فيلم "مشروع هيل ماري": رحلة مدهشة بين الكواكب والمجرّات لإنقاذ الأرض
طاهر علوان
من بين الأنواع الفيلمية التي تجد لها جمهورا كبيرا، تبرز أفلام الخيال العلمي وهي التي تقرب المسافة ما بين الواقع والخيال وتمضي بالمشاهد بعيدا في عوالم مختلفة متنوعة سواء من خلال أفلام غزو الفضاء والكائنات الفضائية أو من خلال الأفلام التي تذهب بعيدا في استشراف مستقل الكون من خلال فناء الأرض سواء بسبب عوامل الطبيعة من فيضانات وحرائق وطوفان تسونامي أو من خلال الحروب أو الأمراض الفتاكة.
خلال ذلك يبرز ذلك النوع القائم على فكرة استكشاف الفضاء وعوالمه الغامضة والمجهولة وهو أحد الأنواع الفيلمية المميزة وها نحن مع هذا الفيلم للمخرجين فيل لورد وكريستوفير ميللر وكتب السيناريو درو غودار وهو مأخوذ عن رواية للكاتب أندي وير، فيلم يعيد جمهور سينما الخيال العلمي إلى الشاشات محققا نجاحا استثنائيا ملفتا من خلال موارد ضخمة في شباك التذاكر تزيد على 500 مليون دولار وهو أمر ملفت للنظر دفع كثيرا من النقاد إلى القول إن فيلما ناجحا كهذا يستحق أن يرشح لنيل جائزة الأوسكار.
يبدأ الفيلم باستعادة رايلاند غريس لوعيه بعد الخروج من غيبوبة مسيطر عليها طبياً؛ يقوم بالدور الممثل رايان غوسلينغ، وسرعان ما يكتشف أنه الناجي الوحيد من طاقم المهمة الفضائية "هيل ماري" المكون من ثلاثة أفراد. ومن خلال مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك)، نكتشف تدريجياً أنه كان يعمل مدرسا للعلوم في مدرسة إعدادية، وكان سابقاً عالماً في الأحياء الجزيئية. وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء دوامه المدرسي، تتواصل معه شخصية حكومية غامضة – تقوم بالدور الممثلة إيفا سترات، وتدفع المعلم تدريجيا للعمل على دراسة كائن دقيق يُدعى "أستروفاج" (أو آكل الشمس)؛ وهو كائن يتسبب في خفوت ضوء الشمس، مما ينذر بأزمة قد تؤدي إلى انقراض الحياة على الأرض في غضون 30 عاماً نتيجة انجماد كوني شامل أو أن العالم الأرضي سوف يعيش في ثلاجة مجمدة تنهي الحياة على سطحه.
ينجح الدكتور غريس في فهم آلية تكاثر كائنات دقيقة، يم يتطور الأمر إلى أن يرسل في مهمة في الفضاء الكوني الشاسع لغرض الوصول إلى نجم بعيد يُدعى "تاو سيتي" وهو النجم الوحيد الذي لم يتأثر بـوباء "الأستروفاج". وقد أُطلق على هذه المهمة اسم "مشروع هيل ماري" تيمناً بمصطلح "تمريرة هيل ماري" الشائعة في كرة القدم الأمريكية، والذي يرمز إلى تلك الرمية اليائسة والملاذ الأخير الذي يلجأ إليه اللاعبون عندما تبدو كل الآمال ضائعة.
بعد فترة وجيزة، تقترب من "رايلاند" مركبة فضائية ضخمة، يتبين أنها تضم أيضاً ناجياً وحيداً، ولكن المفاجأة هي أن ذلك الناجي الوحيد هو مخلوق الصخري ودود وفضولي وذكي يشبه العنكبوت إلى حد ما ويطلق "رايلاند" على ذلك المخلوق اسم "روكي" وما تلبث أن تنشأ بين الاثنين مودّة عجيبة تقلب السياق الفيلمي وتقدم بنية سردية عميقة المعنى ويصبح ذلك أحد أسباب نجاح الفيلم، وحيث تُشكل التفاعلات العفوية -التي تشبه براءتها براءة الأطفال- بينهما شرارة المتعة في القصة. ومع مرور الوقت، تنشأ بينهما مودة ويعملان معاً لتحقيق هدف واحد: دراسة نظام "تاو سيتي" النجمي ومعرفة سبب مقاومته لكائن "الاستروفاج" المدمر.
ورغم الصعوبات الأولية في التواصل، يبتكر "رايلاند" جهاز ترجمة يحوّل إشارات تحديد الموقع بالصدى التي يستخدمها المخلوق إلى اللغة الإنجليزية فيما يتقاسم الاثنان لحظات طريقة ومؤثرة؛ وخلال ذلك فإنهما يضعان خطة لإنقاذ كوكبيهما، ويخاطر كل منهما بحياته من أجل الآخر.
هذه البنية السردية قدمت فيلما من أفلام الخيال العلمي اقرب إلى ذائقة الجمهور وفي بساطته والحس الإنساني وطابع المغامرة، فنحن زمنيا في عام 2032 والخراب زاحف باتجاه الأرض بينما يكون الاتصال قد انقطع ولهذا يواصل رايلاند مسيرة حياة يومية شبه يائسة من العثور على الآخرين وإمكانية العودة إلى الأرض لكنه يمارس دورة الحياة بشكل مختلف ومثير.
تناول عدد من النقاد في مختلف المنصات هذا الفيلم بالمراجعة والتحليل وفي هذا الصدد تقول الناقدة أودري روبرت في موقع سفين بارك فويس: " بدءا أقول بثقة أن هذا الفيلم ممتع للغاية؛ وقد لفت نظري بصدق التناغم بين رايلاند وبين المخلوق الفضائي الصخري الذي هو بلا وجه هو أمر يستحق الدهشة حقاً؛ ولا شك لدي في أن جزءاً من هذا النجاح يعود لكون المخلوق الفضائي عبارة عن دمية يتحكم بها إنسان، وليس مجرد تصميم رقمي.
كما تم بناء عالم الفيلم بعناية فائقة وتفاصيل دقيقة؛ فغالباً ما تكتفي السينما بتصوير الكائنات الفضائية على هيئة بشر يضعون مساحيق تجميل أو أطرافاً صناعية".
وأما الناقدة فاريلا كاناكا فقد كتبت في موقع لايف ستايل: "إنه فيلم خيال علمي يمكن فهم أحداثه واستيعابها بسهولة؛ فلا توجد مصطلحات تقنية معقدة، ولا رجال جادون يرتدون معاطف المختبر، ولا مبالغات درامية. الحبكة بسيطة للغاية، ويميل الفيلم أكثر نحو الطابع الكوميدي والأجواء المبهجة والمريحة للأعصاب، وهو أمر -بكل صدق- قد نكون بأمسّ الحاجة إليه في الوقت الراهن، إذ يحافظ الفيلم على طابعه الإيجابي طوال الوقت، ويتضمن لحظات مؤثرة وعاطفية للغاية تجمع بين البطل والكائن فضائي الذي لا يملك حتى وجهاً؛ إذ تُنقل المشاعر ببراعة وتبدو الحوارات نابعة من القلب وصادقة".
لامس الفيلم في موضوعه إشكاليات ذاتية ووجدانية ونقاط ضعف إنسانية عديدة إذ طرح العديد من التساؤلات حول الوحدة والعزلة والذات الهائمة ومعنى الحياة دون وجود شخص نعيش لأجله، وفي المقابل والأهم من ذلك كله، ذكرنا الفيلم بما يمكننا تحقيقه إذا وضعنا خلافاتنا جانباً، وتحلينا بالعاطفة والصدق، واعتمدنا أسلوباً عقلانياً في حل المشكلات.
ومن الجوانب الإيجابية المهمة المرتبطة بهذا الفيلم انه قد تجاوز حاجز الـ500 مليون دولار من الإيرادات، وبدأ يثير أحاديث مبكرة حول احتمالية ترشحه لجوائز الأوسكار. وقد أدى تصويره للسفر بين النجوم والحياة خارج كوكب الأرض إلى بث روح جديدة في نوع أفلام الخيال العلمي، ونقل مشاعر الانبهار والدهشة واجتذاب الجمهور مجددا إلى هذا النوع بعيدا عن أفلام الحركة وأفلام الرعب وغيرها تلك التي تسيطر على سوق الفيلم وتترك مساحة ضئيلة للأنواع الأخرى.
من جانب آخر لابد من التوقف والإشادة بما قدمه مدير التصوير غريغ فريزر من براعة ملفتة للنظر مزجت بين طابع الحركة والعناصر الجماعية والحس التعبيري العميق ممزوجة بالموسيقى التصويرية لدانييل بيمبيرتون الذي صاغ موسيقاه لتلامس أدق المواقف والمشاهد بعمق الثيمة التي طرحها الفيلم.
...
إخراج: فيل لورد وكريستوفير ميللرسيناريو/ درو غودارمأخوذ عن رواية للكاتب أندي وير
تمثيل: رايان غوسلينغ، ساندار هوللر، جيمس اورتيز، ليونيل بويسمدير التصوير: غريغ فريزر
موسيقى: دانييل بيمبيرتونالميزانية: 248 مليون دولار
الدخل -بوكس اوفيس: 684 مليون دولار
