ثقافة

"الشفق" تكسر القواعد المسرحية وتلامس "التجريب" في مهرجانها

05 يناير 2026
بقصة كل إنسان يعود إلى نفسه سائلا "من أنا؟"
05 يناير 2026

غرائبية تسيطر على جمهور مهرجان الشفق التجريبي في رابع لياليه، أشخاص بأقنعة مختلفة يمشون خارج المسرح بخطوط مستقيمة ذات انعطافات بزوايا قائمة، ومن على سطح المسرح آخرون بأقنعة يصوبون مصابيح الإضاءة على من في الأسفل من مرتدي الأقنعة، هل بدأ العرض؟ نتساءل نحن الجمهور، هل سيكون العرض خارج خشبة المسرح؟ فلا شيء مستحيل إذ نجتمع لحضور عرض "تجريبي" لابد أن يثير الدهشة بكسر القواعد والخروج عن المألوف والسائد، ومن ذلك التحرر من العلبة الإيطالية، ولكن كل ذلك التمهيد كان جزءا من العمل، إذ أخذ العمل الجمهور من خارج القاعة إلى داخلها بطريقة جاذبة لم أشهدها شخصيا في عروض أخرى.

هكذا بدأت "الشفق المسرحية" بتقديم عرضها، الذي لم يحمل اسما، وسطر بالخط العريض (.........)، وكأن مخرج العمل مؤلفه وليد المغيزوي يريد أن يضع كل حاضر للعمل عنوانه المناسب، ويكمل الفراغ!

هذا الفراغ الاسمي لم يكن تفصيلاً شكليًا، بل امتدادًا مباشرًا لجوهر العرض نفسه، عرض يرفض التسمية كما يرفض التحديد، ويضع المتلقي منذ اللحظة الأولى أمام سؤال المعنى، لا بوصفه متلقّيًا سلبيًا، بل طرفًا في إنتاج الدلالة.

فالعنوان المؤجل، أو الغائب عمدًا، يتحول إلى مساحة إسقاط، تمامًا كما تحولت الخشبة لاحقًا إلى فضاء مجرد، لا يشير إلى مكان بعينه، ولا زمان محدد، بل إلى حالة وجودية عالقة يشترك فيها الناس.

منذ دخول الجمهور إلى القاعة، كان واضحًا أن العرض لا يسعى إلى الحكاية بقدر ما يسعى إلى الحالة، بدأت الحكاية بلغة إيمائية جسدية وصوتية، بعيدا عن إيماءات الوجه، إذ الجميع يرتدي أقنعة تخبئ الملامح، وألمس هنا نجاح فكرة المخرج بالخروج عن فن "البانتومايم" الذي يعتمد كثيرا على ملامح الوجه بلغة صامتة، فنا اعتمد المخرج على الجسد وأصوات الممثلين عن طريق النمنمات متفاوتة المقام والنبرة.

توصِّل الحركات حوار بين زوج وزوجة عن الإنجاب وحكايات أخرى، ليخرج إلى الحياة، طفل بلا اسم، فيكسر الزمن والعمل لينتقل إلى مراحل الحياة، بداية نقاشات البيت وفرض الأوامر، ثم إلى المدرسة ومواجهة المعلمة القاسية التي تملي عليه أفكارا ومعلومات يحفظها بعمق وإلا تضربه، يواجه في الحياة شبيها له، يجعله صديقا، لكنه يغادر، يعيش صراعات مع نفسه أكثر مما يعيشها مع محيطه، وفي كل مرحلة يخلو الطفل مع نفسه ومع الجمهور، منتزعا قناعه متسائلا بصوت مسموع ذي حشرجة "من أنا" "من أين أتيت" "من هم" وأسئلة أخرى تعود بالإنسان إلى أعماق نفسه.

بين انتقالات الحياة ومرور الوقت، يجد الطفل شريكته، لتعود الحكاية من جديد، وتعود الأسئلة الوجودية لطفل آخر يأتي إلى الحياة دونما يعرف ويريد ويختار!

اللغة المسرحية هنا لغة جسد بالدرجة الأولى. الصمت ليس غيابًا للكلام، بل فائضًا عنه. الإيماءة تحل محل الجملة، والحركة تحل محل الحوار، حتى بدا الجسد وكأنه النص الحقيقي الذي يُكتب ويُمحى على الخشبة في آن واحد. الأقنعة، بوصفها عنصرًا بصريًا متكررًا، لم تُستخدم للتمويه، بل للكشف، كشف هشاشة الهوية، وتعدد الوجوه الممكنة للكائن الواحد، في عالم يفرض على الإنسان أقنعته قبل أن يمنحه اسمه.

السينوغرافيا اشتغلت على كسر الاتزان، لا خطوط مستقرة، ولا تمركز واضح، بل حركة متوترة في الفضاء، ذهابًا وإيابًا، إلى الأمام ثم إلى العمق، وكأن الشخصية تحاول الإمساك بشيء يتفلت منها باستمرار.

الإضاءة والموسيقى حافظتا على نبرة واحدة تقريبًا، ما عزز الإحساس بالجو القاتم والوجودي، لكنه في الوقت ذاته ساهم في إطالة الإحساس بالزمن، وفي أحايين كسر العرض نبرة الموسيقى الواحدة، لتعزز شعور التشتت والارتباك والاثارة، ثم تعود الموسيقى مرة أخرى نحو النبرة الواحدة.

في المحصلة، نحن أمام عرض لا يطلب الإعجاب بقدر ما يطلب المشاركة الذهنية، والتأمل في حال الإنسان بطريقة يمكنني أن أقول أنها "تجريبية" بحد كبير، خروج عن المألوف، وهكذا أعهد وليد المغيزوي دائما، مبدع لا يحب التكرار ولا التقليد، يصنع عالمه الخاص ولا يكرر نفسه.

في هذا العرض لا توجد إجابات، فالتركيز على الحالة الوجودية التي لا تتوقف عن طرح الأسئلة مهما كانت الإجابات حاضرة.

تجربة قد تُربك، وقد تُرهق، وقد ينفر منها عدد من الجمهور، ولكنها تجربة تحترم روح المسرح وتجدده الدائم.

شارك في العمل البطل صالح الرئيسي، لاعبا الشخصية المحورية وهو "الطفل"، مقدما أداء لافتا وقوة جسدية وذهنية كبيرة وقدرة على نقل المشاعر والانكسار والألم، إلى جانب فاطمة الناعبي بدور الأم والمعلمة، ومصطفى السليمي بدور الأب، وحمد الحبسي بدور المعلم الجامعي، ودريد البلوشي بدور الصديق، وبشرى الحوسني بدور الزوجة.

والجميع كانوا أبطالا في العمل وأصحاب مهارات فنية عالية لم تنخفض رغم طول العمل نسبيا وامتداده إلى حوالي ساعة و 20 دقيقة.

وفي فريق العمل ماجد المقيمي مساعدا للمخرج، وبلعرب المحاربي في السينوغرافيا، ومبارك العريمي مديرا للخشبة.

التعقيب

وعُقدت الجلسة النقدية بعد العرض، ليعقب على العمل الكاتب المسرحي هلال البادي، بحضور مخرج العمل ومؤلفه وليد المغيزوي، وأدار الجلسة الفنان المسرحي سامي البوصافي.

واستهل البوصافي الجلسة بالتعريف بالكاتب المسرحي هلال البادي، متوقفًا عند منجزه الإبداعي في القصة القصيرة والمسرح والرواية، قبل أن يعرج إلى خصوصية العرض المقدم بوصفه تجربة تنتمي إلى فضاء المسرح التجريبي، وتراهن على طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.

وفي تعقيبه، تناول هلال البادي فكرة العمل من منطلق بنائه الأولي، مشيرًا إلى أن العرض انطلق من توصيف مكثف لا يتجاوز صفحات محدودة، تحوّل لاحقًا إلى عرض مسرحي كُتب على الخشبة عبر الحركة والإيماءة.

وتوقف عند إشكالية العلاقة بين النص والعرض، متسائلًا عن مفهوم الكتابة في مثل هذه التجارب، وحدود دور المخرج حين يصبح هو ذاته منتج النص الأدائي. كما أشار إلى أن العرض اشتغل على أسئلة وجودية كبرى من قبيل "من أنا؟" و "أين موقعي في هذا الوجود؟" معتمدًا على الأداء الصامت، والتمديد الزمني للمشاهد، وهو ما أوجد – بحسب رأيه – حالة من التفاوت في الإيقاع، كان يمكن تلافيها بتهذيب العرض واختصاره دون الإضرار بجوهر فكرته.

وشهدت الجلسة النقدية جملة من المداخلات والملاحظات من الجمهور، تباينت بين من رأى في العمل تجربة جريئة ومختلفة استطاعت أن تنقل الحالة الشعورية دون لغة، ومن أشار إلى أن الغموض والرتابة وطول المدة أثّرت على تلقي الفكرة. كما لفت أحد المتداخلين إلى توظيف الأقنعة والسينوغرافيا بوصفها لغة بصرية موازية للنص، فيما تحدث آخر عن الأسئلة الوجودية التي طرحها العرض، معتبرًا أن السكون والامتداد الزمني جزء من طبيعة المسرح التجريبي الذي يدعو للتأمل لا الاستهلاك السريع.

وفي ختام الجلسة، تحدث مخرج العمل ومؤلفه وليد المغيزوي، معبرًا عن امتنانه لكافة الآراء والملاحظات التي طُرحت، مؤكدًا أن العمل جاء نتيجة بحث وتجريب ومحاولة صادقة لطرح تساؤلات يعيشها الإنسان المعاصر، ومشيرًا إلى أن غياب المؤسسات الأكاديمية المتخصصة لم يمنع شغف الشباب بالمسرح من البحث والتجريب، معتبرًا الجلسة النقدية مساحة مهمة للتعلم والتطوير، ومؤكدًا أن جميع الملاحظات ستؤخذ بعين الاعتبار في التجارب القادمة.