أربعة سيناريوهات لحرب إيران
07 مايو 2026
نوريل روبيني
07 مايو 2026
بعد حرب لمدة 40 يوما، فشلت إدارة ترامب في حمل إيران على الاستسلام وتركتها تسيطر على مضيق هرمز. ومع إقدام إيران على ضرب البنية الأساسية الـحَرِجة في دول المنطقة وتهديدها حركة الملاحة البحرية، ارتَدَّت الولايات المتحدة إلى وضع «ترامب يَـجبُن دائما» (TACO) بالموافقة على وقف إطلاق النار. والآن، يشير ارتفاع التضخم وتباطؤ النشاط الاقتصادي ضمنا إلى قدوم نوبة من الركود التضخمي - في الوقت المناسب لتأجيج غضب الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.
ماذا قد يحدث لاحقا إذن؟ ينطوي الأمر على أربعة سيناريوهات محتملة.
أولا، قد يُـفضي وقف إطلاق النار الحالي إلى مفاوضات ناجحة لإنهاء الأعمال العسكرية العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز. تتمتع الولايات المتحدة هنا ببعض النفوذ لأن حصارها لكل حركة الملاحة البحرية من وإلى الموانئ الإيرانية يضيف إلى الضغط المالي المفروض على النظام. ربما يأمل ترامب أن يتمكن فصيل أكثر اعتدالا -ربما بقيادة رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف- من إقناع المتشددين بأن التوصل إلى تسوية بشأن القضية النووية من شأنه أن يؤدي إلى تخفيف العقوبات وتَـجَدُّد عائدات الشحن عبر المضيق.
لكن هذا السيناريو غير مرجح؛ لأن النظام قادر على تحمل الألم الاقتصادي لفترة أطول كثيرا مما يستطيع ترامب (نظرا لانتخابات التجديد النصفي التي تلوح في الأفق). علاوة على ذلك، لا يزال الجانبان متباعدين كثيرا حول كثير من القضايا، وليس فقط طموحات إيران النووية. إذ تعارض الولايات المتحدة برامج الصواريخ الباليستية والطائرات الـمُسَيَّرة آليا في إيران، والرسوم التي تريد فرضها على حركة المرور في مضيق هرمز، ومسائل أخرى. وسوف يتطلب تسوية حتى واحدة من هذه القضايا محادثات طويلة ومعقدة من جانب مفاوضين جادين ومخضرمين.
يعكس السيناريو الثاني هذا الوضع. حيث يستمر وقف إطلاق النار، لكن المفاوضات تمتد لبضعة أشهر أخرى بينما يظل المضيق مغلقا. هذا هو الوضع الحالي بشكل أساسي، وهو بعيد كل البعد عن المثالية. ذلك أن الوضع الراهن يلحق أضرارا اقتصادية ومالية كبيرة بالاقتصاد العالمي، مع اتجاه أسعار النفط والطاقة إلى الارتفاع، بل وتجاوزها ذروتها خلال الأربعين يوما من الحرب المسلحة.
في ظل هذه الظروف، سينخفض النمو العالمي، ويرتفع التضخم. لكن بما أن هذا السيناريو الثاني غير مستقر بطبيعته، فمن غير الممكن أن يستمر لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر. ولا بد أن يفسح المجال إما للسيناريو الأول (حيث يتراجع أحد الأطراف ويثبت استعداده للتنازل بما يكفي لإعادة فتح المضيق وتأمين وقف إطلاق نار أكثر ديمومة) أو لتصعيد الصراع. وبالفعل، تُظهر الاشتباكات العسكرية في الخليج هذا الأسبوع هشاشة أي وقف لإطلاق النار دون التوصل إلى اتفاق.
في السيناريو الثالث، تختار الولايات المتحدة وإسرائيل التصعيد بإطلاق العنان لكل الوسائل العسكرية، والاقتصادية، وغير ذلك من السبل المتاحة تحت تصرفهما لإجبار النظام على الاستسلام أو الانهيار.
يكمن الخطر، بالطبع، في تمكن النظام الإيراني من النجاة من مثل هذا التصعيد. في السيناريو الرابع، سوف يستخدم النظام ما تبقى لديه من الصواريخ الباليستية، والطائرات الـمُسَيَّرة آليا، والقوات البحرية لإلحاق أضرار جسيمة ودائمة بمزيد من منشآت الطاقة في الخليج، في حين يظل محتفظا بسيطرته على المضيق. لو حدث ذلك، سترتفع أسعار النفط لتقترب من 200 دولار للبرميل أو حتى تتجاوزها، فنواجه ركودا تضخميا على غرار ما حدث في سبعينيات القرن العشرين، وركودا عالميا، وسوق أسهم هابطة.
من المؤكد أن التصعيد قد يفرض الضغوط على الجانبين، بما يحملهما على التوصل إلى حل تفاوضي، حيث يمر السيناريو الثاني (الوضع الراهن) حتما عبر السيناريو الثالث أو الرابع قبل أن ينتهي إلى السيناريو الأول. لكن هذا أقل احتمالا، لأننا سنعود إلى التفاوض على وقف إطلاق النار -وقد رأينا للتو مدى ضآلة الجدوى من ذلك؛ وعلى هذا فإن التصعيد قد يخرج عن السيطرة بدلا من أن يؤدي إلى العودة إلى وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض.
بينما يأمل ترامب في السيناريو الأول، فإن هذا ربما يكون مجرد أضغاث أحلام. فاليد العليا في طهران هي للمتشددين. وقد أظهروا بالفعل استعدادهم وقدرتهم على تحمل الألم الاقتصادي الناجم عن الحصار، وهم لن يواجهوا الناخبين هذا الخريف.
عندما يتعلق الأمر بالعواقب الاقتصادية والسوقية البعيدة الأمد، فإن السيناريو الثالث هو الأفضل، لأنه يعني إعادة فتح المضيق بشكل دائم. أما ثاني أفضل سيناريو فهو السيناريو الأول؛ لكنه يعني أن إيران قد تغلق المضيق في أي وقت تستشعر فيه التهديد من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل. وهذا الاحتمال من شأنه أن يفرض زيادة دائمة في أسعار النفط بنسبة 15-20% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. مع ذلك، يظل الوضع الحالي (السيناريو الثاني) هو الأسوأ، لأن كل شهر يفشل فيه وقف إطلاق النار في تسهيل التوصل إلى اتفاق سيدفع النمو العالمي إلى الانخفاض والتضخم إلى مزيد من الارتفاع. والنتيجة الأسوأ الوحيدة هي السيناريو الرابع.
نظرا لهذه المخاطر الجسيمة، قد يتساءل بعض الناس عن السبب وراء وصول الأسواق العالمية -بدءا من أسهم الولايات المتحدة وآسيا- إلى مستويات قياسية جديدة مؤخرا. أرى سببين لذلك. أولا، يتوقع المستثمرون أن يصبح وقف إطلاق النار دائما بطريقة ما قريبا، وهذا يعني أسعار نفط أدنى كثيرا. ثانيا، يبدو أن بعض المراقبين يفترضون أن الرياح المواتية الناتجة عن ازدهار الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ستظل أقوى كثيرا من الرياح المعاكسة الناتجة عن الحرب.
ولكن إذا كنت حقا تؤمن بذلك، فقد تجد في انتظارك صدمة قاسية. فالأسواق لا تحدد الأسعار بما يتفق مع ارتفاع احتمالات التوصل إلى وقف إطلاق النار الدائم (أكثر من 75%) بدرجة أعلى من المرجح فحسب، بل إننا إذا انتهينا إلى تصعيد، فسوف يُـفضي هذا إلى مزيد من التقلبات الاقتصادية والسوقية والمخاطر السلبية حتى في أفضل السيناريوهات. وفي حين أن التصعيد سيكون أكثر احتمالا من ذلك الذي يؤدي إلى ركود تضخمي على غرار سبعينيات القرن العشرين، فإن الأسواق ستكون رغم ذلك استخفت بمخاطر المعاناة في الوقت ذاته. من منظور أي شخص يقف على الجانب الخاطئ من الصفقة، فإن الأمر لن يكون أقل إيلاما إذا دامت المعاناة لأشهر عديدة، بدلا من سنوات أو عقود من الزمن.
