب أن ينصع حصانة ما. تعلق: "شخصياً قرأت كتباً رديئة فرضت عليَّ أثناء البحوث الأكاديمية أو عند حضور مناقاشات أدبية وأنهيت تلك الكتب لكنها اختفت نهائياً من ذاكرتي. لم أستطع الاحتفاظ بأي فكرة أو جملة أو عبارة. وأعتقد أن كل الكاتب في مساره سيكتب نصوصاً رديئة وبالقراءة سيمحو أغلبها أو سيعدلها ويعيد النظر فيها مراراً وتكراراً. أما النصوص المتوسطة فهي التي لا تمنحنا حكماً يترك أثراً في نفوسنا فلا نحن استطعنا غلق الكتاب والانصراف عنه ولا استمتعنا به كما يحدث مع الكتب الجيدة".
انتهى كلام فائقة ومعه انتهت آراء المبدعين حول أهمية أو خطورة القراءة أثناء الكتابة، لكنها لم تحسم الجدل، ولم تغلق القوس، فالأدباء ليس باستطاعتهم مخاصمة الكتب، إذ أن غالبيتهم يعتبرون أنفسهم قراءً بالدرجة الأولى!
