No Image
ترجمة

مالي على شفا الانهيار...وعلى أوروبا أن تشعر بالقلق

30 أبريل 2026
تريفور فيلسيث - ترجمة: أحمد شافعي
30 أبريل 2026

قبل أيام قليلة، أطلق متمردون إسلاميون هجمة كاسحة على المجلس العسكري الحاكم في مالي. استهدفت الهجمة عشرات المدن والبلدات في أرجاء البلد، وكانت وفق جميع التقارير مفاجأة للمجلس العسكري وجميع المرتزقة الأجانب المتحالفين معه، وقد استولى المقاتلون على ما لا يقل عن مدينتين منهما مدينة كيدال المركزية في الشمال، وألحقوا خسائر فادحة وسط القوات الحكومية في مناطق أخرى. وفي خطوة جريئة بصفة خاصة، هاجم المتمردون مقر المجلس العسكري في بلدة كاتي المحصنة قرب العاصمة باماكو، واقتحموه وقتلوا وزير الدفاع المالي في تبادل إطلاق النار.

كان الهجوم مذهل الجرأة والحجم. وهو تكذيب لإصرار المجلس العسكري -خلافا للأدلة المتكاثرة في البلد- على أن الوضع الأمني في مالي مستتب وفي تحسن. ويشير إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين -وهي الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل والمحركة الأساسية للهجمات- باتت على وشك المضي في الطور التالي من حربها على الحكومة المركزية، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة على منطقة الساحل، وقد ينذر ببداية أزمة لاجئين جديدة.

ولعل هذه الهجمة الأخيرة كانت متوقعة، فلم يكن مجهولا من أمرها إلا التوقيت. فخارج العاصمة باماكو، يسيطر المقاتلون فعليا على الطرق التي تصل العاصمة ببقية محافظات مالي. وبدلا من استعمال القوة لعزل العاصمة كليا، في خطوة من شأنها أن تفرض نتيجة فورية للأزمة وقد تستدعي تدخلا أكبر من روسيا وهي الداعم الأجنبي الأساسي للمجلس العسكري، تفرض الجماعة حصارا غير محكم، وتطلب أجرا من سائقي الشاحنات وتستولي على الحمولات ذات المنفعة الاستراتيجية -من قبيل الوقود- أو تردها على أعقابها. وقد حال ذلك الوضع دون نشوب حرب مباشرة في العاصمة حتى الآن، لكنه حقق الثراء للمتمردين وحرم المجلس العسكري من موارد حيوية.

وهكذا أدى عجز باماكو عن معالجة الأزمة إلى أن بات الوضع واضحا: وهو أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تقوى، بينما يضعف المجلس العسكري قبل الأوان.

حتى نهاية الأسبوع الماضي، كان المقاتلون قانعين تماما باستمرار ذلك الوضع. والواقع أن الوضع بعد هجمات الأخيرة قد عاد إلى طبيعته السابقة إلى حد ما، على الأقل في العاصمة ومحيطها. غير أن جرأة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في هجومها، ورد فعل المجلس العسكري الضعيف، سوف يزيدان الجماعة جرأة على القيام بعمليات أكثر طموحا في المستقبل. وفي حال استمرار الأوضاع الحالية، فإن انهيار الحكومة العسكرية لن يكون محتملا، وإنما سيكون منتظرا، فعلى صناع السياسة في الغرب أن يتدبروا عواقب الأمر تدبرا دقيقا.

موجز تاريخ أزمة الساحل

في مطلع 2011، وفيما اجتاح الربيع العربي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اندلعت مظاهرات في ليبيا ضد حكم معمر القذافي القائم آنذاك منذ أمد بعيد. وبعد أن أدت حملة قمع عنيفة إلى حرب أهلية، جنّد القذافي مرتزقة من عموم شمال أفريقيا لسحق المتظاهرين الذين تحولوا إلى متمردين ولدعم نظام حكمه المتداعي، وكان التجنيد أكثف ما كان من الطوارق، وهم جماعة عرقية بربرية بدوية يبلغ عددها قرابة أربعة ملايين نسمة وتتركز في شمال مالي والنيجر.

ويشكل الطوارق الأغلبية المحلية في مساحات شاسعة في منطقة شمال الصحراء الكبرى نادرة السكان. وهم -شأن أكراد الشرق الأوسط- ينقسمون وفقا لحدود ترجع إلى الحقبة الاستعمارية في القرن العشرين ويتوقون منذ أمد بعيد إلى إنشاء أمة لهم. والصحراء الكبرى -خلافا لدول الشرق الأوسط- عديمة الحدود جوهريا، بما يتيح للطوارق التنقل بسهولة عبر مئات الأميال بين شمال مالي وليبيا.

وبطبيعة الحال، لما مضت الحرب الأهلية في غير صالح القذافي، عدل الطوارق عن الدفاع عنه ورجعوا إلى منطقة الساحل، مصطحبين معهم كميات هائلة من الأسلحة والمعدات العسكرية التي استولوا عليها من الترسانة الليبية. وفي العام التالي، ثار الطوارق من قدامى محاربي الصراع الليبي في مالي، متحالفين مع جماعات جهادية محلية ومقيمين من شمال مالي دولة طوارقية مستقلة.

بحلول عام 2013 كان التمرد -وقد بات بقيادة الإسلاميين بدلا من الطوارق- قد أحكم سيطرته على أغلب مناطق الشمال ومضى يتوسع جنوبا. وأدى تقدم الإسلاميين إلى أن طلبت الحكومة المركزية في باماكو الدعم الخارجي. فاستجابت فرنسا -وهي الحاكم الاستعماري التاريخي في غرب أفريقيا والشريك التجاري المقرب- بعملية أطلق عليها عملية (سِرفال) وهي حملة عسكرية صدت المتمردين واستردت السيطرة المالية على الشمال. وفي عام 2014، انتقل الجيش الفرنسي إلى عملية برخان وهي مهمة دعم أمني طويلة الأجل شملت لاحقا دول الساحل أيضا.

وظل هذا الوضع -الذي أحكمت فيه الحكومات المدنية بمساعدة من فرنسا سيطرة قوية على المناطق الحضرية بينما بقي المتمردون كامنين في الريف- مستقرا إلى حد كبير في منطقة الساحل لقرابة عقد من الزمن. إلى أن تفكك الوضع في مطلع عشرينيات القرن الحالي بسبب ثلاثة تطورات.

أولا: سلسلة انقلابات عسكرية في أرجاء منطقة الساحل أطاحت بحكومات شبه ديمقراطية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ورفضت الدكتاتوريات العسكرية الجديدة القبول بالمطالب الفرنسية بجدول زمني لرجوع الحكم المدني، وطردت القوات الفرنسية من أراضيها في زمن قصير. كما قطعت العلاقات مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) المؤيدة للديمقراطية وأسست منافسا وبديلا لها هو (تحالف دول الساحل) AES.

ثانيا: في عام 2022، استجلبت المجالس العسكرية في (تحالف دول الساحل) -وهي لا تزال تعتمد على المساعدة العسكرية في إرساء الأمن- مجموعة فاجنر الروسية. لكن جماعة فاجنر -التي أعيدت تسميتها بـ(الفيلق الأفريقي) بعد أن فشل تمرد زعيمها يفجيني بريجوجين في صيف 2023- كانت أشد عنفا وأقل فعالية من القوات الفرنسية في احتواء المتمردين.

ثالثا: ازداد المتمردون قوة. فقد ظهرت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في عام 2017 بوصفها اندماجا بين تنظيمات إسلامية صغيرة، وسرعان ما باتت هي الجماعة المقاتلة الأقوى في كامل غرب أفريقيا. كما تواجه المجالس العسكرية في تحالف دول الساحل الجماعة التابعة لـ(داعش) في المنطقة -وهي عدوة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين- لكن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هي الأقوى بلا نزاع، وقد تحالفت مرة أخرى مع الطوارق.

روسيا لا تستطيع أن تنقذ مالي

اليوم يزداد وضع روسيا في مالي شبها بوضع الاتحاد السوفييتي في أفغانستان قبل أربعة عقود. فالقوات الروسية متمركزة في حفنة من المناطق الحضرية المالية، مسؤولةً اسميا عن حمايتها، وتعمل دوريا على تطهير الطرق السريعة الرئيسية لكنها لا تبذل جهدا يذكر لمنازعة المقاتلين سيطرتهم على الريف. وكما لم تفلح هذه الاستراتيجية في أفغانستان، فهي لا تفلح في مالي.

قصور النهج الروسي واضح للعيان. ففضلا عن نمط الانتشار الاستباقي، كان لدى المستشارين العسكريين الفرنسيين اطلاع على معلومات أجهزة المخابرات المتطورة، فكانوا يستعملونها في تحديد أماكن المقاتلين وتعقبهم في المناطق المدنية، ويعرفون بأمر عملياتهم، ويستعملون المعلومات في استهداف تدفقاتهم التمويلية وتقويض تحالفاتهم الإقليمية.

أما القوات الروسية في مالي فهي أقل تطورا بكثير. ونهج الفيلق الأفريقي أبسط وأشد قسوة: إذ تدخل القوات المناطق التي يشتبه في احتوائها على نشاط قتالي وتستعمل العنف والوحشية في محاولة لتدجين السكان وإخضاعهم. وأفضت هذه الاستراتيجية إلى وفاة آلاف من المدنيين في منطقة الساحل واستدعت استنكارا دوليا. وهي أيضا خطأ استراتيجي فادح، إذ أفضت إلى كره المجلس العسكري في المناطق الداخلية ودفعت الأهالي إلى أحضان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وهي وفق بعض التقديرات أسرع الجماعات المقاتلة نموا في العالم.

في المدى القريب، يبقى الوضع الأمني مضطربا، برغم أنه ليس من المرجح أن تسقط باماكو عما قريب. وقد جدد الكرملين تأكيد التزامه تجاه المنطقة، وطالما بقيت القوات الروسية حاضرة هناك -بحماية بالنيران الروسية الجوية- فلا يكاد يوجد ما يشير إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين سوف تسعى إلى مواجهة شاملة معها.

والواقع أن إدراك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في ما يبدو لحقيقة أن وقوع مجزرة بين صفوف القوات الروسية قد يثير غضب موسكو، فقد تحلت بضبط النفس تجاه هذه القوات خلال الأيام الماضية بعدما استولت على كيدال، إذ ظهرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاتلي الجماعة وهم يسمحون للقوات الروسية بترك المدينة تحت حراستهم.

غير أن الوقت حليف للمقاتلين، فبازدياد قبضة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، من المتوقع أن تقل دهاء، فترتفع التكلفة على روسيا. وفي ظل مواجهة تمرد عنيد، وارتباط بحليف محلي لا يعتمد عليه نهائيا، واحتياجات ملحة في الداخل، يواجه القادة الروس اليوم الخيار المستحيل الذي واجهه السوفييت (ثم الأمريكيون) في أفغانستان: إما البقاء إلى الأبد في منطقة الساحل وقبول التكليف من الأرواح والأموال، أو تقليل الخسائر والرحيل عن البلد فتواجه باماكو مصيرها منفردة.

انهيار مالي طريق الفوضى الإقليمية

غالبا ما تحدث التغيرات السياسية على هيئة موجات. فثورتا 1848 و1889 في أوروبا، والربيع العربي في 2011، وسلسلة انقلابات الساحل في مطلع عشرينيات القرن الحالي، كانت في جوهرها حالات عدوى، إذ لا يكاد يقع تطور في بلد، حتى تراه البلاد المجاورة، وتتلقى منه الدروس والعبر، وتكرره.

ولهذا الأمر عواقب وخيمة في حالة دول منطقة الساحل. فالمجالس العسكرية في دول تحالف الساحل في جوهرها حكومات مصطنعة وهشة لا تدعمها إلا القوات الروسية. وحينما تسقط هذه الحكومات، فإنها تسقط بسرعة، ولنا على هذا دليل في انهيار أفغانستان في أغسطس 2021 وسوريا في ديسمبر 2024. وفي ضوء أن جميع أنظمة الحكم في دول تحالف الساحل هي في جوهرها تنويعات على ثيمة واحدة، فما من سبب لأن نتوقع أن يبقى الانهيار في مالي مقصورا عليها.

وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتهيأ لهذه النتيجة. فهي تمارس الحكم بالفعل في المناطق التي غزتها وكأنه شبه دولة تحصِّل الضرائب من الأنشطة الاقتصادية وتوفر الخدمات الاجتماعية الأساسية وتدير النظام القضائي وتحاول تأسيس الشرعية. ومع ذلك فإن تحول دكتاتورية عسكرية غاشمة مدعومة من روسيا إلى حكم إسلامي مستقر -على غرار ما حدث في سوريا- أمر بعيد الاحتمال. فالجهاديون على حالهم -أي دونما إصلاح- يكونون حكاما سيئين، وفرضهم القوانين القاسية والنظام العنيف ضمان لقصر أجل الاستقرار ثم انتشار الغضب وقلقلة حكمهم وتعريضه للانهيار من جراء أوهى الاضطرابات الخارجية.

والواقع أن استرداد الحكم سنة 2013 في شمال مالي لم يكن بفضل القوة العسكرية الفرنسية في الأساس، وإنما بفضل الحكم الرهيب الذي فرضه المتمردون على المناطق التي استولوا عليها، إذ طبقوا قوانين صارمة للفصل بين الجنسيين ولتحديد لباس النساء وحظروا التدخين والموسيقى وطبقوا عقوبات الشريعة وكل ذلك كان غريبا على الممارسات الإسلامية في غرب أفريقيا فأدى إلى نفور الأهالي من حكمهم. وتكرر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هذه الإجراءات في المناطق التي تسيطر عليها اليوم.

وهذا بالضرورة يثير القلق خارج منطقة الساحل نفسها. فالفوضى أو الطغيان الإسلامي في منطقة الساحل كفيلان على الأرجح بأن يكونا تطورات كارثية على أمن المنطقة، مع عواقب بعيدة المدى. والخاسرون الأساسيون في هذا السيناريو -بجانب المدنيين الماليين- هم الدول الأخرى من أعضاء إيكواس، إذ سيتدفق عليها اللاجئون وتصبح عرضة لمزيد من عدوان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما عانت منه بالفعل توجو وبنين.

غير أن الانهيار في مالي سوف يكون في نهاية المطاف محسوسا في مناطق أبعد كثيرا. فمالي تقع في قلب شبكات المهاجرين قاصدي الشمال، فمن شبه المؤكد أن أوروبا سوف تستشعر عواقب الفوضى. صحيح أن لأوروبا وقاء ما في شسوع الصحراء الكبرى، فخلافا لأزمات الهجرة الأفريقية السابقة من ليبيا الواقعة على ساحل البحر المتوسط، سوف يتعين على قاصدي الهجرة إلى أوروبا أن يجتازوا أولا مئات الأميال من الصحراء، والدول القائمة فيها، وليس بينها ما يشتهر بلين العريكة مع المهاجرين.

غير أن حجم المشكلة سيكون أضخم كثيرا من جولات الهجرة السابقة. فثمة خمسة وسبعون مليون نسمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو مجتمعة، وذلك أكثر عشر مرات من سكان ليبيا. ومن سوء الحظ أن القادة الأوروبيين لا يملكون من الأدوات ما يكفي لمواجهة هذا الأمر، لكن من الحكمة أن يتدبروه على أقل تقدير قبل أن يبلغ أعتاب بلادهم.