No Image
ثقافة

الموسيقى تتحدث بلغة عالمية بقيادة "الساكسفون"

04 مايو 2026
04 مايو 2026

كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري 

تصوير: حسين المقبالي 

ما إن مرت علي الدعوة العامة التي قدمتها وزارة الثقافة والرياضة والشباب للحفل الموسيقي بمناسبة اليوم العالمي لموسيقى الجاز، إلا وبادرت بإعادة ارسالها للأصدقاء، من باب مشاركة ما أحب، ولربما شاركني أحدهم في الحضور، فالموسيقى تزداد جمالا برفقة الأحبة والأصدقاء. 

مرت الأيام سريعًا، وثبت الموعد في رزنامة التقويم، إلى أن حان مساء الأمس، حيث لم يخيب الحدث ظني. ففي أحضان مبنى مركز عُمان للموسيقى بمدينة الإعلام، حضرت روعة ألحان الجاز بمعية شباب برعوا في هذا الفن، جمعهم شغف واحد للاحتفاء بهذه المناسبة العالمية التي أقرتها اليونسكو، ويصادف الاحتفال بها الثلاثين من أبريل من كل عام، احتفاءً بموسيقى نشأت في بدايات القرن العشرين بالولايات المتحدة، قبل أن تتحول إلى لغة عابرة للحدود.

تملكني الحماس أنا وأحد الأصدقاء الذين خططنا لحضور الحفل، فما كان منا إلا الوصول قبل الوقت المحدد بحوالي 40 دقيقة، استقبلتنا الآلات الموسيقى ببريقها اللامع، بالنسبة لي شدتني آلة الساكسفون الذهبية كثيرا، وكأنها تمهد لليلة استثنائية برفقتها، إلى جانب آلات أخرى مثل الجيتار الكهربائي، والدرامز، والبيانو، جُهِّزت جميعها على المسرح، الذي امتلأ فيما بعد بالجمهور، إذ لم يجد العديد منهم كراسٍ لهم، فما كان منهم إلا الوقوف للاستمتاع بما تبقى من الحفل الذي استمر لحوالي الساعة والنصف. 

من لا يعرف موسيقى الجاز الكلاسيكية، كمصطلح موسيقي، لا بد له وأن يعرف بعض المعزوفات التي لا بد وأنها مرت عليه، هكذا افتتح الليلة المليئة بالأنغام، إذ بدأ العازفون بسرد ذكريات الطفولة من خلال عزف مقطوعة الفيلم الكرتوني الشهير "بيك بانتر" أو "النمر الوردي"، تلك الموسيقى الشهيرة من تأليف الموسيقار الأمريكي هنري مانشيني الذي نجح في إبقائها بالذاكرة الجمعية إذ تميزت بكونها أشهر مقطوعات الجاز في تاريخ الموسيقى التصويرية وتتميز بإيقاعها السلس واستخدام آلة الساكسفون بشكل أساسي.

هكذا بدأ عازف الساكسفون السوداني أشرف ذهب أحمد رحلته مع هذه الآلة، رحلة لم تتجاوز ثماني سنوات، لكنها انطلقت من شغف خالص بموسيقى الجاز، إذ يقول: "اشتريت الساكسفون وجلست أتعلم بنفسي من يوتيوب… كنت أحب الجاز من البداية".

ورغم تنقله منذ الصغر بين عدة آلات موسيقية، ظل الجاز حلمه الأصعب والأقرب في آنٍ واحد: "عزفت كيبورد ودرمز وبيز جيتار… لكن الجاز كان دائمًا التحدي"، ويؤكد أن سر الجاز يكمن في الارتجال المنضبط، قال: "هو ارتجال، لكن على هارموني محدد… كل عازف يفسّر اللحن بطريقته".

كما لفتني في الليلة الموسيقية مشاركة الصديق تركي الهادي، إذ لطالما عرفته عازفًا في الإيقاع العربي عمومًا والعماني بشكل خاص، إلا أن انغماسه في الجاز دفعني نحو الفضول لأسأله عن هذه التجربة، فأكد أنه لا يحصر نفسه في نمط موسيقي واحد، بل يرى حضوره ممتدًا في مختلف الألوان، مع بقاء الإيقاعات الشرقية الأقرب إليه.

وأشار الهادي إلى أن بداياته مع الموسيقى الغربية تعود إلى عام 2015، حيث خاض تجارب في أنماط اللاتن والريغي والجاز، موضحًا: "هناك قواسم مشتركة تجمع هذه الأنماط، خصوصًا في البنية الإيقاعية، مع اختلافات دقيقة تصنع هوية كل لون، كما أن الإحساس يلعب دورًا أساسيًا في انسجام العازف مع الفريق، لقد عملنا ضمن مجموعة لنقدم مزيجًا موسيقيًا يجمع بين الجاز والريغي واللاتن".

أما عازف الجيتار الكهربائي خالد الرحبي، فقد كان لحماسه على الخشبة أثرٌ واضح، منغمسًا في عزفه بانسجام لافت مع الفريق، وهو انسجام نابع من رحلة طويلة مع الجيتار بدأت مبكرًا، إذ يقول: "بدأت العزف على الجيتار وتعلقي بالموسيقى الغربية مبكرًا، فقد كان عمري حينما 14 عاما، وأنا الآن أقارب الخمسين، إلا جانب حبي الكبير للموسيقى الشرقية".

ورغم هذا الشغف المبكر، يؤكد أن الجاز لا يأتي بسهولة، بل يحتاج إلى نضج وفهم عميق: "الجاز فن عميق وصعب، والوصول إليه لا يأتي إلا بعد مرحلة طويلة من العمل والتعلم".

وبين حبه للموسيقى الشرقية، خاصة العود والمقامات، وانجذابه للغربي، وجد نفسه أقرب إلى الجاز: "وجدت نفسي أميل إلى الغربي أكثر، وها انا أحاول أن أكون مؤثرا فيه". 

ويشير إلى أن بروز الجيتار الكهربائي في الجاز جاء لقدرته على مجاراة بقية الآلات دون أن ينتقص ذلك من قيمة الجيتار الكلاسيكي، مؤكدًا أن كل جيتار له استخداماته، حتى الالكتروني له عدة أنواع من ما يناسب الجاز، ومنه ما يناسب الروك.

بتلك الآلات الموسيقية، وبتلك الأسماء الفنية، إلى جانب آخرين، صُنِعَت ليلة كفيلة أن تنقش في الذاكرة، ليلة كانت الموسيقى عنوانها، الغناء محطة مهمة بها والتصفيق الحار ومصافحة الموسيقيين مسك ختامها.