هزيمة أوربان وإعادة تشكيل أوروبا
04 يونيو 2026
إيفان كراستيف - ترجمة: نهى مصطفى
04 يونيو 2026
في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت الإمبراطورية النمساوية المجرية تمتد من البحر الأدرياتيكي إلى ما يعرف اليوم بأوكرانيا، دخل مجري مكتبةً في فيينا وسأل البائع: «هل لديكم كرة أرضية للمجر؟». وبسبب ما تعكسه من غطرسة شعب يعتقد أن أمته تمثل العالم بأسره، تحولت هذه القصة إلى حكاية يصعب التحقق من صحتها. لكن المفارقة أن المجر فقدت، خلال جيل واحد، ثلثي أراضيها بموجب معاهدة تريانون، ما يجعل ثقة ذلك المشتري تبدو اليوم أقل إثارةً للسخرية وأكثر مدعاةً للأسى.
لكن القصة تكتسب اليوم معنىً مختلفًا؛ فبعد الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في المجر في 12 أبريل، أصبح غير المجريين هم من يوجهون أنظارهم إلى المجر. ويرى مراقبون سياسيون معتدلون وليبراليون، ليس في فيينا وحدها، بل أيضًا في بروكسل وباريس وبرلين ونيويورك، أن الهزيمة الساحقة التي مُني بها الزعيم القوي فيكتور أوربان تشير إلى تراجع النزعة اللا ليبرالية عالميًا. ويأمل هؤلاء أن تحذو دول أخرى حذو المجر، فلا تفوز شخصيات من اليمين المتطرف مثل مارين لوبان في فرنسا، ولا يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اختراقًا انتخابيًا في ألمانيا.
لكن هذا الاستنتاج بعيد عن الواقع. فقد وصل رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجيار، إلى السلطة على موجة من السخط الشعبي المناهض للمؤسسة الحاكمة، وهي موجة يمكن أن تصب بسهولة في مصلحة مرشحين شعبويين في بلدان أخرى. ففي الانتخابات البلغارية الأخيرة، على سبيل المثال، فاز الحزب المرتبط بالرئيس السابق رومين راديف، الذي تصفه وسائل إعلام غربية بأنه مؤيد لروسيا ومتشكك في الاتحاد الأوروبي، بعد حملة لمكافحة الفساد شبيهة بتلك التي خاضها ماجيار في المجر. ويظهر ذلك أن الخطاب المناهض للفساد لا يخدم خصوم أوربان وحدهم، بل قد يوصل إلى السلطة أيضًا سياسيين ينظر إليهم عادةً على أنهم من حلفائه.
وعلى العكس من ذلك، سيواصل الشعبويون القوميون في أوروبا، متى وصلوا إلى السلطة، البحث عن سبل لإعادة تشكيل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، وستظل تجربة أوربان ذات قيمة بالنسبة إليهم. لذلك لا تمثل هزيمته نهاية سياسات اليمين المتطرف في أوروبا، بقدر ما تمثل نهاية الوهم القائل إن «الترامبية» حركة عالمية. فبقبوله الهزيمة وعدم الطعن في النتيجة، خلافًا لما فعله ترامب عام 2020 وتعهد بتكراره، عزز أوربان صورة اليمين الأوروبي الجديد بوصفه تيارًا يعمل ضمن الأطر الديمقراطية. أما ماجيار، فهو لا يمثل قطيعة مع قومية أوربان، وانما نسخة متطورة منها.
يبشر فوز ماجيار بعهد جديد في السياسة الأوروبية؛ فابتعاد اليمين المتطرف الأوروبي عن ترامب قد يدفع القارة نحو توافق جديد، تعترف فيه النخب المؤيدة لأوروبا بأهمية الدولة القومية في مستقبل التكامل الأوروبي، بينما تقر أحزاب اليمين المتطرف بأن التهديد الحقيقي لسيادتها الوطنية يأتي من موسكو وبكين وواشنطن، لا من بروكسل. بعبارة أخرى، قد تصبح أوروبا في نهاية المطاف أكثر أوروبية.
ومن نواح كثيرة، أصبح أوربان، أطول رؤساء الحكومات بقاءً في السلطة في أوروبا، بالنسبة إلى اليمين السياسي شبيهًا بما كان عليه فيدل كاسترو لليسار قبل عقود: زعيم دولة صغيرة نسبيًا، لكنها نجحت في أسر خيال العالم. فقد حول المجر إلى مركز فكري ومؤسسي ومالي لليمين الجديد في أوروبا. فإذا كنت مثقفًا من اليمين المتطرف، استقبلتك بودابست بحفاوة؛ وإذا كنت تمثل حزبًا من اليمين المتطرف، سهلت لك البنوك المجرية الحصول على التمويل؛ وإذا كنت سياسيًا يمينيًا يواجه مشكلات قضائية في بلده، وجدت في بودابست ملاذًا سياسيًا.
كان انتصار أوربان الانتخابي الأول عام 2010، في جوهره، تمردًا على فساد الحكومة الاشتراكية السابقة. لكن معارضته الحادة لسياسة أنجيلا ميركل الخاصة بفتح حدود الاتحاد الأوروبي أمام اللاجئين القادمين من الحرب السورية هي التي منحته تأثيرًا أوروبيًا واسعًا. فقد فُسرت مواجهته لبرلين وبروكسل على أنها محاولة لإعادة تعريف دور الدول الأوروبية المتوسطة في السياسة العالمية. وبفضل ذلك، رسخ مكانته وسيطًا لا غنى عنه؛ فجمع بين كونه حليفًا أيديولوجيًا لترامب، وأقرب شريك أوروبي لفلاديمير بوتين، وأكثر شركاء الصين موثوقية داخل الاتحاد الأوروبي. وفي عهد ترامب، حين أصبحت العلاقات الشخصية بين القادة أكثر تأثيرًا من المصالح المشتركة بين الدول، بدا أن هذا التموضع منح المجر نفوذًا استثنائيًا. فواصلت بودابست شراء الغاز الروسي الرخيص، واجتذبت استثمارات صينية فاقت ما حصلت عليه ألمانيا وفرنسا، بل طُرحت أيضًا كموقع محتمل لقمة بين ترامب وبوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
لفهم مكانة أوربان في السياسة الأوروبية، لا بد من فهم مصادر الدعم الاستثنائي الذي حظي به من بكين وموسكو وواشنطن. فبالنسبة إلى ترامب، كان أوربان الواجهة الأوروبية للترامبية، وأدى عمليًا دور المستشار السياسي الأبرز للبيت الأبيض في الشؤون الأوروبية. وكما أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب بهشاشة النظام الإيراني، أقنع أوربان قادة حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» بأن أوروبا الشرقية تتقاسم القيم نفسها مع الولايات الأمريكية المحافظة، وأن القارة لا تتأخر عن الولايات المتحدة إلا بفارق دورة انتخابية واحدة. أما بالنسبة إلى موسكو، فقد أدى دور الناقل الرئيسي لوجهة نظرها داخل الاتحاد الأوروبي، ودافع عن مواقفها بشأن الحرب في أوكرانيا. ولم يتردد في مهاجمة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بينما اصطف علنًا إلى جانب روسيا في الحرب. وفي المقابل، أرسل الكرملين خبراءه في التكنولوجيا السياسية للمساعدة في حملاته الانتخابية.
لكن المفارقة الأكبر ربما تكمن في أن أوربان، بعد كل هذه التحولات، أصبح هو نفسه ما سعى في البداية إلى محاربته: العولمة؛ ففي حملته الأخيرة، ركز على السياسة الخارجية أكثر من القضايا الداخلية، واستضاف شخصيات أجنبية بارزة مثل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وحصل على تأييد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في محاولة لإبراز مكانة المجر العالمية. لكنه اكتشف أن هذا النهج لم يكن رابحًا في المجر. وعلى النقيض من ذلك، ركز ماجيار على مستوى المعيشة وتجنب عمدًا الخوض في قضايا السياسة العالمية.
كان أوربان يفسر انتصاراته الانتخابية السابقة مازحًا بأن اسمه الأول، «فيكتور»، يعني «المنتصر». لكن هذه المرة هزمه رجل يحمل لقب «ماجيار»، أي «المجري».
استغرق الأمر وقتًا حتى يدرك القادة الأوروبيون أن ولاية ترامب الثانية ليست مجرد مرحلة عابرة في العلاقات عبر الأطلسي. فقد استعدت بروكسل لحرب تجارية، لكنها وجدت نفسها في مواجهة حرب أيديولوجية، واتضح أن الرهان على إدراك ترامب لأهمية الحلفاء كان في غير محله؛ فمن منظور ترامب، لم يعد النظام الليبرالي نظامًا أمريكيًا، فأوروبا التي ساهمت الولايات المتحدة في بنائها بعد الحرب العالمية الثانية تحولت، في نظره، إلى منظومة تعمل ضد المصالح الأمريكية. ورغم أن واشنطن دعمت قيام الاتحاد الأوروبي، فإنه بات ينظر إليه باعتباره قيدًا على النفوذ الأمريكي. وفي هذه الرواية، أصبح تراجع الصناعة الأمريكية وتفكك نسيجها الاجتماعي الثمن الذي دُفع مقابل ليبرالية فقدت جدواها.
يكمن الخلل الأساسي في النظام الليبرالي، وفق هذا التصور، في افتراض المساواة بين الدول، بحيث تكون بلغاريا مساوية للولايات المتحدة، وتخضع واشنطن للقواعد نفسها التي تخضع لها الدول الأخرى. أما رؤية ترامب لعالم ما بعد الليبرالية فهي ما وصفه المنظر السياسي ستيفن هولمز بـ»التسلسل الهرمي بلا نظام»: عالم يتصدره ترامب، فيما يدور الآخرون في مداره بدرجات متفاوتة من القوة. وقد تمنح قوى كبرى مثل الصين وروسيا مناطق نفوذ خاصة بها، لكن بشرط الاعتراف بالهيمنة الأمريكية. ولذلك فترامب لا يسعى إلى التعاون بقدر ما يطالب بالخضوع.
ويمثل ترامب مفارقة بحد ذاته؛ فهو قومي يجد صعوبة في فهم قوميات الآخرين. لاقت أجندته المناهضة للهجرة والبيئة والوعي الاجتماعي صدى لدى قطاعات من اليمين المتطرف الأوروبي، وأسهم تعاونه مع أوربان في ترسيخ الاعتقاد بأن غير الليبراليين يتجهون إلى الهيمنة على المستقبل السياسي للقارة. لكن، رغم دعمه الخطابي لحلفائه الأوروبيين، لم يظهر لهم الاحترام الذي توقعوه. فقد أثارت تعريفاته الجمركية قلقهم، ثم اصطدمت طموحاته بشأن جرينلاند بمواقفهم الوطنية.
جاءت الحرب على إيران والهجوم على البابا لتشكلا نقطة تحول حاسمة. فقد طالب ترامب الأوروبيين بدعم المجهود الحربي من دون التشاور معهم، وأثار استياءً واسعًا عندما نشر صورًا معدلة بالذكاء الاصطناعي لنفسه في هيئة البابا. رفضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي كانت تعد من أبرز مؤيديه في أوروبا، الانضمام إلى الصراع وانتقدت تصريحاته بشأن البابا، بعدما باتت الكلفة السياسية للتحالف معه مرتفعة للغاية. أما أوربان فاختار الصمت، ورغم أن التباعد بين الترامبية واليمين المتطرف الأوروبي لم يبدأ في بودابست، فإنه بلغ ذروته هناك، إذ أقنعت هزيمة أوربان كثيرًا من قادة اليمين المتطرف بأن الارتباط بترامب أصبح عبئًا سياسيًا سيصورهم بوصفهم عولميين جدد.
تحمل هزيمة أوربان أبعادًا أيديولوجية وجيوسياسية تتجاوز حدود المجر؛ فمن المرجح أن تدفع الكرملين إلى إعادة حساباته الأوروبية. وخلال الحملة الانتخابية، أفادت بلومبيرج بأنها اطلعت على نص مكالمة هاتفية بين أوربان وبوتين في أكتوبر 2025، وصف فيها أوربان المجر بأنها «الفأر» المستعد لمساعدة «الأسد» الروسي. وكانت بودابست تؤدي دورًا مهمًا في عرقلة الجهود الأوروبية لتقديم 90 مليار يورو، أي نحو 105 مليارات دولار، لأوكرانيا. ومع تراجع الدعم الأمريكي، اعتقدت موسكو أن أوروبا ستبقى عاجزة عن التحرك.
أما اليوم، ومع رحيل أوربان، فقد بات على روسيا إعادة النظر في استراتيجيتها. فالتغيير السياسي في بودابست قد يتيح تمرير الدعم المالي الذي تحتاجه كييف لمواصلة القتال لعامين إضافيين على الأقل. كما أن خسارة أوربان تعني تراجع أحد أهم أدوات موسكو في مساعيها لتقسيم أوروبا وإضعافها. ولا يبدو أن أي زعيم أوروبي آخر قادر بسهولة على أداء الدور الذي لعبه. ولهذا خلص بعض المعلقين المقربين من الكرملين إلى أنه لا ينبغي لروسيا أن تبالغ في آمالها بشأن التقارب مع أوروبا.
مع رحيل أوربان وتسارع إعادة تسليح أوروبا، يواجه القادة الروس سؤالًا مهمًا: هل تكفي الحرب السياسية وحدها لحماية مصالحهم في القارة؟ فهزيمته تزيد احتمالات لجوء موسكو إلى أساليب أكثر عدوانية، مثل الهجمات الإلكترونية أو ممارسة ضغوط مباشرة على بعض دول الاتحاد الأوروبي. وقد يرى بعض الاستراتيجيين الروس أن الفرصة سانحة للتحرك قبل أن تكتمل عملية إعادة تسليح أوروبا، مستفيدين من التدهور المتسارع في العلاقات عبر الأطلسي. كما يزداد القلق من احتمال سعي ترامب، من دون تنسيق مع الأوروبيين، إلى إبرام صفقة كبرى مع موسكو يضحي فيها بمصالح أوروبا مقابل مكاسب تجارية.
على الصعيد الداخلي الأوروبي، يكشف التحول السياسي في بودابست عن اتجاهين بارزين يشيران إلى تقارب داخل التيار الأوروبي السائد. أولًا، يبدو أن النزعة السيادية الأوروبية باقية؛ فالمفاجأة في المجر لم تكن هزيمة أوربان أمام ليبرالي أو تقدمي يدعو إلى مزيد من التكامل الأوروبي، ولكن أمام محافظ يتبنى رؤيته الأصلية لمجر قوية ومستقلة، لكنه يرفض الفساد المرتبط بحكمه الطويل. وفي الوقت نفسه، باتت قطاعات من النخب الليبرالية أكثر تمسكًا بفكرة الاستقلال الاستراتيجي في مجالي الدفاع والتكنولوجيا نتيجة سياسات ترامب. وحتى قادة الوسط في ألمانيا وفرنسا يتجهون نحو تصور لأوروبا ذات سيادة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام دولة أوروبية فيدرالية أو إدارة السياسات الخارجية والدفاعية من بروكسل.
وثانيًا، وربما على نحو مفاجئ، أصبح اليمين الأوروبي الجديد أقل تشككًا في الاتحاد الأوروبي. فهو ينظر بدرجة متزايدة إلى واشنطن وموسكو، لا بروكسل، باعتبارهما التهديدين الرئيسيين للسيادة الوطنية. ولذلك باتت الدعوات إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي أو التخلي عن اليورو أقل جاذبية انتخابيًا. وإذا أرادت شخصيات مثل مارين لوبان أو حزب البديل من أجل ألمانيا الوصول إلى السلطة، فمن المرجح أن تركز أكثر على القضايا الوطنية مع الابتعاد عن كل من الولايات المتحدة وروسيا. وتمثل جورجيا ميلوني، بدعمها القوي لأوكرانيا وتعاونها مع بروكسل، نموذجًا لهذا اليمين الجديد الأكثر تقبلًا للمشروع الأوروبي.
وفي هذا السياق، تفتح هزيمة أوربان المجال أمام توافق جديد حول فكرة السيادة الأوروبية قد يضم أجزاء من التيار الشعبوي القومي. ورغم استمرار الاستقطاب بين المؤسسة الأوروبية وخصومها، بدأت تظهر مساحات جديدة للتعاون. فقد تبنى بعض قادة الوسط، مثل المستشار الألماني فريدريش ميرز، مواقف أكثر تشددًا تجاه الهجرة، بينما دفعت أزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب حرب ترامب على إيران أحزاب اليمين إلى تخفيف انتقاداتها للسياسات البيئية الأوروبية. أما في ملف الدفاع، فتبدو إعادة تسليح أوروبا واحدة من القضايا القليلة التي تحظى بتأييد واسع لدى ناخبي الوسط واليمين المتطرف على حد سواء.
