رحلة أرتميس الثانية إلى القمر
09 أبريل 2026
ديفيد دبليو براون - ترجمة: بدر بن خميس الظفري
09 أبريل 2026
يوم الأربعاء قبل الماضي، في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا، استقلّ طاقم مهمة أرتميس 2، المكوّن من أربعة أفراد، كبسولة معدنية صغيرة مثبتة على صاروخ بحجم ناطحة سحاب. وحمل عمودٌ من اللهب، مدفوعٌ بملايين الأرطال من الوقود، رواد الفضاء إلى مدار حول القمر، في طريقهم إلى الجانب البعيد منه. وكانت كريستينا كوتش، أخصائية المهمة ضمن الطاقم، قد نظرت إلى كوكبها من قبل، خلال رحلة استغرقت قرابة عام على متن محطة الفضاء الدولية. إلا أن المحطة كانت تدور على مسافة 250 ميلا فقط، وهي مسافة قريبة جدا بحيث لا تسمح برؤية الكرة الأرضية بأكملها. في المقابل، يبعد القمر ربع مليون ميل. وفي طريقها إلى القمر، رأت كوتش الأرض بأكملها للمرة الأولى، والتي بدت في النهاية بحجم كرة جولف.
لم يستكشف رواد الفضاء سطح القمر منذ هبوط أبولو 17 عليه عام 1972. ويهدف برنامج أرتميس إلى تحقيق المزيد، ليس فقط من خلال إرسال البشر إلى القمر، ولكن أيضًا من خلال بناء قاعدة دائمة هناك. تُعدّ مهمة أرتميس 2، أول رحلة مأهولة ضمن البرنامج، بمثابة تجربة تمهيدية. فعلى مدار عشرة أيام، تدور كبسولة أوريون -التي تحمل اسم «إنتيغريتي»- حول القمر دون الهبوط عليه، ثم تعود إلى الأرض. وتُجري ناسا تقييما شاملا لجميع جوانب المهمة، بما في ذلك موثوقية دورة المياه الفضائية وأنظمة التحكم اليدوي. ومن المتوقع أن تهبط أرتميس 2 في المحيط الهادئ في العاشر من أبريل.
بعد الإقلاع بفترة وجيزة، ظهرت بعض المشكلات التي استدعت اهتماما فوريا. فقبل المناورات التي ستنقل المركبة الفضائية من مدار الأرض إلى مسار قمري، أضاءت الكبسولة برسالة طوارئ تنبئ بوجود تسرب محتمل في المقصورة. استعد رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، المشارك في المهمة، ذهنيا لارتداء بدلة الفضاء والبحث عن طريقة لإعادة الطاقم إلى الأرض. تبيّن لاحقا أن الرسالة إنذار كاذب. وواجه الطاقم صعوبات أخرى أكثر واقعية. قال ريد وايزمان، قائد المهمة، لمركز التحكم: «ألاحظ أيضًا أن لديّ نسختين من برنامج مايكروسوفت أوتلوك، ولا تعمل أي منهما». وتعلّم الطاقم أيضًا كيفية التأقلم مع الحياة على متن المركبة. أفاد الطيار فيكتور غلوفر أن المركبة الفضائية باردة بشكل غير مريح، فارتدى قبعة صوفية. ثم برزت مسألة مكان النوم في حالة انعدام الوزن. لجأت كوتش إلى التعلق بالسقف، كخفاش.
أشادت ناسا بالعديد من الإنجازات غير المسبوقة لهذه المهمة. وأبرزها أن طاقمها المتنوع كان يسافر إلى أبعد نقطة عن الأرض لم يسبق لأي شخص أن سافر إليها. خُلّدَت اللحظات المحورية في المهمة بتعليقات مكتوبة بأسلوب طريف. قال كريس بيرش، مسؤول الاتصالات في كبسولة المهمة بمركز التحكم، للطاقم: «عندما يشتعل المحرك، تبدأ رحلة عودة البشرية إلى القمر، وتحددون المسار لإعادة مركبة إنتيغريتي وطاقمها سالمين إلى الأرض». ردّت كوتش: «بهذا الاحتراق نحو القمر، نحن لا نغادر الأرض، بل نختارها». تُعدّ هذه المهمة المأهولة الأهم لوكالة ناسا منذ جيل، وقد سارت حتى الآن على أكمل وجه. لا يقتصر احتفال المراقبين من كثب لبرنامج الفضاء على الإنجازات فحسب، ولكن يشعرون أيضًا بموجة من الارتياح. تأتي مهمة أرتميس 2 بعد ثلاثين عامًا من البدايات المتعثرة.
تمثل مهمة هذا الأسبوع بداية ونهاية. فهي تمنح ناسا تركيزًا جديدًا يتجاوز محطة الفضاء الدولية المتعثرة، وتمهد الطريق لسباق فضائي مُنعش. هذه المرة، المنافس الرئيسي هو الصين، التي تمتلك برنامجًا منضبطًا وفعالًا يُسمى تشانغ إي، لإنزال البشر على سطح القمر بحلول عام 2030. (ومثل أرتميس، سُميت تشانغ إي على اسم إلهة القمر). يُمثل أرتميس أيضًا نهاية حقبة أساسية. يُمكن القول إن أرتميس 2 هو نتاج وكالة ناسا القديمة، ولا يزال تصميمه مألوفًا لمهندسي مهمات أبولو. على الرغم من أنه يتميز بسبائك متطورة، ومركبات من ألياف الكربون، وإلكترونيات طيران رقمية، فإن المهمة تُدار من قِبل مراكز ناسا نفسها. العديد من المقاولين أنفسهم الذين بنوا معدات أبولو كانوا مسؤولين عن بناء أرتميس 2، وغالبًا في المباني نفسها.
ابتداءً من أرتميس 3، وباسم الكفاءة، ستبدأ ناسا في تسليم عناصر رئيسية من برنامج القمر إلى شركات خاصة، بما في ذلك سبيس إكس وبلو أوريجين. لن تقوم ناسا ببناء أو امتلاك الجيل القادم من مركبات الهبوط على سطح القمر. ستستعين ناسا بشكل أساسي بخدمة نقل مشتركة لنقل رواد فضائها من مدار القمر إلى سطحه، وستستأجر بدلات الفضاء من شركة متعاقدة تُدعى أكسيوم سبيس. وفي ميزانية إدارة ترامب للسنة المالية 2026، سعت إلى إلغاء صاروخ أرتميس، المعروف بنظام الإطلاق الفضائي، لصالح بدائل تجارية لا تزال قيد التطوير، مثل مركبة ستار شيب التابعة لشركة سبيس إكس. كانت ناسا في السابق موزعة في أنحاء البلاد لتستفيد منها العديد من المجتمعات؛ أما برنامج الفضاء الجديد فسيكون أكثر خصخصة وتركيزًا في تكساس وفلوريدا. ويتساءل المرء عما إذا كان بإمكانه الوفاء بشعار ناسا العريق: «لصالح الجميع».
لإنزال أول رجليْن على سطح القمر عام 1969، اعتمدت ناسا على نحو أربعمائة ألف عامل. وبعد ثلاث سنوات فقط، انتهى برنامج أبولو، وتدهورت القدرة التقنية على بناء وتجميع وتشغيل ملايين الأجزاء بسرعة. عندما وضع الرئيس جورج بوش الأب أهدافًا منهجية لوكالة ناسا في أواخر الثمانينيات، لم يعد من الممكن تكرار ما نجح سابقًا. تصوّر بوش عدة إنجازات منها بناء محطة فضائية، والعودة إلى القمر، والهبوط على المريخ. لكن إعادة الهبوط على القمر كانت تتطلب البدء من الصفر تقريبا، تقنيا ونفسيا. وقالت إميلي أ. مارغوليس، أمينة قسم رحلات الفضاء المعاصرة في المتحف الوطني للطيران والفضاء التابع لمؤسسة سميثسونيان: «تتطلب برامج ناسا دعمًا سياسيًّا وماليًّا مستدامًا لسنوات عديدة. وخلال تلك الفترة، قيّمت الإدارات الرئاسية والكونجرسات المتعاقبة رحلات الفضاء بشكل مختلف. كان على ناسا العمل في ظل هذه الظروف الصعبة».
تخلّت إدارة كلينتون عن خطة بوش لصالح محطة الفضاء الدولية في نهاية المطاف. في عام 2004، دعا الرئيس جورج دبليو بوش إلى إنشاء ما أصبح لاحقًا برنامج كونستليشن، الذي سعى إلى إكمال المحطة قبل الانتقال إلى مهمات القمر، ثم إلى إنزال رواد فضاء على سطح المريخ. ألغى الرئيس باراك أوباما برنامج كونستليشن، مُعطيًا الأولوية للهبوط على كويكب ومُختارًا محاولة الوصول إلى المريخ لاحقًا. لكن إدارة ترامب الأولى أنهت برنامج أوباما، وأنشأت بدلًا منه برنامج أرتميس الذي ركّز على القمر. رسّخ دعم الرئيس جو بايدن برنامج أرتميس داخل وكالة ناسا. قالت مارغوليس: «أرتميس برنامجٌ ناجٍ. كانت كبسولة أوريون المأهولة جزءًا من برنامج كونستليشن. ثلاثة من محركات الصاروخ الأربعة شاركت في مهمات مكوك الفضاء». بدورها، استندت مركبة إطلاق أرتميس إلى تصميم آريس ٥ الخاص ببرنامج كونستليشن، وكانت صواريخها المعززة ابتكارًا من عصر مكوك الفضاء. وأضافت: «غالبًا ما تُعيد ناسا استخدام التقنيات التي تنجو في نهاية المطاف من التحولات السياسية».
كان برنامج أبولو مخططا مركزيا ومنهجيا بدقة متناهية. في ذلك الوقت، كان الطريق إلى القمر شبه مستقيم. أما رحلات الفضاء التجارية فهي أقل تقييدا نسبيا. تعمل شركتا سبيس إكس وبلو أوريجين على تطوير تقنياتهما بشكل مستقل؛ فما تحققه إحداهما لا يُعد إنجازًا للشركات الأخرى. كما أن الشركتيْـن متأخرتان عن الجدول الزمني لسنوات. من المفترض أن تهبط سبيس إكس برواد فضاء أرتميس على سطح القمر عام 2028، باستخدام نظام ستار شيب، لكن لا تزال هناك عقبات تقنية كبيرة. فنظام ستار شيب عاجز حتى الآن عن الوصول إلى القمر، فضلًا عن إنزال مركبة هبوط عليه. في المقابل، أمضت إدارة الفضاء الوطنية الصينية السنوات القليلة الماضية في إنزال مركبات جوالة على الجانب البعيد من القمر واستخراج عينات من صخوره لدراستها. قبل نحو أربع سنوات، أنشأت الصين محطتها الفضائية المتطورة، تيانغونغ، في عرضٍ باهر لقدراتها في مجال رحلات الفضاء البشرية. يبدو مسارها إلى القمر مشابهًا إلى حد كبير لمسار أبولو. وقد يكون العلم الصيني هو العلم التالي الذي سيُرفع على سطح القمر.
على الرغم من روعة مهمات ناسا، فإن هناك جانبا حميميا وقريبا من القلب في هذه الوكالة. ففي كل عام، يزور أكثر من مليون شخص مركز جونسون للفضاء في هيوستن، ويحضر عشرات الآلاف معسكر الفضاء في هانتسفيل، ولاية ألاباما. تقول مارغوليس: «إنه لأمر نادر ومذهل أن ترحب ناسا بالجمهور -دافعي الضرائب الأمريكيين وغيرهم- ليأتوا ويروا ما تفعله». ويضيف: «عمل ناسا هو استكشاف الفضاء، وليس الضيافة، لكن مراكز الزوار توجد جوًا من الألفة بين ممولي هذا البرنامج». الجمهور مهتم بكل مهمة؛ ربما أبحر ماجلان حول العالم، لكننا نحن من ذهبنا إلى القمر. هل سنشعر بنفس الشعور عندما يخرج رواد فضاء ناسا من مركبة الهبوط القمرية التابعة لشركة سبيس إكس؟ يتميز سباق الفضاء التجاري بالسرية والمنافسة، لا التعاون. في منشأة ستار شيب التابعة لشركة سبيس إكس في تكساس، يقف حراس مسلحون في حالة تأهب. لافتة معلقة في الخارج تقول: إذا كنت ترغب في جولة، فعليك أن تعمل هناك.
ثلاثة أنواع فقط من المركبات الفضائية المأهولة حلّقت إلى الفضاء السحيق وهي كبسولات أبولو، ومركبات الهبوط أبولو، والآن كبسولة أوريون. تشبّه ناسا تصميم أوريون الداخلي بتصميم سيارة وينيباغو للتخييم. عندما جلستُ في نموذج مُصغّر يُستخدم في محاكاة التدريبات، في مركز جونسون للفضاء، شعرتُ بضيق المساحة لشخص واحد. أما وجود أربعة أشخاص فكان أمرًا لا يُصدّق. رواد فضاء أرتميس 2 لا يستطيعون مدّ ذراعهم دون لمس شخص آخر، وهذا أقل ما يُقلقهم. كل قدم مربعة من المركبة الفضائية، تحت الضغط، تتعرض لقوة تُقارب طنا واحدا. في فراغ الفضاء، تُصبح أوريون مُعرّضة للانفجار. إذا تعطل نظام التدفئة، فقد يتجمّد الطاقم حتى الموت. يعتمدون على أجهزة إعادة التنفس لحمايتهم من الموت بسبب التسمم بثاني أكسيد الكربون أو نقص الأكسجين. أثناء العودة إلى الغلاف الجوي، لن يفصل أقدامهم عن السطح الخارجي للمركبة سوى بضع بوصات من الدرع الحراري، الذي سيرتفع إلى خمسة آلاف درجة مئوية، أي ما يُعادل نصف حرارة سطح الشمس تقريبًا. حتى عندما تسير الأمور على ما يرام، يكون رائد الفضاء في رحلته الفضائية قريبًا جدًا من المجهول.
اقترب رواد فضاء أرتميس 2 من ذروة رحلتهم وهم يعلمون أنهم سيفقدون الاتصال بمركز التحكم في المهمة في السادس من أبريل. سيبدو الجانب البعيد من القمر، الذي لا يُرى أبدًا من كوكب الأرض، بحجم كرة سلة ممدودة بذراع. لمدة أربعين دقيقة تقريبًا، سيكونون وحيدين تمامًا. في مقابلة من الفضاء، تحدثت كوتش، وشعرها يرفرف كتاج حول رأسها، إلى قناة (إن.بي.سي) الإخباريّة عن الازدواجية الغريبة لاستكشاف الفضاء: كانوا يسرعون عبر السماء، لكنها شعرت بأنها بشرية كما هي دائمًا. في لحظة، كانت تحدق في أجزاء غير مألوفة من سطح القمر، وتفكر: «هذا ليس القمر الذي اعتدت رؤيته». وفي اللحظة التالية، كما قالت، كان ذهنها مشغولًا بأمور أرضية أكثر: «همم، ربما يجب أن أغير جواربي».
