الأمراض ونقص الدواء يهددان حياة المئات في غزة
د. حكمت المصري
لم تعد أجهزة غسيل الكلى في قطاع غزة تمنح مرضاها أملًا بالحياة، بل أصبحت بالنسبة لكثيرين محطة انتظار طويلة بين جلسة مؤجلة وأخرى ناقصة، في وقت تحذر فيه وزارة الصحة الفلسطينية من كارثة وشيكة بعد نفاد مادة البيكربونات، وهي أحد المكونات الأساسية اللازمة لإجراء جلسات غسيل الكلى، الأمر الذي أدى إلى توقف نحو نصف أجهزة الغسيل، مهددًا حياة أكثر من 650 مريضًا يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة.
داخل أقسام الكلى في مستشفيات غزة، لا يواجه المرضى مرضهم المزمن فقط، بل يواجهون الجوع، والنزوح، وحرارة الصيف، وانقطاع الكهرباء، ونقص الأدوية، وغياب المستلزمات الطبية، وتأجيل العمليات الجراحية، بينما تتراجع فرص النجاة مع كل يوم يمر.
أخشى أن أكون الرقم القادم
على أحد أسرة قسم الكلى في مستشفى شهداء الأقصى، ترقد إكرام علي (43 عامًا)، القادمة من مخيم المغازي، وقد بدت ملامح الإرهاق واضحة على وجهها النحيل. بصوت خافت تقول: "قبل الحرب كنت أغسل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًا، وكل جلسة كانت تستغرق ساعات، لكنها كانت تعطيني فرصة لأعيش. اليوم قد أنتظر أسبوعًا أو أسبوعين حتى يأتي دوري، لأن الأجهزة قليلة، والمحاليل غير متوفرة."
وتضيف، وهي تنظر إلى جهاز الغسيل المجاور لها: "أحيانًا نغسل من دون الفلاتر المطلوبة، وأحيانًا يؤجلون الجلسات بالكامل بسبب نقص المواد. كل يوم أشعر أن السموم تتراكم داخل جسدي أكثر."
ثم تصمت قليلًا قبل أن تتابع، والدموع تملأ عينيها: "عشرات من مرضى الفشل الكلوي توفوا خلال الأشهر الماضية بسبب تدهور أوضاعهم الصحية، وأخشى أن أصبح الرقم التالي. لا أخاف الموت بقدر خوفي أن أموت وأنا أنتظر دوري على جهاز الغسيل."
تعيش إكرام اليوم داخل ظروف نزوح قاسية، وتؤكد أن الحصول على مياه نظيفة أو غذاء مناسب لمرضى الكلى أصبح حلمًا بعيد المنال، بينما أصبح الانتقال إلى المستشفى رحلة شاقة تستنزف ما تبقى من قوتها.
طفلة تواجه خطر فقدان الكليتين
أما الطفلة آيات الأخرس (11 عامًا)، فتعيش معاناة مختلفة بدأت منذ ولادتها.
ولدت آيات بثقب في القلب، خضعت على إثره لعملية جراحية، لكنها لا تزال تعاني من مثانة عصبية وضعف شديد في انقباض المثانة، ما يسبب احتباس البول والتهابات بولية مزمنة، إضافة إلى ارتجاع البول نحو الحالبين والكليتين، الأمر الذي أدى إلى تضرر الكلية اليسرى بصورة خطيرة.
وتقول والدة آيات: "كل زيارة للمستشفى يخبروننا أن العلاج موجود في الخارج، وأن ابنتي تحتاج إلى تقنية تحفيز العصب الظنبوبي الخلفي (PTNS)، لكن هذا العلاج غير متوفر داخل غزة." وتتابع بحرقة: "أخشى أن تستيقظ ابنتي يومًا وقد فقدت كليتيها بالكامل. لا أريد المستحيل، أريد فقط علاجًا يحافظ على طفولتها."
عام كامل في انتظار دعامة للكلى
داخل خيمة نزوح بمنطقة المشاعلة في دير البلح، تعيش أم إياد السيد (53 عامًا) مع ألم لا يفارقها منذ أكثر من عام. تعاني السيدة من انسداد شديد في المسالك البولية يستوجب تركيب دعامات داخل الكلى بشكل عاجل، إلا أن غياب هذه المستلزمات الطبية حال دون إجراء العملية. وتقول: "في كل مرة أذهب إلى المستشفى يخبرونني أن الدعامة غير موجودة، أعود إلى الخيمة وأنا أحمل الألم نفسه."
وتضيف: "كنت أظن أن العملية بسيطة، لكنها تحولت إلى انتظار طويل، ومع كل شهر يزداد الضرر داخل الكلى حتى أصبحت أدخل المستشفى باستمرار، ثم أخبرني الأطباء أنني قد أحتاج إلى غسيل كلى بسبب تأخر العلاج." وتصف حياتها داخل الخيمة قائلة: "الحر لا يطاق، والماء قليل، والألم لا يهدأ، ولا أملك سوى المسكنات التي لم تعد تخفف شيئًا."
طفل ينتظر عملية منذ ثلاث سنوات
أما مالك جمال (9 سنوات)، فيحمل معه ملفًا طبيًا يزداد سُمكًا كل عام، بينما تتأجل عملياته الجراحية مرة بعد أخرى. يعاني الطفل من تشوه خلقي في الكليتين يحتاج إلى سلسلة عمليات جراحية، لكن مستشفى ناصر اضطر إلى تأجيلها مرارًا بسبب نقص المستلزمات الطبية.
وتقول والدته، التي تعيش معه في مخيم نزوح بمواصي خان يونس بعد انفصالها عن زوجها: "كلما جاء موعد العملية يخبرونني أنها أُجلت بسبب عدم توفر الأدوات. ابني يسألني دائمًا: متى سأشفى؟ ولا أجد جوابًا." وتضيف: "أراه يتألم كل ليلة، وأشعر بالعجز لأنني لا أستطيع فعل شيء."
طبيب: "نعيش كارثة حقيقية"
ويؤكد الدكتور رائد المصري، اختصاصي أمراض الكلى والمسالك البولية في مستشفى ناصر، أن الوضع الصحي يتدهور بصورة متسارعة. ويقول: "نفاد مادة البيكربونات، ونقص الفلاتر والمحاليل الطبية، أجبر المستشفيات على تقليص جلسات الغسيل، كما أن توقف نحو 50% من أجهزة الغسيل بسبب نقص المستلزمات يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى."
ويضيف: "هناك مرضى يحتاجون إلى عمليات عاجلة لتركيب دعامات أو إزالة انسدادات أو إصلاح تشوهات خلقية، لكن نقص الأدوات الجراحية يمنعنا من التدخل، فتتدهور حالتهم تدريجيًا حتى يصل بعضهم إلى الفشل الكلوي الكامل."
ويتابع: "نحن لا نخسر المرضى بسبب أمراضهم فقط، بل بسبب عدم توفر أبسط المستلزمات الطبية." وأشار إلى أن عشرات المرضى حصلوا على تحويلات علاجية خارج قطاع غزة، إلا أن تأخر سفرهم يزيد من احتمالية فقدانهم للحياة قبل الوصول إلى المستشفيات المتخصصة.
انهيار العلاج المنقذ للحياة
يؤكد مسؤولون في وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن نفاد مادة البيكربونات يمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار جلسات الغسيل الكلوي، في وقت توقفت فيه نحو نصف أجهزة الغسيل عن العمل بسبب نقص المستلزمات الطبية، الأمر الذي أجبر المستشفيات على تقليص عدد الجلسات ومدتها، وهو ما يعرض المرضى لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
ويحذر أطباء الكلى من أن تقليص جلسات الغسيل يؤدي إلى تراكم السموم والسوائل داخل الجسم، وارتفاع مستوى البوتاسيوم، واضطرابات خطيرة في القلب، وانخفاض فرص النجاة، خصوصًا لدى المرضى الذين يعتمدون كليًا على الغسيل للبقاء على قيد الحياة. أما مدير "مستشفى الشفاء"، الدكتور محمد أبو سلمية، فقد قال في تصريح لوسائل الإعلام: إن نصف مرضى الكلى في غزة توفوا خلال حرب الإبادة.
انتظار قد ينتهي بالموت
في غزة، لم يعد مرضى الكلى ينتظرون الشفاء، بل ينتظرون وصول شحنة أدوية، أو فلتر غسيل، أو دعامة جراحية، أو حتى دورًا على جهاز يعمل لساعات قليلة. وبين أزيز أجهزة الغسيل وصمت غرف الانتظار، تتكرر الحكايات نفسها؛ أطفال يخشون فقدان حياتهم قبل أن يكبروا، وأمهات ينتظرن عملية قد لا تأتي، ومرضى يقيسون أعمارهم بعدد الجلسات التي تمكنوا من الحصول عليها.
ومع استمرار نقص المستلزمات الطبية، وتحذيرات الأطباء من انهيار خدمات غسيل الكلى، يبقى مئات المرضى في قطاع غزة أمام معركة يومية مع المرض والحصار، حيث أصبح الوصول إلى العلاج المنقذ للحياة معركة لا تقل قسوة عن المرض نفسه.
