ثقافة

قَص سردٌ مزدَوجٌ

03 مايو 2026
03 مايو 2026

1.صريعان 

كنا ننام على رمل شاطئ البحر في الصيف، أو في العُرُش السَّعفيَّة التي تقع على مرمى حجر من الشاطئ في الشتاء، وذلك بما يتيسر من أفرشة ممزَّقة، وأغطية بالية، ووسائد ذات رائحة نتنة تستطيع بالكاد أن ترتفع عن مستوى الرَّمل إن على الشَّاطئ أو في العريش. 

أيقظني بأفضل ما لديه من وسائل اعتدتُها؛ فبعد أن سكب الماء على وجهي وصدري، سدَّد ركلة قوية من قدمه إلى خاصرتي في الحلكة. أفقت مفزوعاً كعادتي فالنوم، على الرغم مني، لا يأخذني إلا في وقت متأخر من الليل فقط، حيث أعاني مما سأعرف لاحقاً أن اسمه «أرق حاد مزمن» يجعل من الاستيقاظ الباكر أمراً في غاية الصعوبة. 

ظننتُ للوهلة الأولى، بعد ركلته، أن الأمر، كما العادة، يتعلق بإشعار صلاة الفجر جماعةً في المسجد الذي يقع على بعد مسافة قريبة تحتلها مزارع نخيل وليمون صغيرة من مكان نومنا. لكنني حِرتُ كثيراً، وأنا بالكاد قادر على فرك النَّوم من عيني، حين زمجر بكلمات غامضة: «انهض! سيحضرونه الآن، فلا تكن نائماً! لا بد أن تكون شاهداً»! 

وقبل أن أفهم أي شيء، وصلت إلى هناك، ورأيت حشداً من الناس يتحلَّق حول المسجد، وهي جمهرة أكبر من تلك التي تأتي لصلاة الفجر جماعةً في العادة. عندذاك، وصلت سيارة من نوع «لاندروفر صالون» بيضاء مشعلة مصباحاً واحداً فقط من مصباحيها الأماميين، إذ يبدو أن الثاني كان معطوباً، وصوت ماكِنتها يتحشرج كأنه استغاثات إنسان يتعرَّض للخنق، وكانت الحلكة تتبدد أمام زحف الفجر. 

توقفت السَّيارة أمام المسجد، عند البئر، ومحرِّكها لا يزال يعمل. لم يتحرك أحد من الحضور، كأنهم يعرفون كل شيء، وهم ينتظرونه. لكن، حين صمت محرِّك السيَّارة، ركضت إليها في غمرة من فزع وارتباك، لأرى أنها تحمل لوحة أرقام تعود إلى بلاد مجاورة لبلادنا، وكان بابها الخلفي نصف مفتوح وقد تدلَّى منه شوال أبيض مثل شوالات الطَّحين التي في السوق. وفي النِّهاية السُّفلى من الشُّوال كان هناك ما يشبه قدمين آدميَّتين يسيل الدم منهما بغزارة.

أصابني الرُّعب كما لم يُصبني من قبل. أما هو فقد صرخ بي بنبرة آمرة: «تعال يا كلب وساعدني في إنزال الشُّوال»! امتثلتُ، وقد كنت أسمع، في الوقت نفسه، أصوات مجارف، ومعاول، وصخور تتكسر، وما يشبه الرَّعد الخفيف قادماً من كل مكان. 

ساعدته في إنزال الشوال، وعجبت ألّا أحد جاء لمساعدتنا من الذين كانوا يحيطون بنا. وضعنا الشوال على الأرض قرب حفرة كان عمقها يزداد مع علو صوت أدوات الحفر. ثم قال بنبرة آمرة: «خلاص! انتهى! توقفوا، توقفوا»! 

في تلك اللحظة، خرج أحدهم من الشُّوال الدَّامي، فقد مزَّق القماش والخيوط بصورة عنيفة، واتَّجه إليَّ والدم يقطر من كل جسده صارخاً: «أنا زاهر! أنا أحمد! لكن، من أنت؟! هل ستكون مُخبِراً؟ سَتُبلِغُ عمَّن؟! لم يعد هناك أحد تمكن الوشاية به! آخرنا صريع الليلة! أم أنك ستصبح كاتباً؟! ترى، هل ستكتب؟! ماذا ستكتب؟! هل الكتابة ممكنة أصلاً»؟! 

2. سردٌ مزدوج 

بعد رحلة طويلة وشاقَّة عبر الصحراء، والجبال، والوديان، والسُّهول، وكافة أنواع التَّضاريس غير المضيافة التي يجتمع فيها كل شيء غادِر، توقفت سَّيارة الدَّفع الرُّباعي عند آخر نقطة يلتقي فيها الماء باليابسة في أقصى شاطئ في البلاد، حيث يوجد هناك الكثير من الماء الأزرق والأخضر، والرِّمال الذهبيَّة، وبقايا حطام سفن من تَرِكة حروب طاحنة ضد الغزاة دارت على مدى قرون من الزمن. 

أطفأ أضواء السيَّارة، وترجَّل منها لكنه أبقى على محرِّكها دائراً، وتفقَّد المكان بنظرات فاحصة ومستريبة، ثم دخَّن سيجارة بشهيق وزفير لاهثين. وبعد أن خفَّ اضطرابه قليلاً أيقن أنه وصل إلى المكان الصحيح، حسب الاتفاق المُبْرَم منذ ذلك العام البعيد. ووفقاً للخطَّة، جاءت صرخة تشبه صوت صافرة عميقة أصدرها أحدهم من الظلمة. كان البَّحار في انتظاره، والقارب الصغير يتمايل قليلاً عند وصول نهايات الأمواج إليه، حيث هو راسٍ في مستهلِّ البحر على بعد ذراع أو ذراعين من اليابسة. 

وحسب الاتفاق، لم يكن هناك أي كلام متبادل بين الطرفين، فالالتماعات الصَّادرة من نظرات العيون كانت كفيلة بالتَّيقُّن من أن كل شيء صحيح، ويسير على أفضل ما يرام. لم يُشغِّل البحَّار محرِّك القارب، بل أدار حبلاً ثخيناً مربوطاً بالقارب من جهته الخلفيَّة حول خصر الرجل القادم من المدينة البعيدة، ثم ربطه بإحكام قبل أن ينطلق. بعد ذلك، أخذ البَحَّار يجرُّ القارب خلفه بحبل آخر مربوط بحبل ضخم مشدود حول خصره هو نفسه، وأخذ يسبح وهو يطلق ضحكات قصيرة غامضة. 

ذُهِل هذا لقوة البحار البدنيَّة التي تجعله يسحب قارباً مربوطاً به شخص آخر. ومع تقدّم القارب في الماء بدأ بالقلق والإحساس بالخيانة، أو التَّوجس الشَّديد في أحسن الأحوال، فليس هذا ما اتفقا عليه بالضبط، وقد أصبحا في عرض الماء تقريباً. ثم طَفِقَ ينظر إلى الأمواج وهي تكبر وتعلو من حوله، قائلاً لنفسه: «هكذا إذاً! إذا ما وصلتُ إلى الضِّفة الأخرى فسيكون لديَّ ما أسرده للجميع، وإذا لم أصل فلن يكون لديَّ ما أرويه لأي أحد». 

فجأة، إذا بقوَّة غامضة تجذب القارب نحو القاع بسرعة هائلة. حينها فكَّ البحَّار الحبل المعقود حول وسطه، ثم أخذ يقهقه بشماتة غير مفهومة وهو يعوم واثقاً نحو الضِّفة الأخرى التي بدت للعيان الآن. 

كان مغناطيس الأعماق يشدُّ القارب بقوَّة نحو الأسفل، ووصل الماء سريعا إلى ركبتيه، ثم خصره، ثم صدره، ثم عنقه، وذلك قبل أن يبتسم ويهمس لنفسه: «حسنٌ جداً! هذا سردٌ مزدوج»! 

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني 

Image