No Image
ثقافة

ما يقوله الكتاب العمدة في الإمبراطوريات عن أمريكا اليوم

18 يوليو 2026
18 يوليو 2026

تشارلز كينجز / ترجمة: أحمد شافعي

صدر المجلد الأول من كتاب إدوارد جيبون «تاريخ انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» قبل مائتين وخمسين سنة، أي في عام 1776، قبل محض أشهر من إعلان الاستقلال الأمريكي. بعد ذلك سوف يكرِّس جيبون ـ الذي كان آنذاك في الثامنة والثلاثين من العمر ـ ما بقي من عمره لإكمال ما لا يزال إلى اليوم أهم عمل تاريخي مكتوب بالإنجليزية: من ستة مجلدات إجمالا، وصلت آخر كلماته وعددها مليون ونصف مليون إلى المطبعة بعد اثني عشر عاما أي في عام 1788 الذي فقد فيه جورج الثالث صوابه واعترته الضلالات وأوقفت فرنسا سداد دينها الوطني الضخم.

لا تزال الأسئلة الكامنة في صلب هذا المشروع اليوم على مثل ما كانت عليه من أهمية وإزعاج قبل قرنين ونصف القرن. لماذا يبدو أن منحنى حضارة ما ينزع إلى البربرية؟ ولو أنه ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، فكيف نجعل السقوط المحتوم هذا أحسن حالا، فلا ترى أجيال المستقبل في منجزاتنا نذيرا لها وإنما إرث لها؟

إجابة جيبون باختصار هي أن علامة العظمة لا تتمثل في طول بقاء الحضارة وإنما في نقلها أفضل سماتها إلى المجتمعات التي تعقبها. وكان في اعتقاده أن الثابت الأكبر في التاريخ هو تضليل الذات: أي عجز الناس عمدا عن إدراك مدى ما طرأ من تغير بطيء على العادات والطقوس والقوانين التي يعدونها من جملة البديهيات إلى أن يفوت أوان ردها إلى هيئتها الأولى. وقد كتب أن الإنسانية «تحكمها الأسماء»، وأن الرومان كانوا مستعدين لأن «يخضعوا للعبودية شريطة إقناعهم باحترام بأنهم لا يزالون ينعمون بحريتهم القديمة». وكان تأريخ انحطاط روما أيضا وسيلة لفهم التحدي الأساسي الذي تواجهه أي حضارة، وهو كيفية وقاية العادات القديمة من الموت فور أن ترثها أجيال المستقبل التي لا محالة سوف تختلف أفكارها واعتقاداتها وذكرياتها ومظهرها عما للأسلاف من ذلك كله.

كان بوسع كل من عاش في القرن الثامن عشر أن يرى الأهمية المعاصرة لروما التي كتبها جيبون، تماما كما نراها اليوم في عام الذكرى المئتين والخمسين لأمريكا. لقد كتب هنري آدمز بعد قراءة «الانحدار والسقوط» سنة 1860 فقال «استبدلوا بكلمة روما كلمة أمريكا فإذا السؤال يصبح شخصيا. واستشعر آدمز أهمية الكتاب للولايات المتحدة التي كانت غارقة آنذاك في مستنقع صراع داخلي وتتهيأ لحرب أهلية. وفي القرن ونصف القرن التاليين، ظل جيبون مرجعا معتمدا يشار إليه بوصفه المتنبئ الدائم بما يحدث حينما يسوء حال بلد بعد حسنه.

غير أن ما يمكن استخلاصه من جيبون ظل يعتمد دائما على من يقوم بهذه الاستخلاصات نفسه. فقد قرأه الكوزموبوليتانيون باعتباره مدافعا عن التسامح في مواجهة التطرف الديني. ورآه مناهضو الاستبداد نصيرا للحكم الجمهوري على حكم الفرد. ويستشهد القوميون به في سياق مخاطر الهجرة. ويستشهد به المدافعون الحاليون عن حقوق الرجال باعتباره متنبئا بما سيكون للنساء والأنوثة من سلطة.

لكن في العصر الراهن، عصر اليقينيات المتنافسة، القومية والتعصب الديني من جانب، وادعاءات العدالة والتعبير الواثقة في جانب آخر، فإن البطولة الهادئة في «الانحدار والسقوط» تتمثل في إصراره على أن الماضي لن يرسخ أعمق معتقداتك، لكن الاحتمال الأكبر أنه سوف يربكها.

وحسن الكتابة عن الماضي لا يعني التنقيب فيه عن حقائق خالدة، ولا يعني ما هو أسوأ من ذلك وهو اختزاله في المألوف. وإنما التماثلات هي الملاذ الأول للحائرين، لكنها أيضا قد تكون شراكا. ولو أننا قصرنا الجدال الآن على ما لو أن ظروفنا الراهنة أشبه بروما في القرن الأول أم بروما في القرن الخامس ـ أم بألمانيا في عام 1933، أم بالاتحاد السوفييتي في ظل حكم ستالين أم بأي عصر آخر في ماضي بلدنا، فقد أخطأنا بالفعل في فهم الأمر.

لقد كان جيبون يشكك في أن بالتاريخ أي عبر قاطعة. فالجثث معلمون فشلة. لكن معرفة الماضي في رأيه قد تساعد في إلقاء ضوء جديد على (هنا والآن). وتحسِّن هذه المعرفة ـ ضمن أشياء كثيرة ـ قدرتنا على العيش الطيب بإبعادنا عن سوء تقدير الحاضر. فالثناء على زماننا باعتباره عصرا ذهبيا ورثاؤه باعتباره فريدا في الرداءة وصفتان إما لفرط الثقة الكارثي أو للشلل بفعل قوة اليأس.

ولأن جيبون بات من حكماء العالم، فمن السهل أن نغفل عن هذه الحقيقة الأساسية فيه وفي عمله العظيم. لقد كان الرجل مؤرخا أمينا استطاع في عصر انقسام سياسي وأفول إمبراطوريات ووقوع اضطرابات مزلزلة أن يخط كتابا طويلا تكمن في جوهره رسالة هائلة ومدهشة. ولقد كانت بصيرة جيبون النافذة تكمن في أن المغزى الكلي من قراءة كتاب تاريخ ـ أو تأليفه ـ لا يتمثل في الخروج منه بحقيقة واحدة كبرى. فالغرض الخفي من درس التاريخ هي حمل الدارس على الارتياح إلى تغيير رأيه.

لم يكن جيبون بالرسول المنتظر لهذه الرسالة ولا كان مرشحا للشهرة. فقد كان الطفل الوحيد المتبقي على قيد الحياة لثري ريفي إنجليزي، وببلوغه الثلاثينيات من العمر، لم يكن قد حقق حضورا ذا شأن في التجارة أو الأدب. كان طوله أقل من خمسة أقدام، ذا أطراف هزيلة، وخصيتين متضخمتين مؤلمتين تجعل السير صعبا عليه في بعض الأحيان، وكان ذا وجه اجتمعت عيناه وأنفه وفمه في حيز ضيق. وكان رأسه الضخم مغطى بشعر أحمر، وكان وفق رأي قاس لأحد من عرفوه «دميما، متصنعا، مقززا». كان عضوا في البرلمان البريطاني طوال الأزمة الأمريكية كلها لكنه لم يتحل بالشجاعة للكلام فيها. وهذا الرجل الذي كثيرا ما يعد المؤسس الأكيد الملهم لـ»التاريخ الكبير» كان في واقع الأمر عليلا، يفتقر إلى الثقة في النفس، ممن يوصفون اليوم بالمعاقين، وبات ذلك المزيج كله معين قوته السرية العظيمة.

ولكن كل من كان يصادفه على الورق المطبوع كان يجده مدهشا. فقد كان نثره مشحونا، وتوثيقه دقيقا. ولو أن عنوان الكتاب المهيب يقل قليلا عن طموحه. فقد سعى جيبون إلى رواية ألف وخمسمائة سنة كاملة من التاريخ الإمبراطوري، منذ نشأة الإمبراطورية في القرن الأول قبل الميلاد مرورا بسقوط القسطنطينية سنة 1453 مع توغلات في العصور الوسطى الأوروبية الأعم ومطلع عصر النهضة.

بالنسبة لقادة أمريكا الأوائل، أصبح جيبون واجب القراءة. إذ استعمل جيمس ماديسون ملاحظاته على جيبون في صياغة (البحوث الفيدرالية). وسجل جون كوينسي آدمز نفاد صبره لرؤية الأجزاء الأخيرة من «الانحدار والسقوط» بشغف من ينتظرون حلقات رواية مسلسلة. وحينما أحرقت القوات البريطانية مبنى الكابيتول الأمريكي في حرب عام 1812، باع توماس جيفرسون مكتبته وفيها نسخته من كتاب جيبون للحكومة للمساعدة على استعادة مكتبة الكونجرس. واليوم ثمة تمثال لجيبون بحجم يفوق الطبيعي، يبدو فيه نحيلا ووسيما، ويطل على قاعة القراءة الرئيسية في المكتبة مجاورا لكرستوفر كولمبوس.

لقد كان «الانحدار والسقوط» بمنزلة نضج الكتابة التاريخية لا بوصفها حرفة فقط وإنما بوصفها ممارسة حياة. فبالنسبة لجيبون، كان التواضع والشك وإيثار الدليل على السلطة وحسبان كل نتيجة أمرا مؤقنا، خصالا أساسية في المؤرخ الجيد. ويتبين أيضا أنها مهارات مفيدة لخوض غمار الحياة. فنحن نعيش الحاضر جاهلين بالحركات التكتونية الجارية أسفل أقدامنا، لذلك ندرس التاريخ كي نولي أهتماما أكبر. ويجدر بالمؤرخين أن يتولوا مهمة الدفاع عن الماضي في مواجهة الشموليين ـ من الأفراد والفصائل والأيديولوجيات ـ الذين نزدريهم أو الذين نتفق معهم وهؤلاء أصعب مراسا، وكلهم يريدون أن يضموا حتى الموتى إلى امبراطورياتهم.

في جوهره، يمثل تحويل أحداث الماضي الفوضوية إلى شيء متماسك نطلق عليه اسم التاريخ، عملية فهم عمدية هادفة. فالتاريخ يرغمنا على مواجهة أمور لا نستوعبها، وقرارات لا نستطيع أن نسبر أغوارها، وطرق في الوجود والاعتقاد تبدو شديدة الغرابة. ويجعلنا نبحث عن دليل في أماكن غير متوقعة. ويستوجب منا أن نفكر تفكير الراشدين، ونستخلص النتائج التي نعلم أنها سوف تتغير حينما تتغير الأدلة المتاحة.

لقد كتب جيبون في نهاية المجلد الأول يقول «إنني لا أستطيع أن أقرر ما الذي يجب أن أدونه إلى أن أقتنع بكم ما يجب أن أصدقه».

وفي مواجهة أخطار داخلية وخارجية ـ من حكم رديء في الداخل وأعداء في الخارج ـ سوف تأفل الحضارات القديمة. وسوف تظهر أخرى جديدة عند الشعوب التي كان أسلافنا يعدونها من البرابرة. لكن جيبون يعلمنا أن معرفة نهاية قصص الجميع يجب أن تكون حافزا على العيش بمزيد من الجسارة والحيوية.

فكل الأمور التي نعدها طبيعية وعزيزة وصحيحة سوف تزول يوما ما، مثلما زال آلاف الأباطرة والملكات والمواطنين والجنود والفلاسفة والكهنة والآباء ممن عاشوا في رحاب «الانحدار والسقوط». غير أن إمكانية السعادة والمعنى والإرث لا تكمن في أمل واه بمستقبل أفضل، وإنما تكمن ـ كم يقول لنا جيبون عبر القرون ـ في الدليل الراسخ على أن الموتى فعلوا ذلك من قبل.

كاتب المقال أستاذ بجامعة جورج تاون ومؤلف كتاب وشيك الصدور حول «تاريخ انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية».