فيلم "ابيكس" من القمم الجبلية إلى قاع البحيرات، صراع شرس بلا حدود
طاهر علوان
الطبيعة سيدة الموقف وعنوان الجمال ومكمن الخطر
لقد اعتدنا على مشاهدة الطبيعة والاستمتاع بمناظرها الخلابة من خلال الأفلام الوثائقية في الغالب وأما وجودها في الفيلم الروائي فليس إلا ميدانا للصراعات، فتارة هي شاهد على الديستوبيا التي تنتهي بفناء العالم وبالتالي تفرق الناجين في أماكن نائية أو غابات أو من خلال أفلام الكوارث من فيضانات وحوادث تسونامي تطارد الناجين أو في نطاق أفلام الجريمة، حيث يجري اقتفاء الخصوم في أماكن وعرة أو مهجورة.
أما في هذا الفيلم للمخرج السكوتلاندي بالتاسار كورماكور فنحن أما معالجة سينمائية - إخراجية مختلفة ركنها الأساس هي الطبيعة أيضا لكن بوصفها فاعلا شرسا وبكونها تحديا جديا وجوديا، خاصة عندما تتحول العلاقة معها إلى نوع من التحدي.
يفتتح الفيلم بمشهد صعب خاصة على من لديهم فوبيا المرتفعات، ثم تليه مشاهد مصنوعة ببراعة متناهية لزوجين يفتتحان يومهما وهما يعيشان في داخل خيمة معلقة في أعلى سلسلة جبلية شاهقة، وما تلبث رحلة التحدي أن تنطلق من خلال قيام ساشا - الممثلة الجنوب إفريقية الأصل البارعة وحاصدة الأوسكار تشارليز ثيرون بمصاحبة زوجها تومي - الممثل إريك بانا، وهما ينطلقان في رحلة التسلق المخيفة في أعالي الجبال الوعرة، حيث خطر الانزلاق والسقوط لا يكاد يفارقهما وهما يتدليان تباعا عندما تفلت موطئ أقدامهما أو عندما لا تثبت المثاقب على تلك الجبال الصلدة وهو ما سوف ينتهي بفاجعة تتمثل في سقوط الزوج بعد انقطاع الحبال ليموت هناك.
تعيش الزوجة هول الصدمة، فتكفكف أحزانها بالعودة إلى استراليا وهناك تسمع عن تخييم في مناطق بحيرات وروافد مائية وحواف صخرية وعرة فتراودها نزعة التحدي من جديد رغم أنها أمضت وقتا في محاولة نسيان ذكر زوجها وذكرياتها معه.
يرتكز الفيلم على الممثلة ثيرون - التي تؤدي دور الزوجة لاسيما وأنها بارعة في أداء مثل هذه الأدوار وسبق لها وفازت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن أدائها لشخصية القاتلة المتسلسلة إيلين وورنوس في فيلم "الوحش". ومنذ ذلك الحين، رُشّحت مرتين أخريين في نفس الفئة، عن فيلمي "نورث كانتري" و"بومبشيل".
هنا سوف نكون معها من خلال فيلم أكشن ومغامرة وإثارة نفسية يقدم قصة عن الصراع من أجل البقاء، ليس جسديا فحسب، بل عاطفيا وإنسانيا ونفسيا أيضا، وعن اكتشاف المرء لقوته الحقيقية.
وبرزت ثيرون أيضاً كنجمة أفلام حركة قوية، حيث أبدعت في أدوارها في أفلام مثل "ماد ماكس: فيوري رود"، و"أتوميك بلوند"، و"الحارس القديم"، و"إف 9"، و"بروميثيوس"، و"إيون فلوكس". ومن أدوارها السينمائية الأخرى: "راشدون صغار"، و"تولي"، و"لقطة طويلة"، و"كوبو والغرباء"، و"هانكوك"، و"المهمة الإيطالية".
وستظهر قريباً في فيلم "الأوديسة " للمخرج كريستوفر نولان.
على أن ساشا ولكي تصل إلى ذروة التحدي سوف تدخل في دوامة هي أخطر من صعود الجبال وذلك من خلال استدراجها ووقوعها تحت سيطرة وملاحقة بين، القاتل المتسلسل - يؤدي الدور الممثل تارون إيغرتون، وها هما في لعبة الكر والفر والقط والفأر والمعادلة تختصر بأنه بمجرد انتهاء الأغنية سوف تكون نهايتها أي مقتلها وأما إذا أفلتت قبل انتهاء الأغنية، فسوف يتركها وشأنها لكن القصة سوف تتسع إلى أشكال وحشية من المطاردة والإيذاء والاختباء لتتوج بمواجهة مباشرة بين القاتل المتسلسل وبين ساشا وبذلك يدخل الفيلم في مسار سردي آخر ينطوي على كثير من العنف والنزعة الإجرامية.
لقد توقف العديد من النقاد عند هذا الفيلم وكتبوا رؤاهم النقدية عنه ومن ذلك ما كتبته الناقدة تومريس لافلي في موقع روجر ايبيرت الشهير قائلة: " إذا كان لأفلام ووثائقيات تسلق الجبال أية فائدة لمن لم يسبق لهم تسلق قمم مماثلة، فهي أن التسلق فن وعلم في آن واحد. لا يكفي امتلاك القدرة على التحمل، وعضلات ورئتين في أفضل حالاتها، بل يتطلب الأمر أيضا الصبر والقدرة على حل المشكلات بشكل غريزي، وهذا الفيلم ينبض بحب عميق واحترام للطبيعة، وبإخراج بارع من كورماكور في براري أستراليا، يُبشّر منذ البداية بتجربة مُثيرة على الشاشة، يُقدّمها بسخاء على غرار أفلام المغامرات التي تُجسّد روح الطبيعة".
أما الناقدة اليسون ويلمور، فتكتب عن الفيلم في موقع فولتشور قائلة: " إن فيلم "أبيكس"، الذي تدور أحداثه بشكل أساسي حول شخصيتين رئيسيتين تطاردان بعضهما البعض في متنزه واندارا الوطني الخيالي، والذي تم تصويره في جبال بلو ماونتينز الأسترالية الحقيقية، يركز على الحركة أكثر من التركيز على الجوانب النفسية الدقيقة. ولكن عندما يهدأ إيقاع الفيلم، يكون ذلك لتسليط الضوء على حالة التململ الشديدة لدى بطلته، والتي تدفعها لاختبار ليس فقط حدودها الشخصية، بل وحدود من حولها أيضاً. ومن الواضح أن مخرج الفيلم يقدر الطبيعة البرية لجمالها وقدرتها على حصد الأرواح، كما أن براعته في التصوير في بيئتها الطبيعية، بالإضافة إلى المواقع الخلابة نفسها، تجعل فيلم "أبيكس" أقرب إلى الواقع. إنه فيلم بسيط وسريع الإيقاع".
وأما إذا انتقلنا إلى البناء السردي للفيلم، فقد نجح المخرج في حشد الأحداث بما حال دون وقوع حالة من الترهل أو انحدار الإيقاع الفيلمي، ولهذا كان الإيقاع المتسارع وحبس الأنفاس من المميزات الأساسية، وهنا سوف تتجلى بطولة ساشا وجرأتها وترك كل شيء وراء ظهرها والتفرغ للاقتصاص من القاتل المتسلسل والمضي معه في الصراع إلى النهايات لا سيما بعد اكتشافها الضحايا الذين لا تزال جثثهم معلقة في أعلى الجبل وفي كهف يقع عند أشد المنحدرات المائية صعوبة.
خلال ذلك يبدع المخرج ومدير التصوير لورانس شير في توظيف مواقع التصوير، مدمجا كل منعطف وكهف ومنحدر وشلال بسلاسة مع تدفق السرد الفيلمي، مستغلا ما تنطوي عليه المشاهد من تحد. في هذه الأثناء، يشكّل صراخ إيغرتون- في دور القاتل المتسلسل الهستيري وعيناه المتوهجتان، إلى جانب قوة ثيرون وثباتها، ثنائيا متكاملا، مع تغيّر التوازن بينهما بين حين وآخر، حيث ينصب بن فخا لساشا ويحاول تشتيت انتباهها ثم تنقلب الأدوار بسلاسة عبر سلسلة من المشاهد المصممة ببراعة مقترنة بتحولات درامية متقنة.
وأما إذا توقفنا عند منعطف النهايات سواء أكانت سعيدة أم محزنة، فإن ما يتبقى هو صوت الطبيعة وصداها وقوتها ووعورتها وما تحمله من تحد للكائن البشري في مقابل الجرأة والثبات والتحدي ممثلا في ساشا التي تكمل دورة الطبيعة وتتفاعل معها وتستخرج منها أعنف وأصعب ما فيها وتخرج وهي جريحة ومدماة ومنهكة ولكنها منتصرة على حزنها وعلى عدوها.
..............
إخراج: بالتاسار كورماكور
سيناريو: جيرمي روبنز
تمثيل: تشارليز ثيرون، تارون ايغرتون، ايريك بانا
مدير التصوير: لورانس شير
موسيقى: هوغني ايغلسون
