ترجمة

حرب أمريكا.. ركود أمريكا

02 أبريل 2026
02 أبريل 2026

لا يوجد وقت مناسب قد يواجه فيه أي اقتصاد صدمة أسعار الطاقة والغذاء، لكن بعض اللحظات أسوأ من غيرها. في الولايات المتحدة اليوم -حيث سوق الائتمان متأزمة، وتقييمات أسعار الأسهم مرتفعة على نحو مفتعل، والموارد المالية العامة غير مستدامة، وسياسة التعرفات الجمركية على الواردات تضخمية- يُـعَد الوقت الحالي هو الأسوأ على الإطلاق. 

من الصعب التنبؤ بدقة بحجم الصدمة التي ستواجهها الولايات المتحدة نتيجة لحرب الاختيار التي تخوضها في إيران، نظرا لمجموعة من العوامل المؤثرة. لكن إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم و20-30% من الأسمدة، يشير إلى أن التداعيات قد تكون شديدة. 

وتهدد الهجمات على البنية الأساسية للطاقة في إيران ومختلف بلدان الخليج بتعميق هذه الصدمة وإطالة أمدها. لنتأمل على سبيل المثال الأضرار التي لحقت بمرافق الغاز الطبيعي المسال في قطر: فقد مُـحِيَت 17% من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال في البلاد، وسوف يستغرق إصلاح الأضرار ما يصل إلى خمس سنوات. تتوقع المجموعة المصرفية جولدمان ساكس الآن أن يبلغ متوسط أسعار خام برنت 85 دولارا للبرميل في عام 2026، نتيجة لما تصفه بأنه صدمة العرض الأكبر على الإطلاق في سوق النفط الخام العالمي. 

الواقع أن الولايات المتحدة مجهزة على نحو رديء لمواجهة هذه الصدمة، وتشكل هشاشة القطاع المالي أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك. كانت الأزمة المالية سمة مشتركة لفترات الركود السابقة بعد الحرب. وهذا يجعل التحذيرات الأخيرة بشأن حالة الوهن في أسواق الائتمان الأمريكية -خاصة سوق الائتمان الخاص التي تبلغ قيمتها 3 تريليونات دولار، والتي تعمل خارج النظام المصرفي التقليدي- تنذر بالسوء بشدة. 

في أكتوبر الماضي، حذر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورجان تشيس، من أن «الصراصير» تكمن في سوق الائتمان الخاص -«عندما ترى صرصورا واحدا، فإن مزيدا منها موجود في الأرجح»- مشيرا إلى أن تراجع السوق قد يؤدي إلى موجة من حالات الإفلاس. ومؤخرا، أعرب عن «قلقه» بشأن دورة ائتمانية قادمة، ستكون «أسوأ من المعتاد»، بسبب ارتفاع أسعار الأصول، وارتفاع مستويات الديون، والرضا المفرط عن الذات بين المقرضين. قد يبدأ هذا التراجع بقطاع البرمجيات -وهو أحد المستفيدين المفضلين من الائتمان الخاص، والذي أصبح نموذج أعماله تحت التهديد من جانب الذكاء الاصطناعي. 

يتمثل مصدر آخر لخطر الركود في سوق الأسهم. وفقا لكل المقاييس المعيارية تقريبا، بلغت تقييمات سوق الأسهم الأمريكية مستويات من الارتفاع غير مسبوقة تاريخيا. وتشير هذه التقييمات السطحية غالبا إلى وجود فقاعات، والتي تنتهي غالبا إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد الحقيقي. 

وتتضاعف المخاطر اليوم بفعل التركز غير المسبوق في سوق الأسهم الأمريكية. حيث تمثل عشر شركات فقط -معظمها من عمالقة التكنولوجيا- ما يقرب من 40% من قيمة مؤشر S&P 500 الإجمالية. علاوة على ذلك، حققت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عائدات هائلة بلغت 75% من عائدات مؤشر S&P 500 منذ عام 2022، وشكلت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أكثر من 90% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة العام الماضي. وأي تصحيح في سوق الأسهم -أو الأسوأ من ذلك، انهيار فقاعة الذكاء الاصطناعي- قد يثبت كونه كارثيا. 

آخر ما تحتاج إليه سوق الائتمان المتزعزعة وسوق الأسهم المبالغ في تقييمها هو ارتفاع أسعار الفائدة الطويلة الأجل. ففي النهاية، تتسبب أسعار الفائدة المرتفعة في زيادة الصعوبة التي تواجهها الشركات المتعثرة لترحيل قروضها المستحقة، بينما توفر للمستثمرين بديلا عن الأسهم وترفع معدل الخصم على أرباح الشركات في المستقبل. ولكن مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بسبب الحرب مع إيران -على النحو الذي يهدد بتفاقم الضغوط التضخمية التي تولدها بالفعل التعرفات الجمركية المرتفعة وغير المتوقعة على الواردات- فإن هذا هو بالضبط الوضع الذي تواجهه الولايات المتحدة. 

في اجتماعها الأخير، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بالإجماع تقريبا على الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، حيث أشار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى أن الحرب زادت من توقعات التضخم في الأمد القريب. وترى الأسواق الآن أن رفع أسعار الفائدة أصبح أكثر ترجيحا بدرجة كبيرة من التخفيضات التي كانت متوقعة قبل بدء الحرب. 

بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي، سجلت العائدات على سندات الخزانة ارتفاعا حادا، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لعشر سنوات، التي تُـعَـد بالغة الأهمية، بنحو 11 نقطة أساس، ليصل إلى 4.39%. ويمثل الارتفاع في عائدات السندات لعشر سنوات منذ بدء الحرب خروجا ملحوظا عن سلوك المستثمرين خلال فترات انعدام اليقين السابقة، عندما كانت سندات الخزانة الأمريكية تمثل ملاذا آمنا. 

ويزيد تدهور الموارد المالية العامة الأمريكية السريع من احتمالية رفع أسعار الفائدة. قبل الحرب، قدّر مكتب الميزانية في الكونجرس أن عجز الميزانية الأمريكية سيبلغ 1.9 تريليون دولار هذا العام، ويرتفع إلى 3.1 تريليون دولار -6.7% من الناتج المحلي الإجمالي- في غضون عقد من الزمن. كان هذا ليضع العجز عند حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، في المتوسط، على مدى السنوات العشر المقبلة -ضعف المستوى (حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي) الذي يُعد في عموم الأمر متوافقا مع استقرار الدين العام. 

ثم تسببت الحرب في جعل الأمور أشد سوءا؛ فإلى جانب عشرات المليارات من الدولارات التي أُنفِقَت بالفعل، يطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن من الكونجرس الموافقة على زيادة قدرها 200 مليار دولار في ميزانية الدفاع. ولا يوجد من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن التكاليف ستتوقف عند هذا الحد، خاصة وأن الحرب مع إيران قد تشجع قوى مثل الصين وروسيا على تصعيد مغامراتها العسكرية. 

عندما انهارت شركة الاستثمار ليمان براذرز في سبتمبر 2008، فوجئت الحكومة الأمريكية والبنك الاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي أدى إلى اندلاع أزمة مالية عالمية وركود حاد في الولايات المتحدة. واليوم، مع انطلاق كل المؤشرات التي تنذر بحدوث ركود اقتصادي كبير آخر، لا يوجد عذر لتكرار هذا الخطأ. في أقل تقدير، ينبغي لترامب التراجع عن رسومه الجمركية على الواردات وتعليق كل الهجمات على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. سوف يكون الاحتياطي الفيدرالي مشغولا بشدة، وخاصة بالاستعداد لاحتمال اضطراره إلى إنقاذ القطاع المالي. 

 ديزموند لاكمان زميل بارز في معهد أمريكان إنتربرايز، وكبير استراتيجيي الاقتصاد في الأسواق الناشئة السابق في شركة سالومون سميث بارني. 

 خدمة بروجيكت سنديكيت