ثقافة

"دون باسكوالي" في الأوبرا السلطانية زواج فتح باب المصائب.. وخدعة تنتهي بالحكمة!

03 مايو 2026
03 مايو 2026

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري

تصوير: خالد البوسعيدي

حضرت واحدة من أعرق كلاسيكيات الأوبرا على خشبة مسرح دار الأوبرا السلطانية، إذ قدمت على مدى يومي الخميس 30 أبريل، والسبت الثاني من مايو "أوبرا دون باسكوالي" للإيطالي جايتو دونيتزيتي الذي عاش خلال الفترة من 1797 إلى 1848، وشارك في تأليف النص إلى جانب الإيطالي جوفاني روفيني الذي عاش خلال الفترة من 1807 إلى 1881.

وحضرت أوبرا "دون باسكوالي" على مسرح دار الأوبرا السلطانية بعد أن قدمت لأول مرة في عام 1843 على مسرح "كوميدي إيتاليان" في العاصمة الفرنسية، فجابت منذ ذلك العصر بلدانًا كثيرة، رغم توقفها أكثر من قرن، وعادت بحلتها الجديدة أول مرة في عام 2006 بعد أن أعيد إنتاجها في إيطاليا، مع الحفاظ على الروح الكلاسيكية بحضور الأوركسترا الموسيقية والغناء الأوبرالي في سرد حكاية "دون باسكوالي".

تميز العرض بالطول النسبي، إذ امتد الفصلان الأول والثاني لقرابة 80 دقيقة متواصلة، وفصلت بينهما وبين الفصل الثالث الذي استمر لحوالي 50 دقيقة استراحة لمدة 25 دقيقة، بقيادة موسيقية للمايسترو جانلوكا كارنشيانو الذي قاد أوركسترا الدولة السيمفونية لجمهورية أرمينيا.

إلى جانب الممثلين الرئيسيين فينتشينزو تاورمينا بدور الرجل العجوز الأعزب "دون باسكوالي" الذي تحمل الأوبرا اسمه، ودانييلا كابييلو بدور "نورينا" الفتاة المدللة التي يرغب العجوز بالزواج منها، وماركو تشيابوني بدور "إرنستو" ابن أخ العجوز وعشيق "نورينا"، وماكسيم ليسيين بدور "مالاتيستا" مستشار العجوز وطبيبه، إلى جانب ويليام هيرنانديز الذي أدى دور "المحامي".

أما في سرد الحكاية، البسيطة في فكرتها، والممتدة في تفاصيلها، والمنتهية بحكمة خفيفة الظل، فقد انطلقت من منزل العجوز الثري "دون باسكوالي" في روما، حيث بدا الرجل مصرًا على تغيير مجرى حياته بالزواج، مدفوعًا برغبة في تأديب ابن أخيه "إرنستو" الذي رفض الارتباط بامرأة ثرية مفضلًا حبه للفتاة الفقيرة "نورينا". وفي خضم هذا الصراع، يدخل الطبيب "مالاتيستا" كصديق ومستشار، حاملًا معه خطة ماكرة تقلب موازين الحكاية.

تتشكل خيوط اللعبة حين يقنع مالاتيستا نورينا بالتنكر في شخصية فتاة بريئة تدعى "سوفرونيا"، يُزعم أنها أخته، ليقدمها إلى باسكوالي كعروس مثالية، وبسذاجة ممزوجة بالثقة، يندفع العجوز نحو هذا الزواج المفاجئ، غير مدرك أنه يوقع نفسه في فخ محكم، خاصة مع وجود "كاتب عدل" مزيف يمنح العروس الجديدة سلطة واسعة على أمواله ومنزله.

ومع انتقال الأحداث، تبدأ ملامح التحول الدرامي في الظهور، إذ تنقلب "سوفرونيا" فجأة من صورة الفتاة الخجولة إلى امرأة متسلطة ومبذرة، تفرض سيطرتها على تفاصيل الحياة اليومية، وتغرق المنزل في الفوضى والتكاليف الباهظة.

وفي الفصل الأخير، يبلغ التوتر ذروته داخل منزل تغير شكله وروحه، حيث يكتشف باسكوالي حجم الخديعة من خلال رسالة غامضة تقوده إلى حديقة يعتقد أنه سيضبط فيها خيانة زوجته. هناك، تتقاطع الخيوط بين الحب والمكيدة، إذ يلتقي "إرنستو" ابن أخ العجوز و"نورينا" في مشهد غنائي رومانسي، قبل أن يحاول باسكوالي ومالاتيستا كشف الحقيقة، إلا أن الخطة تمضي نحو نهايتها المقصودة، حين يُدفع باسكوالي إلى القبول بزواج إرنستو من نورينا هربًا من زواجه المتعب، الذي لم يكن سوى عقد زائف المراد منه تقديم درس للعجوز، وعند لحظة الكشف، تتجلى الحقيقة كاملة، فيدرك باسكوالي أنه كان ضحية خدعة مدروسة، لكنه في المقابل يستعيد هدوءه ويختار التسامح، لتختتم الأوبرا بمصالحة جماعية، ورسالة إنسانية بسيطة مفادها أن الرجل العجوز إذا تزوج من فتاة صغيرة فإن ذلك يعني فتح باب المصائب عليه.

ما يؤخذ على العمل طوله النسبي رغم بساطة الحكاية، إلى جانب ما يمكن اعتباره خللًا فنيًا في الترجمة، إذ كثيرًا ما أحدثت الترجمة لبسًا للمتلقي سواء بالخلل في خطابات التذكير والتأنيث، فنجد الحوار الغنائي الأوبرالي بين العجوز وخادمه – على سبيل المثال – بصيغة الأنثى، إلى جانب التأخر في الترجمة في مواضع وعدم مزامنتها مع الأداء الحي، وكذلك غياب الترجمة في الحوارات المكررة والطويلة، وقد يرجع ذلك إلى تكرار ذات الحوار طويلًا، إلى جانب بعض الهفوات التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار، منها مشاركة المنظمين في تغيير الديكور، إذ بدى ذلك واضحا، متساؤلا ماذا لو كانت لهم ادوار بسيطة وأزياء لا تكسر روح العرض، إلى جانب بعض الممثلين الثانويين، الذي ارتدو احذية حديثة لا تتناسب وروح العرض الكلاسيكي ولا ترقى للاحترافية.

ومن الأمور التي تُحسب للعرض إتاحة فرصة للأسماء العمانية بمشاركة نجوم عالميين، ففي العرض شارك كل من سعود اليحيائي، وياسر الحسني، وزاهر السليمي، وسحر الهاشمي، وفهد المعلوي، وجمال الحبسي في أدوار متفاوتة المساحة.

اختتم العرض بعد يومين من الأداء الحي، والإبهار في الديكور المتغير على مرأى الجمهور من خلال التدلي من اعلى المسرح واستعمال الشاشات وأطراف المسرح، ليترك تجربة تتفاوت في نفوس المتلقين، وتبقى تكافح السنين وتجوب العالم.