No Image
ترجمة

المواجهة مع إيران ومستقبل النفط

07 مايو 2026
جيمس ك. غالبريث
07 مايو 2026

بعد أكثر من تسعة أسابيع على اندلاع الحرب التي استمرت ثلاثة أيام ضد إيران -والتي أعلن البيت الأبيض مؤخرًا أنها «انتهت»، رغم استمرار التهديدات- لا يزال من غير الممكن التمييز بوضوح بين الدوافع الحقيقية والذرائع المعلنة. فما قيل في الاجتماعات، ومن الذي قاله، حتى عندما تظهر الرواية الكاملة للأحداث، لن يكون بالضرورة حاسمًا؛ إذ قد يظل هناك سبب غير مُعلن يقف وراء أي حجة جرى طرحها.

نحن نعلم أن رئاسة دونالد ترامب يهيمن عليها منطق ثقافة العقارات. فالرئيس، وعائلته، وأعضاء أساسيون في حكومته، ومستشاروه، وممولوه، جميعهم ينحدرون من عالم الفنادق والمنتجعات الفاخرة والكازينوهات. إنهم ليسوا محامين، ولا مسؤولين منتخبين، ولا بيروقراطيين محترفين قضوا حياتهم في الإدارة الحكومية، فضلًا عن كونهم أساتذة جامعات. الأسعار وقيم الأصول هي خبزهم اليومي ومجال خبرتهم الأساسي. لذا، فلنفترض أنهم فكّروا في الأمر من زاوية اقتصاديات النفط.

يمكن أن يبدأ تحليلنا من حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم أكبر منتج للنفط في العالم، بفضل التكسير الهيدروليكي في حوض برميان بغرب تكساس وجنوب شرق نيومكسيكو. ومع كون السعر التقديري التعادلي لخام برميان (نحو 65 دولارًا للبرميل) أعلى من أسعار النفط التي سادت بين يوليو 2025 وفبراير 2026، فقد انخفض عدد الآبار في حوض برميان بنحو الثلث منذ عام 2023، رغم أن الإنتاج بلغ مستوىً قياسيًّا في 2025 بفضل تحسن الكفاءة. ويمكن القول إن أسعار ما قبل الحرب كانت منخفضة أكثر مما ينبغي لتحقيق حفر مربح ومستدام، وبالتالي لم تكن ملائمة لمصالح شركات الأسهم الخاصة التي دخلت إلى حوض برميان خلال عامي 2020 و2021، حين كانت الأصول النفطية زهيدة الثمن.

أما أثر الشهر الأول من الحرب، فقد تمثل في إخراج إمدادات النفط القادمة من الخليج الجنوبي إلى حدٍّ كبير من الخدمة، ما أدى إلى تقليص تدفقات النفط العالمية بنحو 10%. وانطلاقًا من هذه الحقائق الأساسية، فإن صيغة التقييم التي قدّمناها أنا وجينغ تشين في كتابنا «اقتصاديات الإنتروبيا» تتنبأ بارتفاع في الأسعار بنسبة 60%. وقد حدث ذلك بالفعل؛ إذ ارتفع خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بنسبة 60% -من نحو 65 دولارًا إلى 104 دولارات للبرميل- خلال الشهر الأول من الحرب.

ومن وجهة نظر المنتجين الأمريكيين، كانت تلك نتيجة جيدة -بل جيدة أكثر مما ينبغي بقليل. فعندما ترتفع الأسعار فوق 90 دولارًا للبرميل، يبدأ التضخم الناتج عن ارتفاع التكاليف في إلحاق الضرر بالداخل الأمريكي، بينما تبدأ آسيا وأوروبا في مواجهة نقص مؤلم، ليس في النفط وحده، بل أيضًا في الكبريت واليوريا والهيليوم. وإذا ارتفعت الأسعار أكثر من ذلك بكثير، يبدأ الطلب نفسه في التراجع. ومع استمرار الحرب، قفزت الأسعار إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل حتى الثامن من أبريل، وعندها أعلنت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار، فتراجعت الأسعار.

لا أحد يستطيع الجزم بما يدور في ذهن ترامب، لكنه ربما أدرك أن شن هجوم آخر على إيران لن ينجح. فقد أوضح الحرس الثوري الإيراني أنه سيرد عبر تدمير البنية التحتية الحيوية في الخليج وفي إسرائيل. ووفقًا للصيغة التي نعتمدها، فإن الإغلاق الكامل سيدفع سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 155 دولارًا للبرميل، وهو مستوى من شأنه أن ينهار معه السوق، فتعود الأسعار إلى الانخفاض ولكن بطريقة قاسية ومؤلمة. ومن ثم، فإن أفضل نتيجة بالنسبة للجانب الأمريكي تتمثل في بقاء الخليج مفتوحًا مع انخفاض في تدفق الإمدادات، بما يبقي سعر النفط الأمريكي بين 80 و100 دولار للبرميل.

غير أن المشكلة تكمن في أنه إذا كانت إيران هي من يتحكم في تدفق النفط، فإن هذا السعر «المثالي» بالنسبة للولايات المتحدة سيكون ممتازًا أيضًا بالنسبة لإيران. ففي الواقع، رفعت إيران إنتاجها في مارس، مستحوذةً على حصة سوقية كانت تعود إلى نفط الخليج الذي تعطلت إمداداته وتضررت منشآته. والمفارقة هنا لافتة؛ فعلى الرغم من أن البلدين في حالة حرب، يبدو أن المصالح الاقتصادية لحكومتيهما تتقاطع إلى حد بعيد. وبالطبع، من المنظور الأمريكي-الإسرائيلي، فإن المشكلة تكمن في أن الدولة «غير المرغوب فيها» هي التي تستفيد من الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز.

لذلك ردّت إدارة ترامب بفرض حصار، وإن كان من دون عدد كافٍ من السفن لاعتراض جميع السفن الإيرانية. واختيار الحصار يوحي بوجود أمل في التوصل إلى اتفاق، قد يكون هدفه غير المعلن تثبيت أسعار النفط ضمن النطاق المرغوب طوال ما تبقى من ولاية ترامب. وسيشكّل ذلك مكسبًا للطرفين: الولايات المتحدة وإيران. لكنه في المقابل قد يعني التضحية بحلفاء واشنطن، فضلًا عن توجيه هزيمة استراتيجية لإسرائيل. ويمكن قراءة الضغط الإسرائيلي من أجل استئناف الحرب بوصفه رد فعل على هذا الاحتمال.

والنتيجة هي لعبة هائلة من «عضّ الأصابع»، تُوضع فيها الاقتصاديات العالمية بأسرها على المحك. فحتى الحصار غير المُحكم قد يدفع إيران، مع مرور الوقت، إلى ملء منشآت تخزين النفط لديها، ثم إلى تقليص الإنتاج. ومن خلال هذا النفوذ المحتمل، يملك ترامب مصلحة في إطالة أمد المواجهة لأطول فترة ممكنة. غير أن الانتشار البحري لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، لا سيما وأن إحدى حاملات الطائرات المتضررة تشق طريقها بالفعل عائدة إلى الوطن.

وإذا استطاعت إيران الصمود، فستُضطر الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى التراجع، وعندها ستنخفض أسعار النفط مع تعافي الإنتاج. ومن خلال فرض رسوم عبور على حركة الملاحة عبر المضيق، يمكن لإيران أن تزدهر حتى عند مستويات سعرية أدنى، حتى مع بقاء الخليج مفتوحًا بالكامل وتدفق النفط من جميع المنافذ. أما الولايات المتحدة، فإن استقلالها في مجال الطاقة، وكذلك اعتماد أوروبا الأخير على النفط والغاز الطبيعي المسال الأمريكيين، سيتراجعان تدريجيا.

وهكذا تجد إدارة ترامب نفسها أمام معضلة حقيقية: فإما أن تُقدم على إسقاط الاقتصاد العالمي الآن (وربما تفعل)، أو أن تنسحب (وربما تفعل أيضًا)، متقبلةً هزيمة فورية وتآكلًا طويل الأمد في مكانة الولايات المتحدة؛ أو أن تواصل المماطلة على أمل التوصل إلى اتفاق. وإذا كان أفضل ما يمكن أن يحصل عليه ترامب هو اتفاق غير مُرضٍ، فإن مصلحته تكمن في إطالة أمد الانتظار قدر الإمكان، مترقبًا معجزة قد تغيّر المعادلة.

لكن من غير المرجّح أن تُستجاب صلاته. فإيران دولة صلبة، والزمن يقف -إلى حدٍّ كبير- إلى جانبها. والإيرانيون يدركون أن النهاية المعتادة للسياسة الأمريكية (وهي ليست حكرًا على ترامب) تتمثل في الانسحاب بعد الهزيمة، وتحمّل الإذلال، ثم المضي قدمًا. وعندها ستنخفض أسعار النفط، وفي نهاية المطاف ستنهار مصالح شركات الأسهم الخاصة العاملة في حوض برميان. قد يستغرق الوصول إلى تلك المرحلة بعض الوقت، تتخلله تقلبات ومبالغات خطابية، لكن ما لم تقع كارثة عالمية -وهو احتمال لا يزال قائمًا بوضوح- فإن هذا يبدو المسار الأكثر ترجيحًا للخروج من الأزمة.

ومن حيث المبدأ، تستطيع الولايات المتحدة أن تسلك طريقًا آخر على المدى الطويل. فقد يقرر الناخبون إقصاء الطبقة المضارِبة التي تتولى السلطة حاليا، ويمكن للبلاد أن تضع سياسة وطنية للطاقة، فتبدأ بإنتاج الطاقة وتسعيرها وتوزيعها بما يخدم مجمل الشعب الأمريكي. بل وقد تعود أيضًا إلى المجتمع الدولي بوصفها شريكًا، لا باعتبارها قوة تسعى إلى فرض الهيمنة الإمبراطورية.

لكن، مرة أخرى، لا ينبغي لأحد أن يراهن على شيء لمجرد أنه ممكن.