No Image
ترجمة

العالم في عصر إبستين

26 فبراير 2026
جوشوا روثمان - ترجمة - بدر بن خميس الظفري
26 فبراير 2026

كان من الغريب، لأسباب كثيرة، أن تكون صحفياً في عامي 2016 و2017، مباشرةً بعد انتخاب دونالد ترامب. جزء من هذا الشعور بالغرابة تمثّل في أن كل قصة تقريباً كان لا بد أن تتضمن الإشارة إليه. فإذا سافر مراسل إلى مكان ما لجمع مادة عن موضوع يبدو في ظاهره بعيداً عن السياسة مثل كارثة طبيعية، أو حدث رياضي، أو اكتشاف علمي - بدا من المهم أن تكشف ما إذا كان سكان ذلك المكان قد صوّتوا لترامب، ولماذا فعلوا ذلك. وعند الكتابة عن أشخاص بعينهم، كان من الضروري الإشارة إلى موقفهم منه، وهل يؤيدونه أم لا.

ارتبط صعود ترامب بجوانب عديدة من الحياة الأمريكية الحديثة، من برامج تلفزيون الواقع وتقنيات المعلومات، إلى سياسات النوع الاجتماعي والتحولات الصناعية، حتى بدا إدخال اسمه في أي قصة أمراً طبيعياً، بل حتمياً. كنا نعيش في «أمريكا ترامب»، ولذلك فإن فهم ما يُعرف بالترامبية كان طريقاً لفهم البلاد، كما أن فهم البلاد كان مدخلاً لفهم تلك الظاهرة. هذه صياغة فكرية للأمر. ومن زاوية أخرى، كانت الترامبية حالة نفسية عامة تسللت إلى كل شيء؛ ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

كان أحد المحاور الرئيسية لحركة ترامب هو أن العالم يُدار من قِبل نخبة فاسدة، منحرفة، ومنقطعة الجذور، زمرة من العولميين العالميين الذين يتظاهرون بالتنوير، بينما هم في الواقع قساة وأنانيون ومتوحشون. وقد حرص ترامب على أن يضع نفسه في مواجهة هذه الفئة؛ فإذا كان الأثرياء لا يشبهون عامة الناس، فقد قدّم نفسه بأنه استثناء، فهو ثري ولكنه يشبه عامة الناس. ومن مبادئ ترامب الأخرى أن مجتمعنا أصبح بلا قانون، وأن نظامه القضائي متساهل للغاية. وقد تعهّد بتطبيق عدالة صارمة، وارتفعت الهتافات في تجمعاته: «اسجنوها!». كما روّج لفكرة أن الخبراء التكنوقراط جزء من «دولة عميقة» لا تقول الحقيقة للناس، في حين أنه هو من يعرف الحقيقة. ثم هناك تصوّر خاص للسلطة، يقوم على ممارستها علناً وبلا مواربة، بعيداً عن التعقيدات الدقيقة للأعراف والمؤسسات البيروقراطية.

لم يكن هذا المزيج من الأفكار جديداً تماماً، ومع ذلك فإنه قبل عام أو عامين فقط لم يكن قريباً من السيطرة على المشهد الأمريكي. كيف صعد بهذه السرعة؟ بدأت أرى وصول الترامبية من خلال استعارة «الكاليدوسكوب»؛ وهي أداة بصرية أسطوانية تحتوي في داخلها قطعاً صغيرة ملوّنة من الزجاج أو البلاستيك، تنعكس عبر مرايا داخلية، فتُنتج أنماطاً هندسية متبدلة كلما أُدير الأنبوب. في النماذج التي يمتلكها أطفالي، تتقلب القطع الشفافة داخل الأسطوانة، ومع كل حركة تتكوّن تشكيلات جديدة، تتردد لحظة ثم تستقر فجأة في صورة متماسكة.

بدت لي السياسة أشبه بكاليدوسكوب معتم؛ مخاوف وهواجس مألوفة تتحرك وتعيد ترتيب نفسها حتى تتخذ تشكيلات جديدة آسرة. كانت الترامبية أحد هذه الأنماط، فهي رؤية قاتمة للمجتمع تفتقر إلى الاتساق المنطقي، لكنها تتماسك لدى بعض الناس بدوافع عاطفية أو من باب ممارسة الهواية. فإذا كانت هناك حقاً طبقة من نخب عالمية غير خاضعة للمساءلة تعبث بالعالم وتنهبه، أفلا يكون ترامب -وفق هذا المنطق- واحداً منها؟ غير أن مثل هذه الأسئلة لا تزعج من يعجبه المشهد عبر الكاليدوسكوب؛ فبالنسبة إليه، كان ترامب هو من يدير الأسطوانة، مراقباً للنمط، لا جزءاً منه.

المشهد المتغير باستمرار، تظهر فيه أنماط جديدة. لطالما أثارت فضيحة جيفري إبستين فضول المراقبين ورعبهم لأكثر من عقد؛ فإلى جانب كونها سلسلة أحداث مروعة حقيقية تورط فيها جناة وضحايا حقيقيون، فقد كانت ورقة سياسية رابحة ومصدرًا لنظريات المؤامرة. ولكن مؤخرًا فقط - مع نشر ملايين الوثائق التي يمكن لأي شخص الاطلاع عليها - بدأت خيوطها تتضح. بالنسبة للكثيرين، أصبح ترامب الآن جزءًا من هذا المشهد، إلى جانب العديد من الأشخاص والمنظمات والمؤسسات الأخرى. لقد برزت رؤية قاتمة مختلفة للمجتمع. فجأة، يبدو أننا نعيش في عصر إبستين. نقنع أنفسنا بأن فهم صعوده إلى السلطة قد يُساعدنا على فهم العالم.

تُعيد فضيحة إبستين ترتيب العديد من العناصر المتغيرة التي أعاد ترامب ترتيبها بالفعل. جماعة عالمية شريرة، ونظام عدالة غير فعّال، وممارسة سلطة مطلقة من قبل خبراء غير جديرين بالثقة - هذه مواضيع مألوفة. لكن قصة إبستين تجمع أيضًا عناصر أخرى، كان الكثير منها متداخلًا لعقود.

قد نبدأ بفضائح الاعتداء الجنسي المؤسسية في العقدين الأولين من الألفية الثانية. ففي عام 2002، كشفت صحيفة بوسطن غلوب، من خلال تحقيقاتها الاستقصائية، عن تستر الكنيسة الكاثوليكية على حالات اعتداء جنسي واسعة النطاق. وفي عام 2017، أسهمت تقارير صحيفة التايمز وهذه المجلة في كشف فضيحة هارفي واينستين، التي لم تعكس انتهاكات رجل واحد فحسب، بل كشفت أيضًا عن بنية سلطة استغلالية أوسع نطاقًا داخل صناعة الترفيه. وبين هاتين الفترتين، علمنا بأمر مدربين، من بينهم جيري ساندوسكي ولاري نصار، استغلوا رياضييهم؛ وبأمر شخصيات يُنظر إليها بإعجاب، مثل بيل كوسبي وجيمي سافيل، اعتدوا على ضحاياهم وتمت حمايتهم من قل متنفذين؛ وبأمر اعتداءات جنسية في الجيش على سجناء أبو غريب، وكذلك بين أفراد الخدمة العسكرية. بالنسبة للكثيرين، أثبتت هذه الفضائح صحة مزاعم الصحفيين والباحثين الذين طالما أكدوا أن الاعتداء الجنسي، بما في ذلك الاعتداء على الأطفال الصغار والمراهقين، أكثر انتشارًا مما هو شائع. وكان من المقلق بشكل خاص رؤية كيف نُفذت هذه الانتهاكات داخل مؤسسات كبيرة ومرموقة وذات مكانة بارزة. وأصبح من الطبيعي النظر إلى أي منظمة أو مؤسسة والتساؤل عما إذا كانت تحمي معتديًا - رجلًا محبوبًا يملك كل شيء، ويستغل سلطته لاستغلال كل شيء.

بشكل عام، كانت هذه الفضائح محصورة ضمن الهياكل التنظيمية. لكن خلال الفترة نفسها، ازداد الوعي بكيفية تجاوز شبكات المعرفة والسلطة للحدود المؤسسية وحتى الوطنية. في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، دفعت حركة «احتلوا» بفكرة أن طبقة عالمية فائقة الثراء تستفيد على حساب بقية المجتمع. فحتى إن كان أفراد «الواحد في المائة» يعملون لدى حكومات أو مؤسسات مالية متنافسة، فإنهم في نهاية المطاف يحققون مكاسب متبادلة، على غرار لاعبي الرياضة المحترفين الذين يتنافسون داخل الدوري نفسه بينما يظلون جزءاً من منظومة واحدة.

ولم يقتصر القلق من انتقال رأس المال ومراكز التحكم إلى فضاءات معولمة - لا يصل إليها عملياً إلا أصحاب الطائرات الخاصة - على التيارات التقدمية. ففي عام 2004، تناول المنظّر السياسي المحافظ صمويل هنتنغتون فكرة «رجال دافوس»، في إشارة إلى «العابرين للحدود» الذين يرون في الحدود الوطنية عوائق في طريقها إلى الزوال، ويعتبرون الحكومات القومية بقايا من الماضي، لا وظيفة لها سوى تسهيل العمليات العالمية للنخبة. وحذّر هنتنغتون من أن «اتساع الفجوة بين قادة المؤسسات الكبرى والجمهور» لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الثقافي أيضاً؛ مشيراً، على سبيل المثال، إلى أن أفراد النخبة العالمية يميلون إلى اللامبالاة أو حتى العداء تجاه القيم التقليدية، ومنها الدين.

هذه المفاهيم الجديدة - سواءً عن أصحاب النفوذ أو عن التسلسلات الهرمية المتشعبة التي يعملون ضمنها - تُشكّل عنصرين من عناصر رؤية إبستين. أما العنصر الآخر فهو مفهوم جديد للجمهور. ففي الأيام التي سبقت وسائل التواصل الاجتماعي، كان من الممكن تحديد الرأي العام من خلال استطلاعات الرأي أو تقارير «المواطن العادي»، أو من خلال وجهة نظر القادة الذين زعموا معرفة ما يفكر فيه الناس. لكن العقود نفسها التي شهدت إعادة النظر في مفهوم النخبة شهدت أيضًا إعادة ابتكار للجمهور ككيان شبكي متصل بالإنترنت - أشبه بعقل جمعي.

وقد قارن تحليل هنتنغتون، في مطلع الألفية، بين طبقة النخبة والجمهور التقليدي الذي يهتم بالدين والوطن. لكن الجمهور الجديد كان أغرب من ذلك. كان بإمكان العقل الجمعي أن يُفكّر بصوت عالٍ، فيُخرج كميات هائلة من المعلومات ويُنظّمها ويُحلّلها في الوقت الفعلي، كما في قضية اغتصاب ستوبنفيل عام 2012، أو تحطم طائرة الخطوط الجوية الماليزية الرحلة 17 عام 2014. ومع ذلك، كان تفكيرها بعيدًا كل البعد عن الموضوعية. فقد تأثرت بخوارزميات التسويق الفيروسي والإعلانات المُستهدفة التي تهدف للربح، فانجذبت إلى الأفكار الفاضحة والمُثيرة للانقسام والاستفزازية. باختصار، كانت أفكارها في كثير من الأحيان مُختلة.

كان هذا الجمهور الجديد متعدّد الأصوات إلى حد مفرط، إذ تنشط وحداته البشرية بلا انقطاع في الكتابة والنشر. أفكاره تستكشف كل احتمال ممكن؛ فكل ما يمكن قوله يُقال، مهما كان صادماً أو متطرفاً. وقد تزامنت هذه النزعات مع نمو غير مسبوق في حجم البيانات المتاحة. وبات «العقل الجمعي» قادراً على العثور على أي شيء تقريباً داخل فضاء معلوماتي بحجم الأرض، أشبه ببقعة اختبار رورشاخ مفتوحة للتأويل. كانت تقنيات التشفير الشامل قد طُوِّرت، لكنها لم تُعتمد على نطاق واسع، لذلك استخدم أصحاب النفوذ خدمات البريد الإلكتروني الشائعة مثل «جيميل» و«أوتلوك» كما يفعل غيرهم. ولم تكن دوائرهم المغلقة بالسرية المتصوَّرة؛ فهناك وثائق لا حصر لها قابلة لأن تُسرَّب عبر «ويكيليكس».

ومع شروع «العقل الجمعي» في تمحيص هذا الكم الهائل من البيانات، أخذت الأعراف السائدة تتبدل، وطرحت هذه التحولات أسئلة شائكة. كيف ينبغي النظر إلى أشخاص تصرفوا بسوء في الماضي، لكنهم يؤكدون أنهم كانوا يتحركون ضمن الأعراف المقبولة في زمانهم؟ وماذا عن أولئك الذين مكّنوا هذا السلوك، ولو بمجرد غض الطرف؟

جاءت ثقافة «الإلغاء»، في أحد أوجهها، استجابةً لهذا الفهم الجديد لطبيعة السلطة؛ إذ انطلقت من إدراك أن أصحاب النفوذ، رغم اختلافاتهم، يلتقون عند قيم ضمنية مشتركة، وأن استمرار قيم جائرة أو استغلالية يمثل ممارسة ضارة ومفسدة للسلطة. ومع ذلك، لم يكن الأمر دائماً معقداً إلى هذا الحد؛ فكثيرون ارتكبوا أفعالاً كانت مخالفة بوضوح لأعراف زمنهم وأعرافنا معاً.

قبل انطلاق وسم (#أنا_أيضاً)، كانت شابات يسعين إلى العمل في الصناعات الثقافية يتعرضن للاعتداء أو التحرش بصورة متكررة، وإذا تجرأن على الحديث عن ذلك جرى تجريدهن من إنسانيتهن. وقد حاول بعض المدافعين عن هذا السلوك تبريره بزعم أنه كان مألوفاً في تلك المرحلة. غير أن الاحتمال الآخر يقول إن الجميع كان يدرك خطأه، وأن العرف السائد فعلياً تمحور حول الخضوع لأصحاب النفوذ والتزلف لهم. وهذا هو العرف المركزي الذي كان لا بد من تقويضه، عبر إعادة الاعتبار للأخلاق البديهية التي يتفق عليها الضمير العام.

تطورت كل هذه العناصر على خلفية مثبِّطة للهمم. فقد كُشِف عن مخالفات في كل مكان، ومع ذلك ظل الإحساس سائداً بأن القليل جداً يتغير - وهو شعور اتفق عليه كثيرون مهما اختلفت توجهاتهم السياسية. لم ينجح تحقيق مولر ولا موجة (#أنا_أيضاً) في إلحاق ضرر سياسي بترامب. وحظي هنتر بايدن بمعاملة وُصفت بالمتساهلة. ولم تمنع جلسات الاستماع المتعلقة بأحداث السادس من يناير قرارات العفو اللاحقة. وبدا أن حصانة أصحاب النفوذ تُقاس بمدى عجز الغاضبين عن إحداث أثر.

ثم هناك حقيقة يصعب تقبّلها، مفادها أن بعض الناس يرتكبون الشر بإرادة كاملة. كانت حوادث إطلاق النار الجماعي مأساوية بما يكفي، من دون أن تُتخذ بشأنها إجراءات حاسمة، غير أن كثيراً من الجرائم البشعة حمل طابعاً جنسياً. وتبيّن، على سبيل المثال، أن شبكات التواصل الاجتماعي توظّف جيوشاً من العاملين لمراجعة موجات لا تنتهي من محتوى منحرف، يشمل مواد تتعلق بالاعتداء على الأطفال والقتل. كان كثير منهم يعمل في الخارج، وتعرّض عدد كبير منهم لآثار نفسية قاسية. بدا «العقل الجمعي» مثقلاً بكوابيس لا يمكن محوها، لأنها قائمة في الواقع.

وتندرج قصة إبستين ضمن هذا السياق الذي استعرضناه. لقد كانت حاضرة دائماً داخل النمط، غير أنها تحولت في الآونة الأخيرة إلى النمط ذاته. إذا بدأ فيلم بصورة عادية - عائلة تنتقل إلى منزل جديد - ثم يُكتشف وجود شيطان في القبو، يتغير معنى الفيلم بأكمله؛ يتضح أنه كان فيلماً من نوع الرعب منذ البداية. هذا هو الإحساس الذي يفرض نفسه.

إن تلخيص الصورة كاملة أمر متعذّر، وأي محاولة لذلك تقتضي حذراً شديداً، حفاظاً على الحدود الفاصلة بين ما ثبت يقيناً، وما يبدو مرجحاً، وما يظل في نطاق التكهن. وهذه الحدود، يجدر التنبيه، تآكلت بصورة لا رجعة فيها بفعل سوء إدارة ملف جرائم إبستين على مدى سنوات. من الثابت أن شخصيات تنتمي إلى دائرة النخبة الفائقة - إبستين وغيسلين ماكسويل - تولّت تنسيق شبكات للاتجار بالنساء والفتيات واستغلالهن جنسياً على نطاق يتجاوز ما يمكن نسبته إلى فرد واحد. وقد استلزمت هذه الأنشطة العابرة للقارات تعاون عدد كبير من الأفراد في دول متعددة، ولم يُوجَّه الاتهام الجنائي إلا إلى قلة نادرة منهم. وغالباً ما وقع الاعتداء في فضاءات عابرة للحدود - جزيرة خاصة، طائرة خاصة - أو في أماكن بدت وكأنها خارج نطاق القانون.

كما أن بعض «رجال دافوس» الحقيقيين، ممن يحظون بالاحترام ويُنظر إليهم بوصفهم مستنيرين، آثروا غض الطرف، وتصرفوا وكأن وجود ثري نافذ محاط بمجموعة متجددة من فتيات صغيرات أمر مألوف. ويبدو من المعقول القول إن إبستين، عبر استدعاء هذه الدائرة الاجتماعية الأوسع، استثمر قوة الأعراف والشبكات الاجتماعية لتوفير غطاء يحمي نشاطه.

لعلّ نجاح هذه الاستراتيجية هو ما جعل الخبراء المسؤولين عن التحقيق في الانتهاكات ووقفها يفشلون فشلاً ذريعاً. مع أن لائحة الاتهام التي أصدرتها المحكمة الجزئية الجنوبية لنيويورك ضد إبستين ركزت على الجرائم المزعومة التي ارتُكبت بين عامي 2002 و2005، إلا أن العديد من الدعاوى المدنية زعمت استمرار أنشطته لفترة طويلة بعد ذلك. في غضون ذلك، خلّف المحققون غير الأكفاء وراءهم كمّاً هائلاً من ملايين الوثائق، كثير منها مثير للقلق وبشكل فظيع. وبطريقة غير مسبوقة تاريخياً، بات بإمكان عامة الناس تصفحها بسهولة؛ إذ يمكن للناس عبر الإنترنت التعرّف على صلات إبستين بأصحاب النفوذ والثراء، على مواقع مثل Jmail.world، يمكنهم التفكير ملياً في الأسماء التي تظهر بشكل عابر في مراسلات إبستين الإلكترونية، واتخاذ قراراتهم الخاصة بشأنها. يضجّ الإنترنت بدعوات إلى تحقيق العدالة بكل حزم. في غضون ذلك، في الكونغرس، يقف أشخاص يُعرّفون أنفسهم كضحايا ويشيرون إلى أنهم تواصلوا مع المحققين لكن لم يتم استجوابهم قط. يتهرب المدعي العام للولايات المتحدة وينكر الأمر. ويبدو أن رسائل البريد الإلكتروني بين إبستين والرئيس لم تُنشر بعد.

ما مدى فظاعة الاعتداءات، وكم من «رجال دافوس» كانوا على علم بها، أو حتى شاركوا فيها؟ من كان مجرد صلة اجتماعية أو تجارية، ومن انخرط في سلوك إجرامي، أو على الأقل يستحق الإدانة؟ إحدى الوثائق التي تم تداولها تصف تعذيب طفل صغير على يد مجموعة من الرجال. هل حدث ذلك بالفعل في جزيرة إبستين، أم في منزله أو قصره؟ في نسخة سابقة من أمريكا، كانت هذه الأسئلة ستُحال إلى لجنة مختارة، تُعدّ تقريرًا - نسخة إبستين من لجنة 11 سبتمبر. أما الآن، فقد سُلّمت ببساطة إلى العامة، إلى جانب كميات هائلة من المواد شبه المنقحة التي تغطي عقودًا ومصادر مختلفة. لا شك أن نظرتنا إلى هذه المسائل ستتأثر بافتراضاتنا حول الطبيعة البشرية، وحول السلطة، وحول انتشار جرائم الاعتداء الجنسي المروعة، وحول مصداقية روايات الاعتداء، وغيرها. وبالنظر إلى العقدين الماضيين من الحياة الأمريكية، فمن الإنصاف القول إن حتى من لا يؤمنون بنظريات المؤامرة سيجدون بعض أسوأ السيناريوهات معقولة. في مثل هذه الحالات، يقتضي واجب أخلاقي وضرورة فكرية التمسك بالتفاصيل، والاهتمام بالضحايا تحديدًا، والجرائم الحقيقية، حتى يتسنى تحقيق العدالة بشكل دقيق ومناسب، أي نوع آخر من العدالة. لكن بالنسبة للكثيرين، فإن ما هو معروف يقينًا يتضاءل أمام ما قد يكون متماسكًا. تتناسب أحلك روايات قصة إبستين تمامًا مع أنماط نعتبرها الآن من المسلمات.

إلى أين يقودنا كل هذا؟ مؤخرًا، اصطحبت ابني إلى معسكر تدريبي استعدادًا لموسم دوري البيسبول للصغار. وبينما كان هو والأولاد الآخرون يتدربون على ضرباتهم، وقفتُ بالقرب من مجموعة من الآباء يتحدثون بهدوء عن إبستين. كانوا جميعًا يطلعون على الملفات، واتفقوا بالإجماع على أن العديد من الرجال فاحشي الثراء المقربين من إبستين قد تورطوا في الاعتداءات. لم يختلفوا إلا في مدى اتساع خيالهم. اعتقد أحدهم أن العديد من جرائم القتل قد وقعت في الجزيرة، بما في ذلك قتل فتيات مراهقات وأطفال صغار. وأكد آخر أن إبستين لا يزال على قيد الحياة، ويعيش في إسرائيل، كما أشار، مع تشارلي كيرك. لم أستطع الجزم إن كان جادًا؛ ربما هو نفسه لم يكن متأكدًا. لكن الشعور الكامن وراء كل ذلك كان اشمئزازًا حقيقيًا. قال أحد الآباء، وهو يراقب أطفاله، معلقًا على الفضيحة: «لا أعرف ماذا أفعل حيال هذا. حياتي هنا، وانظروا ماذا يحدث لمن يديرون العالم». من الصعب تخيل اتساع الهوة بين عامة الناس وقادتهم أكثر من ذلك.