ثقافة

عباس الموسوي: الوجوه امتداد للأماكن، لكنها تعطيك صخبا داخليا بدل الضوضاء الخارجية

05 يناير 2026
فنان يتحرك الناس داخل لوحاته
05 يناير 2026

- كلما زادت الضبابية، زاد اتساع التأويل

- لوحاتي تتغير بحسب عين المتلقي

- لوحاتي لا تهدأ في المرسَم

- اللوحة مثل الموسيقى تبدأ عفوية، ثم تُرتَّب

- عندي ثلاثة آلاف عمل حول العالم

- شعرت أننا "نظلم البحر" إذا رسمناه أفقيا فقط

***********************************

تقف أمام اللوحة فتكتشف أنك قادر على شم رائحة الهيل والقهوة والشاي، ثم تحاول أن تتذكر متى زرت البحرين آخر مرة؟ لكنك لا تستطيع، وكأن السنوات صارت كالماء وتسربت من بين يديك، هل زرتها فعلا من قبل؟ أم أنك عدت للتو من المنامة؟ هذا ما ستشعر به وأنمت تتأمل لوحات الأسواق في البحرين، ظل وضوء لكنك تشعر بالأشخاص داخل اللوحة يتحركون يبيعون ويشترون وينادون، وتتأكد أنك لست وحدك من يسمع للوحة أصوات أناس وحركة أقدام، فأصحاب الفنان عباس الموسوي قالوا له الشيء ذاته.

رجل يرتدي قبعة وجاكيتة بيضاء "كان يتدثر كثيرا"* والشتاء بعيد ما يزال في مسقط، لا تبدو هيئته كالبحرينين الذين أعرفهم، لكنه متى ما بدأ بالكلام تحاصرك المحرق والمنامة والرفاع، أسواق البحرين والمزارع والبيوت والصيادين والبحر، وقصص كثيرة كمن وقعت بيده محارة ثمينه ملأى باللؤلؤ... وفي ساعة الحكي تلك كان هذا الحوار...

*****************************************************

- في لوحاتك رأينا البحرين تشع بالضوء والألوان. ماذا يعني لك الإنتماء للبحرين ؟

كفنان؟ أنا أحسّ أنني ابن الطبيعة، ابن الأرض، والأماكن كلها. تربّيت عند الشواطئ؛ بيتي يبعد عن البحر ثلاثين مترًا، وعن بناء السفن عشرة أمتار. عشت في منطقة جميلة، ومنطقتنا امتداد لأسواق البحرين في شارع الشيخ عبدالله. نهاية بيتنا كانت حديقة جميلة، والوالد حوّل جزءًا منها إلى متحف صغير. درس في الهند وعاد بكمية كبيرة من الثقافة الهندية، من معلقات وصور وأرشيف جميل وموسيقى وكاميرا من الأربعينات. تخيّلي هذا كله في البيت: عيون طبيعية نصورها، نعيش بين النخل، نخلة تُسمّى باسم أخي، وأخرى باسم أختي. الوالد وظّف الأشياء بطريقة جميلة. اسمي الحقيقي عرفان، على وزن: عدنان، نعمان، لقمان، خشبان، رضوان، سلمان... هذه أسماء إخوتي. لكن الوالدة سجلتني باسم عرفان في المدرسة، فأصبح هو اسمي المتداول اليوم.

وكان الوالد عندما يُرزق بولد يكتب بيت شعر، ومن خلال "الأوزان الشعرية" يمكن استخراج عمر المولود بالسنة الهجرية، وهذه طريقة جميلة ما زلت معجبا بها.

حتى الوالدة كان يناديها "باريس"!، فكبرت في بيت مليء بالشعر والجمال والرموز. ولدت في غرفة اسمها النعيم، وهي من أسماء الجنة، وفي بيتنا غرف أخرى اسمها النسيم والمقام والسلام... فكبرتُ بين الطبيعة والبحر والنخيل. تسلقت النخيل، وركبت جذوعها، وقطفت الرطب. بيتنا أيضًا حديقة كبيرة، ومنطقتنا اسمها النعيم، وأنا ابن هذه البيئة.

كل هذا شكّل انتمائي الحقيقي... البحر، والقرى، والصحاري، والوديان. لذلك صارت السيمفونية في أعمالي هي روح البحر والنخلة؛ النخلة هي الأم، الغذاء، الظل، والأكسجين، وهي رمز يمتدّ من الخليل إلى كل مناطق الخليج. الوالد أيضًا كان يزرع الشجر في البيت، وأختي الشاعرة برية كتبت كتابًا عن حياتنا وسمّته بيت بفيّه الياسمين؛ لأن ياسمينة ضخمة صعدت إلى الدور الثاني وظلّلت البيت. أخذت هذا الاسم ودمجته في مرسمي. وحديقتي كلها ياسمين، ومن يدخل المكان يمرّ تحت أسقف معلّقة من الياسمين، البحرين فيها "ريحة" وروح... الناس فيها يتقاربون. نحن وأنتم نتنافس في الطيبة، لكن الهدف أن يكون كل واحد أطيب من الآخر. منافسة جميلة لأننا في النهاية فائزون.

- إجابتك عن الانتماء تعكس كيف تكونت رؤيتك الجمالية للأشياء. في لوحاتك نرى أسواق البحرين برائحة القهوة والشاي، ومع ذلك تبقى فيها ضبابية... لماذا؟

الضبابية جزء من أسلوبي؛ تحرّك عين المشاهد وتجعله يجد أملًا جديدًا في كل مرة ينظر فيها للعمل. هي طريقة ومزاج فني، ومن مدارس الرسم التي لا تقدّم الأشياء بدقة الكاميرا. كلما زادت الضبابية، زاد اتساع التأويل. لوحاتي تتغير بحسب عين المتلقي. صديق قال لي إنه يرى الناس في اللوحة يتحركون بعد منتصف الليل! اكتشفت لاحقًا أنه يشرب ليلًا... لكن المهم أن اللوحة تمنحه حياة داخلية. أنا لا أحبّ الجمود؛ الرسم الفوتوغرافي جامد. أريد اللوحة "تتنفّس".

- اللوحة التي فيها جدول ماء تُشعرك بأن الشمس ستغرب حقيقة... كيف تجيد ذلك؟

نعم، الشمس فعلًا “تغيب” من هذا المكان. اللوحة تحرّك الداخل والخارج، وتبحث عن قيم فنية جديدة، لتخرج من الصمت والجمود. الشمس تشرق بنور خفيف، ثم سطوع، ثم حرارة، ثم استسلام آخر النهار. لوحاتي كذلك. أهم شيء عندي الضوء والظل. الشمس هي القوة والطاقة. إذا ما رأينا الشمس تضعف أجسادنا وأعيننا. لذلك أركز على ضوئها. لوحاتي لا تهدأ في المرسَم... أضيف لها يوميا شيئا جديدا، حتى لو كانت معلقة وموقعة. كثيرون يأتون بلوحات بعد 15 سنة ليصلحوها، فأضيف "حناني" عليها.

- هل يمكن اعتبار هذه اللوحات “أرشيفا بصريا” قبل أن تبتلع الحداثة الأسواق القديمة؟

نعم، وهذا مستغرب... لكنني من المحظوظين الذين لحقوا بتوثيق هذه الأماكن. أنا مصوّر فوتوغرافي منذ الستينات، والدي أهداني كاميرا قديمة، فسجّلت كل مواقع البحرين. كان مخزونا كبيرا... أسواق تتغير، ووجوه تتبدل، وأنا أغير الإضاءة والديكور يوميا، لكن الناس هم الناس والمكان هو المكان. عندي ثلاثة آلاف عمل حول العالم. السعودية وحدها احتكرتني عشرين سنة، واقتنت ما يقارب 1500 لوحة. درست الفن في معهد المعلمين، ثم تخصّصت في التصميم الداخلي في مصر. لذلك صار التصميم جزءًا من بنائي الفني. مرسمي اليوم مركز ثقافي، يأتي إليه شعراء وفنانون وطلبة.

- ذكرتَ أن والدك شخصية غير عادية...

نعم، شخصية كبيرة وغريبة... كتب حسين المحروس كتابا عنه، لكنه لم يذكر كل التفاصيل العائلية. والدي كان جريئا، يكتب في مواضيع لم يجرؤ عليها أحد في زمانه. كان شاعرا ومثقفا وله عشرات الكتب، وكل حياته كتابة وقراءة.

- في علاقتك بالنخلة والطبيعة البحرية، عبّرت عنها من خلال امرأة ولا شيء آخر؟

النخلة هي الأم، الغذاء، الظل... ذُكرت في القرآن، وتقاوم الجفاف، شامخة وتعطي ثمرا. ألوان البلح مثل جمال المرأة، وعندما “تُلقّب” النخلة تصبح كالمرأة الجميلة المُقبلة على الحياة. في بيتي 28 نخلة، وأصعد عليها لأري الزوّار “شطارة” البحريني في تسلّق النخل وقطف الرطب.

- ننتقل إلى "الوجوه" في أعمالك... هل يمكن اعتبارها تنويعا في رؤيتك الفنية؟

اختصرت الجمال كله في الوجه. أحبّ المرأة وأرسمها كثيرًا. عندي توأم بنات (صفا ومروة)، تربيتُ معهما وتعلّمتُ من حضور المرأة. الوجوه عندي فيها “اللمسة الأخيرة” — مثل اللمسة الأخيرة التي تضعها المرأة قبل مغادرتها للمرآة. هذه اللمسة هي "الكود" الذي أضعه في لوحاتي... هذه بصمتي الخاصة.

- في الوجوه نرى عيونا كبيرة وغامضة، أنوفا طويلة، وأفواها صغيرة... ما سر هذه اللعبة الفنية؟

الفن لا يستقرّ على شكل واحد. العين قد تنظر يمينًا أو يسارًا، وقد تختفي، والأنف يظهر جزئيًا، والشعر ينزل... هذه "اللعبة الفنية". كل لوحة عندي فيها إضافة جديدة وشحنة من الروح.

- هل هذه الوجوه من واقع أم من ذاكرة أم من خيال؟

من الواقع والخيال معا. رسمت زوجتي أول أيامي، وأهديتها لوحات كثيرة حتى قالت لي: "لماذا كل هداياك لوحات؟" لكن الفن جمعنا... التقينا في القاهرة سنة 1979، وكانت أول لوحة هي بداية حياتنا المشتركة.

- كيف تنتقل من صخب الأسواق في لوحاتك الجماعية إلى صمت الوجوه؟

هي ليست صامتة... اللون يتحرك. كل جزء من وجه هو جزء من لوحة سوق أو مكان. الوجوه امتداد للأماكن، لكنها تُعطيك صخبًا داخليًا بدل الضوضاء الخارجية.

- في بعض لوحات البحر والقوارب اخترت زاوية علوية رسمت البحر منها... لماذا؟

كنت في رحلة إلى زنجبار، ورأيت جمال البحر من الأعلى. بعدها شعرت أننا "نظلم البحر" إذا رسمناه فقط أفقيًا. زاوية الطائرة تعطي ضوءًا ورؤية مختلفة. طوّرت تقنية للرغوة ولحركة الموج مع التجربة المستمرة.

- كيف توازن بين العفوية والضربات المحسوبة بالفرشاة؟

اللوحة تبدأ عفوية، ثم تُرتَّب. مثل الموسيقى: تبدأ نغمة، ثم مجموعة نغمات واضحة.

- بعد كل هذه السنوات، هل وصلت إلى ما تبحث عنه؟

لم أصل بعد... عندي مشروع "الفن سلام"، وهو رحلة إلى الصين مع ألفي فنان عند سور الصين العظيم. هناك من يتابعني — الملك ورئيس الوزراء — وسألوني: "ماذا ستقدم يا عباس؟" وأنا الآن أعمل لأصل إلى هذه الغاية: أن أستوطن أرض الفن التي أحببتها، بالحب والمغامرة والشقاوة والعمل الداخلي والخارجي... حروب جميلة من أجل الحب والحياة.