No Image
العرب والعالم

جنوب لبنان .. وحكاية «تلّة» لم تتلّون بألوان الاحتلال!

19 يوليو 2026
19 يوليو 2026

بيروت - وفاء عواد: قيل عنها إنها واحدة من أبرز العقد الاستراتيجية في جنوب لبنان، والعصب الطبوغرافي الحاكم لجنوب نهر الليطاني وشماله، و«مفتاح النار» المطلّ على منطقتَي النبطية وإقليم التفاح، و«مقبرة الغزاة» على مرّ التاريخ، وصُنّفت منذ عقود كواحدة من أهمّ المرتفعات الحاكمة جنوبًا.. «علي الطاهر». وفي الأسماء تكمن حكاية تلّة تقع على ارتفاع يقارب الـ600 متر عن سطح البحر، ويكاد يجزم كثيرون أنها البقعة الجغرافية الأكثر تعرّضًا للقصف على كوكب الأرض!.

تلّة اكتسبت أهمّيتها من موقعها الجغرافي الفاصل بين جنوب نهر الليطاني وشماله، ما يتيح لقاصدها أن يكشف، بصريًا وناريًا، مساحات واسعة من جنوب لبنان وصولًا إلى مناطق قريبة من الحدود مع فلسطين المحتلّة. أمّا تسميتها، فتعود إلى اسم رجل يُعتقد أنه من الأولياء الصالحين عند فئة من المسلمين، «الوليّ الصالح علي الطاهر»، الذي يحمل المقام التاريخي الموجود على قمّتها اسمه، إذ تروي الروايات المحلية أنه دُفن فيه بعد دفاعه عن الأرض في مواجهة الغزاة.

وما بين مضامين موقعها وتسميتها، تحوّلت هذه التلّة مع مرور الزمن من معلم ديني وتراثي إلى نقطة عسكرية مركزية في مختلف الحروب التي شهدها جنوب لبنان، ومنها الحرب الأخيرة التي اندلعت في 2 مارس الفائت، ولا تزال مستمرة تحت ظلال «وقف نار» مطوّق بالنار من حين إلى آخر.

تلّة كانت بالأمس البعيد مقصدًا لأهالي القرى والبلدات المجاورة في مواسم الزيارات الدينية، التي توقفت لاحقًا بفعل القنابل العنقودية الإسرائيلية. وبين عامَي 1982 و2000، بدّل الاحتلال الإسرائيلي معالم مقامها وغيّر ملامحها التاريخية، فيما كانت مسرحًا لعمليات المقاومة ضدّه، ولا سيّما من «تلّة الدبشة» المقابلة. أمّا بعد التحرير عام 2000، فعاد إليها الجنوبيّون وشيّدوا مساكنهم بمحاذاتها، لتصبح جزءًا من حياتهم اليومية، فيما كان نهر الليطاني جزءًا من أيامهم العادية، كانوا يمشون إليه يوميًا تقريبًا، ويشربون من مياهه، ويتعاملون معه بوصفه جزءًا من الحياة التي يعيشونها، وإن وسط «الاستهدافات الإسرائيلية المتكرّرة، والأهداف الغامضة»، حسب تعبير الرجل السبعيني «أبو عماد»، الذي يملك منزلًا مطلًا على «علي الطاهر»، ولا يزال نازحًا في إحدى القرى البقاعية، وهو الذي عاش معظم حياته داخل الحروب. ومن ذاكرته الملأى بالتفاصيل، يضحك أبو عماد قليلًا وهو يتذكر كيف كانوا يشعرون أنّ التلّة كبيرة جدًا، ثم يفسّر ذلك بنفسه: «يمكن لأنّو خيالنا كان صغير، كانت التلّة بالنسبة إلنا هي العالم». ومن ثم، يتذكر أيضًا شعورًا يقول إنه اختفى لاحقًا: الأمان. أمّا حين يُسأل عن فلسطين، فتجده يتحدث عنها كشيء منه وفيه. ذلك أن «العلاقة مع فلسطين جزء من تاريخ الجنوب نفسه»، فـ«جبل عامل الذي تنتمي إليه تلّة علي الطاهر قاوم إسرائيل أيضًا».

ونافيًا معرفته إنْ كانت الاستهدافات المتكرّرة لهذه التلّة، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، قد طالت موقعًا كان يستخدمه «حزب الله» في تلك البقعة المحسوبة أمنيًا عليه، كما يُحكى، فإن كلّ ما يعرفه هو أن إسرائيل نفسها تتبنّى في كلّ مرّة رواية مختلفة. تارةً تتحدث عن مركز للتحكم والسيطرة، وتارةً عن مخازن أسلحة وذخيرة، وتارةً عن أنفاق مجهّزة بغرف قيادة ومستودعات أسلحة ضخمة ومستشفيات ميدانية كانت معدّة كممرّات عبور نحو الشمال، على حد تعبيره.

مفتاح النار

واستكمالًا، فإن الاشتباكات المتفرّقة التي سُجّلت من حين إلى آخر بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله» قرب منطقة النبطية دلّت، بحسب قول مصادر عسكرية لـ«عُمان»، على إصرار إسرائيل على احتلال مرتفعات «علي الطاهر»، باعتبارها هدفًا دائمًا لها، الأمر الذي لم يتحقّق حتى تاريخه. ذلك أن الاندفاعة الإسرائيلية نحو هذه المرتفعات، وإنْ بدت محاولة لفرض واقع «الهيمنة على القمم»، إلا أنها، وبحسب المصادر نفسها، لم تقف عند حدود قضم «مفتاح النار» المطلّ على منطقتَي النبطية وإقليم التفاح، ولكنّها انطلقت من هواجس استخباراتية زعمت وجود بنية صاروخية نوعية تحت هذه المرتفعات، سعت إسرائيل لتقويضها قبل انسحابها من المكان.

ووسط تساؤلات عما جرى ميدانيًا على الأرض، رأى الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد بسام ياسين أن القصف العنيف الذي تعرّضت له منطقة النبطية «أوحى بأننا على أبواب عملية استكمال اجتياح تلّة علي الطاهر، وربّما تطويق مدينة النبطية، أو محاولة تطويقها»، مع إشارته إلى الحركة من جهة بلدتَي ميفدون وشوكين التي «أثارت الريبة»، إذ من هناك يتمّ التوجّه باتجاه «نادي الشقيف»، وهي تلّة في قلب النبطية. فـ«إذا كان العدو في مرتفعات علي الطاهر والشقيف، الواقعة شمالي منحنى مجرى نهر الليطاني، والأقرب إلى الحدود مع إسرائيل، فحينها تُعتبر مدينة النبطية بأكملها في وضع الساقطة»، يقول ياسين لـ»عُمان»، مع إشارته إلى أن أهمية «علي الطاهر» تنبع من موقعها الذي يجعلها عقدة مواصلات وتحكّم رئيسية بين الساحل والداخل، وبين النبطية وإقليم التفاح والريحان والبقاع الغربي، ما يمنح المسيطر عليها قدرة واسعة على المراقبة والرصد واستهداف التحرّكات العسكرية في محيط واسع.

وقائع.. وأسئلة مشروعة

وفي المحصلة، فإن إسرائيل لا تزال تسيطر بالنار والاستطلاع على محيط التلّة، فيما تتمركز بعض آلياتها العسكرية في نقاط قريبة، من دون أن تكون قد فرضت احتلالًا بريًا مباشرًا للموقع. ومن هنا، وبحسب ياسين، فإن إسرائيل لا تريد التوقف عند حدود التلّة، بل في حال تمكّنت من السيطرة عليها، فهي حتمًا تريد التوسّع أكثر باتجاه مناطق أكثر أهمية عسكريًا، وهي جبل الريحان وإقليم التفاح، وهذا ما يعني العودة إلى السيناريو الأساسي للحرب الإسرائيلية، وهو احتلال الشريط الأمني الذي كان قائمًا قبل العام 2000.

أمّا على المقلب الآخر من الصورة، وتحديدًا في الرواية الإسرائيلية، فتعزّزت أهمية التلّة مع ما نقلته إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر عسكرية قولها إن «القوات المنتشرة في المنطقة تلقّت تعليمات بوقف إطلاق النار، من دون الانسحاب من محيط علي الطاهر»، ما أثار تساؤلات بشأن دوافع تلّ أبيب بهذا الصدد. ذلك أن الهدف الأول الذي روّجت له إسرائيل هو هدف استراتيجي، بادّعائها أن السيطرة على المرتفعات «ضرورة عسكرية»، مرورًا بالهدف الثاني الذي يكمن فيما أشارت إليه وسائل إعلام إسرائيلية، بقولها إن الجيش الإسرائيلي يريد الوصول إلى منشأة «استراتيجية» ومحصّنة في باطن الجبل من أجل تدميرها، ووصولًا إلى الهدف الثالث المتمثل ربما بخلق «صورة نصر» من داخل النفق، لجعل احتلال المرتفعات ورقة مقايضة في المفاوضات مع الحكومة اللبنانية من جهة، ولإبقاء ساحة لبنان الورقة الوحيدة التي يستخدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كمدخل لإفشال الاتفاق الأمريكي - الإيراني. وعليه، ووفق القراءات السياسية، بدت معركة «علي الطاهر» أكبر من مجرد مواجهة حول تلّة أو مرتفعات. كانت معركة على واحدة من أبرز العقد الاستراتيجية في جنوب لبنان، إذ تمنح السيطرة عليها قدرة واسعة على الرصد والتحكم بالمناطق المحيطة، وتؤثر بشكل مباشر في حركة القوات وانتشارها، وفي الحسابات العسكرية للطرفين. ولذلك، فإن تمسّك إسرائيل بمحاولة السيطرة عليها، مقابل الاستماتة التي أبداها «حزب الله» دفاعًا عنها، عكسا إدراك الطرفين أن من يسيطر عليها يملك أفضلية تتجاوز حدود التلّة نفسها إلى مجمل المشهد العسكري في الجنوب.

في أيّ حال، لم تعد تلّة علي الطاهر مجرد مرتفع جغرافي في جنوب لبنان، بل تحوّلت، وخصوصًا خلال الحرب الأخيرة، إلى إحدى أكثر النقاط حضورًا في النقاشات العسكرية والسياسية. ففي الحسابات الإسرائيلية، هي إحدى «العُقد» التي ينبغي معالجتها ضمن أيّ ترتيبات أمنية شمال نهر الليطاني. أمّا في حسابات «حزب الله»، فهي بمثابة عنوان يتجاوز أهميتها العسكرية المباشرة، ليطال مستقبل قواعد الاشتباك وحدود تطبيق القرار 1701 ومبدأ حصرية السلاح، وبالتالي يضعها ضمن منظومة المواقع التي تحمل أبعادًا رمزية وعسكرية وسياسية في آن واحد.

وما بين مضامين الحسابات المتناقضة، فإن ثمّة حديثًا عن احتمال تسليمها إلى الجيش اللبناني، باعتبار ذلك خطوة يمكن أن تُسقط الذريعة الإسرائيلية المتعلقة بحصرية السلاح، مع ما يعنيه الأمر من أبعاد تتجاوز السيطرة على موقع جغرافي إلى رسم معالم المرحلة التي ستلي الحرب. فهل يصمد وقف النار فعلًا هذه المرّة، أم تحاول إسرائيل مجددًا الوصول إلى «علي الطاهر»، فتستخدم «ورقة النصر» هذه على طاولة مسار مفاوضاتها المباشرة مع لبنان؟ وماذا لو فشلت مجددًا تحت ضربات «حزب الله»، فهل يحمل الحزب الورقة نفسها في المباحثات الجارية على أكثر من صعيد؟ وبالتالي، لمن ستكون الكلمة الفصل في السباق المحموم بين التصعيد العسكري والجهود الدبلوماسية: لمسار الطاولات التفاوضية المتعددة، وآخرها حاليًا «طاولة روما»، أم لمسار مرتفع علي الطاهر الجنوبي؟