No Image
العرب والعالم

لبنان على "خرائط النار" الإسرائيليّة حتى إشعار آخر

23 يناير 2026
23 يناير 2026

وسط خرائط النار التي عادت لتتصدّر المشهد اللبناني، والتي لا يمكن قراءتها، وفق تأكيد مصادر سياسية متابعة لـ"عُمان"، إلا كرسالة تصعيد إسرائيليّة عبر إنذارات لا أحد يدري متى يتقرّر إطلاقها مجدّداً، ارتفع منسوب الكلام عن أن التصعيد الإسرائيلي المتدرّج، وبهذه الوتيرة، لم يأتِ من فراغ بل من "ضوء أخضر ما" يضع لبنان في سِباق مع المهل للإنتقال إلى المرحلة الثانية من تنفيذ حصر السلاح شمال نهر الليطاني، معطوفاً على نسف إسرائيل بنية "الميكانيزم" (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار)، لاستبدالها بلجنة ثلاثيّة أمريكية- إسرائيلية- لبنانية، تمهّد للتفاوض المباشر، مع تحييد أيّ دور للأمم المتحدة كمراقب أو كقوّة فصل.

وفيما المستويات السياسية والأمنية والإعلامية في إسرائيل تتابع الحديث عن الاستعداد لحرب مقبلة على الجبهة مع لبنان، فإن أعنف الغارات الجوية وأكثرها رعباً نفذتها إسرائيل، مؤخراً، ضدّ منازل المدنيين في بلدات الكفور وقناريت وجرجوع شمال الليطاني، إذْ تخطّت دائرة الإنذار الحمراء لتطال شظايا صواريخها وقنابلها الثقيلة عن بعد الأطقم الصحافية قبل أن يصدر إنذار جديد باستهداف بلدتَي الخرايب وأنصار. وذلك، في عدوان متجدّد ضمن حرب من طرف واحد، باتت جزءاً من حاضر اللبنانيين، وعلى إيقاعها يسيّرون يوميّاتهم، والتي رست يوميّاتها على استهداف مسؤول عسكري تابع لإحدى التنظيمات الفلسطينية في منطقة بعلبك- البقاع الشمالي.

وفي ظلّ انسداد الأفق، ودخول الأوضاع نفق المجهول، مع إطلاق إسرائيل "رصاصة الرحمة" على لجنة الميكانيزم، فإنّ ثمّة إجماعاً على أن ما يجري يعكس محاذير خطيرة في مسار السِباق بين متاهات التصعيد الميداني والجهود الديبلوماسية المعقّدة والصعبة الذي عاد يتحكم بالوضع بين لبنان وإسرائيل، منذراً باقتراب ما كان يخشاه المراقبون من عدّ عكسي متسارع لنهاية هدنة خاطفة انحسرت خلالها، ولو نسبياً، حمى المناخات التصعيدية. وذلك، وسط التحذيرات اللبنانية من الاتجاه المكشوف إلى إنهاء مفاعيل اتفاق 27 نوفمبر 2024 لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل من خلال إسقاط لجنة مراقبة تنفيذه "الميكانيزم" وإنهاء دورها.

ولكون كلّ الجهات تؤدّي من وإلى الجنوب، وكلّ الحلول تبدأ منه وتنتهي إليه، فإن الوصول الى هذه الحلول دونه مطبّات سياسية وأمنية، يتقاطع فيها انقسام الداخل مع ضغط الخارج، وتبدأ من حصريّة السلاح ولا تنتهي باستعداد لبنان للتفاوض من طرف واحد، بعد إطلاق النار الإسرائيلي على كلّ مبادرة وكلّ حراك ديبلوماسي. ذلك أن تلّ أبيب ترفض التفاوض عبر "المكيانيزم"، ولا يملك لبنان إلا هذه الورقة سبيلاً لحلّ الأزمات الأمنية مع إسرائيل، مع تمسّكه بحقّ عودة الأهالي وإعادة إعمار القرى المدمّرة. وبخلاف ذلك، فإنّ لبنان مستعدّ للأسوأ.. فهل بدأ الأسوأ؟

وقائع.. وخياران

وبين سلاح "التفاوض الأبيض"، وعودة "الدوائر الحمراء" على الخريطة، وبعد العدوان الإسرائيلي الأخير داخل وخارج ضفّتَي نهر الليطاني، والذي تلا تأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن القوى المسلّحة اللبنانية وحدها من تمسك بالزِناد جنوب الليطاني و"الدولة مستمرّة في عملية حصر السلاح"، أشارت مصادر سياسية متابعة لـ"عُمان" الى أن تداعيات التطوّرات الأخيرة، المتّصلة بتصعيد إسرائيل عملياتها في لبنان، لا تبدو قابلة للتبريد الفوري، نظراً للرؤية القاتمة التي تسود المرحلة الحالية، إذْ تتضاعف احتمالات شنّ إسرائيل عملية واسعة في مناطق مختلفة. أما على المقلب الآخر من صورة التهديد الإسرائيلي المستدام، فإنّ ثمّة كلاماً عن أن إسرائيل تضع لبنان بين خيارين: إمّا التوصّل الى اتفاق تحت المظلّة الأمريكية، أو العودة الى القتال. أما من بين الشروط الإسرائيلية القاسية، بحسب قول مصادر عسكرية لـ"عُمان"، ففرض منطقة عازلة على القرى الأمامية بمدى 5 كلم، وإجراء دوريات أمنية مشتركة مع لبنان، أو من خلال التنسيق، ضمن مسافة 10 كلم.

وفيما احتمالات الحرب من عدمها لا تزال هائمة في غموض واسع، تجدر الإشارة الى موقف رئيس الجمهورية بوصفه خياراً واقعياً في مواجهة مأزق مفتوح لا غالب فيه ولا مغلوب، وفق قول أوساط رسمية لـ"عُمان"، وخصوصاً أنه استند في طرحه للتفاوض إلى قناعة ثابتة مفادها أن لا خيار آخر متاح لإنهاء الصراع القائم، إذْ إن الحروب تنتهي عادةً إمّا بانتصار طرف على آخر، وإمّا بالتفاوض حين يتبيّن أن لا أحد قادر على الحسم العسكري. أما إسرائيل، ووفق المصادر نفسها، فلم تبدِ أيّ تجاوب، بل استبقت خطّة الجيش شمال الليطاني وصعّدت عسكرياً وأرسلت رسائل بالنار، للبنان وجيشه، مع رفع سقف شروطها، ولا مؤشرات إيجابية في هذا الشأن حتى الآن.

وفي محصلة المشهد، لا يزال لبنان يعيش حرب استنزاف، دماراً وقتلاً وتهجيراً، من الوريد الجنوبي الى الوريد البقاعي مروراً بقلب العاصمة بيروت، ويخشى حرباً جديدة. أما على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فكلامٌ عن أن إسرائيل دشّنت مرحلة جديدة من التصعيد في منطقة شمال الليطاني، بعد نسف دور "الميكانيزم"، لتكريس واقعٍ مفاده أن القرار لها وحدها، وخصوصاً أن موجة التصعيد تزامنت مع إطلالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من دافوس على الواقع اللبناني، حين أكّد أن "هناك مشكلة مع حزب الله في لبنان، وسنرى ما سيحصل هناك"، وهو ما ربطه البعض بما وُصف بـ"الضوء الأخضر الأمريكي" الذي حصل عليه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، للتعامل مع الساحة اللبنانية كما يشاء.