ترجمة

حل لغز الـسُّلّ

02 أبريل 2026
02 أبريل 2026

شارونان لينش ـ أنافي ماتاكا 

البكتيريا المسببة للسل معروفة منذ عام 1882، وقد جرى تطوير علاج فعّال قبل عقود من الزمن. ومع ذلك، لا يزال السل أكثر الأمراض المعدية فتكا في العالم. 

الواقع أن التأثيرات المترتبة على لغز الصحة العامة العنيد هذا وخيمة. في عام 2024، أصيب ما يقدر بنحو 10.7 مليون شخص بالسل، لكن حوالي 8.3 مليون حالة فقط جرى تشخيصها. ويموت كثيرون من أولئك الذين لا تُـشَـخَص حالاتهم في نهاية المطاف بهذا المرض. كما ينشره كثيرون آخرون دون علمهم. 

تعد «الفجوة التشخيصية» -الفرق بين حالات السل المؤكدة والمقدرة- العائق الأعظم الذي يحول دون استجابة عالمية فَـعّالة. يرى بعض المراقبين في هذا قيدا تقنيا؛ لكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك. ذلك أن الأدوات اللازمة للكشف عن السل بسرعة ودقة موجودة الآن، والأمر الأكثر أهمية أنها من الممكن أن تُـنشَر في أماكن أقرب كثيرا إلى حيث يلجأ الناس أولا للحصول على الرعاية، بما يتيح العلاج في اليوم ذاته. 

تمثل الاختبارات الجزيئية القريبة من نقطة الرعاية (NPOC)، التي أوصت بها مؤخرا منظمة الصحة العالمية لأول مرة، أداة جديدة ومهمة. فهي صغيرة الحجم وقابلة للحمل، وتستخدم مسحات لسان يسهل جمعها، بدلا من عينات البلغم التي يجد كثيرون من الناس -خاصة الأطفال والمصابون بفيروس نقص المناعة البشرية- صعوبة في تقديمها. كما أنها أقل تكلفة من أنواع أخرى من الاختبارات الجزيئية والأجهزة. 

على القدر ذاته من الأهمية، تُظهر الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية النتائج في غضون 30 دقيقة تقريبا، على عكس الاختبارات المعملية التقليدية التي تستغرق أياما أو أسابيع حتى تظهر النتائج. هذا يعني أنها من الممكن أن تُـستَـخدَم للتشخيص في اليوم ذاته في مرافق الرعاية الأولية، مثل مراكز الرعاية الصحية المجتمعية التي تكون عادة أقرب إلى أماكن سكن الناس. وتعمل معدات الاختبار بالبطاريات، وهذا يعني أن شبكات الكهرباء الوطنية المتقطعة لن تكون سببا في الحد من القدرة على الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة. 

مع بدء الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز، والسل، والملاريا دورة التمويل التالية في أوائل عام 2026، تتاح للبلدان المؤهلة الفرصة لتأمين قدر كبير من الموارد اللازمة لنشر هذه التكنولوجيا الجديدة وتوسيع نطاق استخدامها. والحكومات التي تقدم خرائط طريق مفصلة -بما في ذلك تفصيل التكاليف، واستراتيجيات دمج الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية في الخطط الوطنية لمكافحة السل، وأهداف تغطية قابلة للقياس- من المرجح أن تحصل على الدعم. أما تلك التي تفشل في اتخاذ الإجراءات اللازمة، فسوف تضطر إلى الانتظار ثلاث سنوات حتى دورة التمويل التالية. في مجال الصحة العالمية، يكون التوقيت غالبا على القدر ذاته من أهمية الأدلة. 

من غير الممكن أن يكون النشر البطيء مبرَّرا؛ نظرا للتكلفة البشرية الباهظة. في كل يوم، ينتشر السل بهدوء وإصرار. والتشخيص المتأخر لا يُـفضي إلى تأجيل العلاج فحسب؛ بل يتسبب أيضا في معاناة الملايين من الناس من خلال زيادة فرص انتقال العدوى، ورفع معدلات الوفيات، وتسريع مقاومة الأدوية. تمثل كل حالة غير معالجة مأساة فردية تنذر بمزيد من الحالات غير المعالجة، بما يزيد من أعباء الصحة العامة. 

تزخر الصحة العالمية بأمثلة على إبداعات استغرقت عقودا من الزمن لتصل إلى الاستخدام على نطاق واسع. على سبيل المثال، على الرغم من اعتماد اختبارات جزيئية للسل أفضل أداء قبل أكثر من عقد من الزمن، لا يزال الاختبار المجهري -التقنية المعمول بها منذ قرن من الزمن والتي تفوت نسبة كبيرة من الحالات- مُـستَخدَما على نطاق واسع. 

يتطلب تسخير الإمكانات التحويلية التي تتمتع بها الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية دعما سياسيا كبيرا من أجل طرحها بسرعة. ويبدو أن هذا الدعم موجود فقط على الورق. في اجتماع الأمم المتحدة الرفيع المستوى بشأن مكافحة السل في عام 2023، التزمت الحكومات بتحقيق الوصول الشامل إلى اختبارات السل الجزيئية السريعة بحلول عام 2027. ولكن في كثير من المناطق التي تعاني من عبء مرضي مرتفع، نجد أن قِـلة من البلدان فقط تسلك مسارا يقودها إلى تحقيق هذا الهدف. 

من الممكن أن تساعد تكنولوجيا الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية في سد الفجوة بين الطموح والواقع من خلال لامركزية اختبارات السل. وتعد مرافق الرعاية الصحية الأولية ومراكز الاختبار الأدنى مستوى التي لا تزال تعتمد على الفحص المجهري، خاصة في المناطق الريفية، مرشحة واضحة للترقية إلى الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية، وكذا حال وحدات العلاج الكبيرة الحجم. 

إلى جانب تسريع الطرح الأولي لهذه التشخيصات، يتعين على صُـنّاع السياسات العمل على توفير التدريب للأطباء السريريين، وضمان دمجها في برامج فيروس نقص المناعة البشرية والصحة المجتمعية، وتعزيز الأنظمة الداعمة مثل سلاسل التوريد وإدارة البيانات. الاختبار السريع هو مجرد بداية لمسار الرعاية؛ وفي غياب التأهب على نطاق النظام بالكامل، قد تُـهـدَر المكاسب التكنولوجية. لقد تعثرت عمليات الطرح السابقة ليس لأن العلم كان ضعيفا، بل لأن الأنظمة الصحية لم تكن جاهزة. 

لترجمة الخطاب إلى واقع، ستكون الشفافية والمساءلة أمرين أساسيين. يجب أن تتضمن خرائط الطريق الوطنية معالم قابلة للقياس، وبطاقات أداء موحدة، وآليات إبلاغ حقيقية. ويجب إشراك منظمات المجتمع المدني، وهي غالبا أكثر المدافعين فعالية عن المرضى المحرومين، في رصد التقدم المحرز. 

أوضحت حملات صحية عالمية سابقة أن التكنولوجيا لا يمكنها إنقاذ الأرواح إلا عندما تقترن بطموح سياسي. هذه هي القطعة المفقودة الأخرى من أحجية السل. للقضاء على آفة السل مرة واحدة وإلى الأبد، يجب أن يكون قادة البلدان النامية على استعداد لتسريع اعتماد الاختبارات القريبة من نقطة الرعاية. 

 شارونان لينش المديرة المشاركة لمركز السياسات الصحية العالمية في جامعة جورج تاون. 

 أنافي ماتاكا رئيس القسم في الجمعية الأفريقية للطب المخبري.