على الحافة الأمامية للحرب.. هل تُستجرّ إيران إلى قرص النار؟
تقف المنطقة، ومعها أساطيل أمريكا الزاحفة نحو المتوسط، على الحافة الأمامية لمواجهة عاصفة ثانية، تبدو لو أنها ستشتعل الآن وليس غداً.. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدد بـ"محو" إيران بالكامل عن وجه الأرض، فيما لو حاولت اغتياله، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يخرج عن ضبط النفس، متوعداً: "المواجهة ستكون شرسة، وستجتاح المنطقة برمتها، وسنقاوم بكل ما نملك".
وبين رصد أضرار الرياح العاتية والمنخفضات الجوية، وريح الحرب والعاصفة الهوجاء التي تتهددها، تبدو المنطقة أمام لوحة بالغة التعقيد والتصعيد، توزع نظراتها، عين على الغيوم المشبعة بالأمطار، وأخرى على السحب السوداء التي تظلل سماءها، والثانية دفعتها إلى البدء بالاستعداد لأسوأ الاحتمالات وأكثرها تفجراً.
الحرب تبدو لو أنها غداً، وباتت برسم التفعيل، بعد أن خيّم شبحها بصورة ثلاثية الأبعاد، لتطال غزة وبيروت وطهران في آن، ومع تطاير اللافتات الإعلانية واللواقط الهوائية، بفعل الرياح العاتية، أخذت واشنطن وتل أبيب تطيّر الرسائل الحمراء، لدرجة طغت على "الزائر الأبيض" الذي ضرب المنطقة، التي باتت تترقب طلائع الإعصار.
ونجحت أخبار الحرب ومحاكاة السيناريوهات المحتملة في منافسة عواجل الأرصاد الجوية، وحجز مقعد لها على شاشة عرض تنبؤات التطورات المتسارعة في الإقليم، وبما يمثله من امتداد دولي، وهكذا بدت المنطقة تقف على صعيد تصعيد غير عادي، وأخذ رادارها يرصد تراكم الغيوم السود، قبل أن يهب عليها إعصار النار.
في غزة، تسرح يوميات الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار وتمرح، وتقض مضاجع الغزيين، فيما "بلاد الأرز" المكشوفة بشكل كامل على حروب المنطقة، وهي التي لم تهدأ أو تسترح منذ بدء الحرب على غزة، تسير على حبل مشدود، وتحاذر الوقوع في حقل الألغام، بينما في طهران يحاذرون من آت مجهول معلوم، فشبح الحرب ما يلبث أن يبتعد حتى يقترب من جديد، بكل ما يحمله من أهوال وتهويل بمواجهة طاحنة.
طمأنة وتهديد
في خضم التصريحات الأمريكية وآخرها تلك التي خاطب بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المحتجين الإيرانيين بأن "المساعدة في الطريق" في إشارة واضحة إلى إمكانية تدخل عسكري، تبرز طمأنة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لطهران، بقوله إن إسرائيل غير مهتمة بالتصعيد مع إيران في الوقت الحالي، ولا تنوي مهاجمتها.
لكن نتنياهو عاد للحديث بلغة تفوح منها رائحة التهديد والوعيد، بالقول إن إسرائيل لن تسمح لإيران بإعادة بناء برنامجها الباليستي، ملمحاً إلى اتفاق بهذا الشأن مع الرئيس الأمريكي ترامب، خلال قمة فلوريدا التي جمعتهما أخيراً، وهذا ما تجلى بتصريحات ترامب ورسائله الغامضة إلى طهران، بجعل "إيران عظيمة".
خيوط السيناريوهات المرتقبة تبدو متشابكة ومتداخلة، رقيقة وهشة، تؤثر فيها أدنى التداعيات، فكيف إذا اقترن الأمر بتهديد أمريكي ووعيد بضربة قاسية لطهران؟.
ماذا يقول المراقبون؟
لعل أوضح ما في الموقف الإسرائيلي الأمريكي حيال حرب جديدة في المنطقة، غموضه، إذ وفق مراقبين، فالأجواء السائدة في المنطقة، مريبة، ولا تلغي فرضية الحرب، وإن لم تكشف عن كل أوراقها.
في قطاع غزة، لم تلق حركة حماس سلاحها، وفي بيروت لم يُنزع سلاح حزب الله، وفي طهران لم يتأخر الرد كثيراً، بل جاء التأكيد على لسان المرشد الإيراني علي خامنئي، بأن أي اعتداء على طهران سيقابله رد حاسم، وإزاء ذلك يقرأ مراقبون في هذه المعطيات، بأن الأصابع باتت على الزناد.
فهل هي اللعبة الخديعة، بحيث يُطمئن نتنياهو ويحنث؟ ويتوعد ترامب فيصدق؟.. لكن ما يفيد به العارفون ببواطن الأمور يفسر غير ذلك، فيعتقد الكاتب والمحلل السياسي عبد المجيد سويلم، أن الحديث المتصاعد في وسائل إعلام الكيان الإسرائيلي عن توجه نتنياهو نحو حرب حاسمة، لا يستند إلى معطيات دقيقة، وأن ما يجري يندرج في إطار استراتيجية المناورة الإسرائيلية وإدارة الصراع لا حسمه.
ويرى سويلم أن أي حديث عن تصعيد قادم في غزة أو بيروت يبقى مرتبطاً بالموقف الأمريكي، الذي لم يبد الموافقة بعد، في حين أي استهداف لإيران، وخصوصاً إذا استهدف المرشد الأعلى، سيقابل برد صاعق، ويفوق قدرة إسرائيل على الاحتمال.
ولا يستبعد سويلم أن تقدم واشنطن على خيارات تصعيدية مع إيران، في حال تزامن الضغط الخارجي مع احتدام الاضطرابات الداخلية في طهران، لكنه دائم التحذير من أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر عالية، يبرز في مقدمتها مخاوف تمدد الصراع إلى مجمل الإقليم، في ظل توتر دولي غير مسبوق يقف على حافة مواجهة عالمية.
"إيران ليست أضعف مما كانت عليه، بل تمتلك مؤشرات قوة متزايدة، أكان على مستوى ترسانتها الصاروخية، أو إعادة بناء دفاعاتها الجوية، إضافة إلى الغموض المحيط بتقدم برنامجها النووي" والحديث لا زال لسويلم.
وتلخص الكاتبة والباحثة في الشأن السياسي رهام عودة المشهد، بأن يبقى سلاح حركة حماس ذريعة لاستئناف الحرب على غزة، في حين يبقى احتمال التصعيد قائم في لبنان للحجة ذاتها "نزع سلاح حزب الله" أما فيما يتعلق بالجبهة الإيرانية، فستظل تل أبيب تراقب تطورات الاحتجاجات الشعبية في طهران، وربما تتريث على أمل أن تفضي هذه الاحتجاجات إلى إسقاط النظام، وإذا فشلت وظلت الحكومة الإيرانية، فساعتئذ قد تلجأ إلى ضرب أهداف عسكرية إيرانية، مصحوبة بعمليات اغتيال تطال قادة الحكومة الإيرانية.
صفارات إنذار
وتقرع التطورات المتسارعة، أجراس الإنذار، وتدق صفارات تحذير إضافية، فأي هجوم إسرائيلي أمريكي على إيران، سيشعل حرباً إقليمية، خصوصاً وأن كيان الاحتلال يسعى لتحقيق أهداف عسكرية استراتيجية، تتجاوز حدود غزة وبيروت، وتصل إلى طهران، ومع هذه الاحتمالات ترتسم علامات قلق، ممهورة بعلامات استفهام، فترقص المنطقة فوق برميل بارود، يرجّح الجميع أنه سينفجر، لكن متى؟.
