محمد البساطي: المسالم الصاخب!
إيهاب لملاح
(1)
أدين لأستاذي الراحل، الناقد الكبير الدكتور سيد البحراوي بلفت انتباهي -وأنا ما زلتُ طالبا أدرس الأدب واللغة والنقد- إلى أعمال الأديب الكبير والستيني العتيد محمد البساطي (1937-2012) وقد كان أول من اقترح علينا قصة قصيرة له للقراءة والدرس والتحليل بعنوان "لقاء" من مجموعته المبكرة «هذا ما كان»..
القصة كلها حوالي صفحتين ونصف.. عن أستاذ (نسيت اسمه) يزور طالبا قديما درس له اسمه "خليل".. ينتظر هذا الأستاذ تلميذه أمام حجرته فوق السطوح، وحينما يعود خليل من عمله، يدخلان معا الحجرة ويدور بينهما حوار شديد التكثيف والاختزال نعرف منه التفاصيل اللازمة والضرورية لكشف العلاقة بين الرجلين.. تنتهي القصة بمغادرة الأستاذ دون أن يقضي ليلته عند تلميذه، وكان يتعشم أن يبيت ليلته هناك لحين انتهاء المصلحة التي جاء من بلده لإنهائها.
وبُهرت بالتحليل الذي طرحه سيد البحراوي للقصة، كان الدرس الأهم الذي تعلمته في ذلك اليوم ألا تنخدع ببساطة النص الظاهرة، كل كلمة وكل جملة وضعت في مكانها لتنتج دلالة ما تتفاوت من شخص لآخر بحسب عمق وثقافة القارئ..
أذكر أن جملتين وقف عندهما "البحراوي" وقال عنهما: إنهما مفتاح القصة كلها ومفتاح قراءتها.. "المكان هنا لا يتسع" (لا أنسى هذه الجملة في سياق القصة بعد أن كشف البحراوي عن محوريتها).
المهم كانت هذه القصة بداية لقراءة عالم البساطي القصصي، واكتشاف جماليات سرده عموما..
(2)
حلت ذكرى البساطي هذه الأيام (رحل عنا في 14 يوليو 2012)؛ وهو من القلة التي نأت بنفسها عن المعارك والمنازعات والمشاجرات التي اشتهر بها جيله (أو معظمه!) كان يميل للمازحة والبساطة والبعد عن الأضواء والاكتفاء والامتلاء بالكتابة؛ شأنه في ذلك شأن صديقه المخرج الراحل محمد كامل القليوبي (وقد شُهرا بصداقتهما القوية على مدار عمرهما).
كتب البساطي "القصة القصيرة" وتميز فيها تميزا لافتا، وقدم مجموعاتٍ متفردة في اقتصادها واقتناصها المذهل للحظات استثنائية في حيوات أبطالها؛ وقد وصفه المرحوم الناقد الكبير د. شكري عياد بأنه "أقرب كتاب جيله شبها بيوسف إدريس"..
ففي الكثير من قصصه، خاصة في مجموعته الأولى «الكبار والصغار»، استطاع أن يطوِّر أسلوبا خاصا في كتابة القصة الواقعية التي أخلص لها إخلاصا شديدا، وأجاد في تجريد الأسلوب الواقعي من زيادات وحواشي تيار الوعي أو "المونولوج الداخلي"، ويعتبره الكثيرون أحد أهم كتاب التيار السردي (المحايد)، في القصة والرواية على السواء.
في مجموعاته القصصية، كان البساطي يسير حثيثًا نحو تطوير أدواته وصقلها؛ فقصصه واقعية صرفة، فضاؤه الأثير "الريف" والمدن الصغيرة، ولغته تنزع إلى المفردات التي تشير إلى مدلولات مادية ملموسة، وتحتفل بتكثيف ما تراه عين السارد، التي تستبعد ما ليس ضروريا من وصف أو حركة.
وقد حافظ البساطي -طوال مشواره الأدبي والكتابي- على خصائصه الأسلوبية والجمالية التي حفظت له مكانة خاصة وفريدة ضمن كتيبة "الستينيات" المزدحمة بالمواهب والأصوات والأسماء!
(3)
في الرواية قدم البساطي أعمالًا مهمة جدًا لعل من أهمها وأشهرها «صخب البحيرة»، و«الخالدية»، و«جوع»، ورواية «ويأتي القطار» التي قال عنها: إنها العمل الوحيد "الذي أشعر أنه قريب من قلبي؛ لسبب وحيد، أنها تناولت مشاهد من حياتي في الطفولة والصبا، فهي فترة من أجمل الفترات التي مررت بها". أمّا روايته الأولى، «التاجر والنقاش» (1976)، فكانت تطأ أرضا جديدة مختلفة عن القصص القصيرة المشدودة بقوة إلى الواقع، إذ هي تهدم الحدود بين الواقعي وغـير الواقعي وتصهرهما معا، لتتحرك بين الواقع والخرافة. لكنه وفي عام 1979 أصدر قصتين طويلتين؛ هما: «المقهى الزجاجي»، و«الأيام الصعبة»، وفيهما يبرز الواقع عاريا من الخرافة، وتسود أساليب سردية واقعية ليعود ثانية إلى عالمه المفضل على ضفاف البحيرة في روايته «صخب البحيرة» التي صدرت عام 1994. وسنتوقف عندها قليلا في الفقرة التالية.
وبعد فترة انقطاع عن الكتابة، كان منها خمس سنوات قضاها البساطي في السعودية، عاد للكتابة القصصية ثانية، فصدرت مجموعته «هذا ما كان» عام 1987، ثم «منحنى النهر» عام 1990، وأخيرًا «ضوء ضعيف لا يكشف شيئا» عام 1993.
ومع بداية الألفية الجديدة ظهرت ثمار تفرغه الكامل للكتابة بعد التقاعد من الوظيفة، فأصدر مجموعتين قصصيتين هما «محابيس» (2002)، و«الشرطي يلهو قليلا»، وفي العام نفسه أصدر قصته الطويلة «فردوس». التي يحيل فيها إلى نصوص أخرى من خلال «التناص» معها.
(4)
لكن بدءًا من العام 1993 سيولي محمد البساطي الرواية جلّ اهتمامه، ويفرغ لها، وبين العامين 1993، 1999 صدرت له أربع روايات دفعة واحدة؛ هي:
«بيوت وراء الأشجار» (1993)، و«صخب البحيرة» (1994)، و«أصوات الليل» (1998)، و«ويأتي القطار» (1999).
أما روايته «بيوت وراء الأشجار»؛ فقدمتها السينما المصرية في فيلم بعنوان «الشرف» بطولة فاروق الفيشاوي وجيهان فاضل ومصطفى شعبان، عن أسرة مهاجرة من بورسعيد بسبب الحرب، ابنتها تتعرض للانتهاك في المدرسة التي عاشت فيها ظروف التهجير، تتزوج الفتاة ولكنها تخون زوجها، تنتظر الموت وهي محبوسة، ولكن ليس قبل أن يحاول الزوج الانتقام، وتنتهي الرواية بمفاجأة مدوية.. عمل محكم للغاية ومؤثر عن الأقدار التي تشكل حياة الفقراء، مع رسم مبدع للشخوص والمواقف الإنسانية، وخصوصًا في علاقة الفتاة التي تنتظر الموت بشقيقة زوجها التي تحرسها حتى لا تهرب.
فيما كانت «صخب البحيرة» إعلانًا مدويا عن روائي ذي حساسية عالية واكتشاف سردي مذهل؛ مثلت الرواية لوحة هائلة عن الناس والنيل والبحيرة والزمن الذي لا يتوقف عن الجريان، وعدة شخوص أحلامها صغيرة لا تزيد عن عشّة لها سقف من الصاج، وجلسة في المقهى، ونومة دافئة في عز النوّة..
لا مثيل لوصف البساطي للأماكن والأجواء، ووراء كل شخصية "حكاية"، علاقة صياد عجوز بامرأة لها ولدان، يرعاها فتحكي له، يموت وهي تحكي، امرأة جمعة وزوجها، يلتقطان ما تقذف به مياه البحر في النوّات، ملابس وعقود وفوانيس ومقاعد وربما جثث!
جدارية هائلة عن مصر الأخرى بين "البحر والنهر والبحيرة"، ودائمًا هناك رسام بارع لا تفوته حركة أو لون أو معنى أو طقس.. وقد ترجمت هذه الرواية إلى الإنجليزية والفرنسية، كما ترجمت «بيوت وراء الأشجار» إلى الإنجليزية والألمانية والإيطالية، و«أصوات الليل» إلى الفرنسية، و«التاجر والنقاش» إلى الإسبانية..
ثم جاءت روايته «أصوات الليل» لتشكِّل أنشودة حنين شديدة العذوبة أبطالها من كبار السن، يتحركون ليلا مثل أشباح "ماركيز"، يحاولون الإمساك ببقايا الذكريات، والرواية رغم ملامحها الواقعية، فإنها مكتوبة بنفس شاعري رقيق ومتعاطف، بالذات في شخصية "بدرية" التي تذهب أول كل شهر لقبض معاشها، زوجها استشهد في حرب فلسطين، وعندما تقابل بقية أفراد جيلها الذاهب، تسترجع الماضي كله بما فيه من أسرار محجوبة، في الليل تفتح حقيبتها لتتذكر ذلك العقد الذي شهد علاقة غامضة لم تمت، عاد بطل القصة من العراق بقايا إنسان، يبحث عن شخص يعرفه فلا يجد، رواية قصيرة مدهشة عن الإنسان الذي لم يهزمه الحرب، وقهره الزمن.
ويرى النقاد أنّ البساطي، وإن كانت عقيدته الأدبية، مثل أغلب أدباء الستينيات المصريين، تنزع إلى إبراز الصلة بين الكتابة والواقع، سعيا للتأثير فيه، فإنّ مفهوم هذا "الواقع" لدى البساطي يتسع ليشمل غير الواقعي، وتبرز فيه "الخرافة"، بل قد يصبح العالم كله مختلقًا متخيلا، على نحو ما نرى في روايتيه: «الخالدية» (2004)، و«دق الطبول» (2005).
جدير بالذكر أن محمد البساطي في عام 2002 فاز بجائزة مؤسسة سلطان العويس للقصة والرواية..
