No Image
العرب والعالم

الخيمة ليست بيتًا.. نساء غزة يحملن الحياة فوق أكتافهن رغم الحرب والنزوح

19 يوليو 2026
19 يوليو 2026

غزة - د.حكمت المصري: في غزة، لم تعد الخيمة ملاذًا مؤقتًا من القصف، بل تحولت إلى عنوان دائم لمعاناة لا تنتهي. قطعة قماش مهترئة تفصل الإنسان عن السماء، لكنها لا تقيه حرَّ الصيف اللاهب، ولا تمنع عنه برد الشتاء، ولا تحجب روائح النفايات ومياه الصرف الصحي، ولا تحفظ خصوصية النساء اللواتي فقدن بيوتهن وأمانهن وكل تفاصيل حياتهن السابقة. داخل مخيمات النزوح الممتدة من مواصي خانيونس إلى الزوايدة ودير البلح، تتشابه الخيام، لكن الحكايات تختلف، ويجمعها وجع واحد. فكل خيمة تخفي وراء جدرانها القماشية أمًا تقاوم، أو أرملة تكافح، أو مسنة أنهكها المرض، أو مريضة تنتظر علاجًا قد لا يأتي. ومع كل صباح، تبدأ آلاف النساء رحلة جديدة من الصراع. صراع مع الجوع، والعطش، والمرض، والحر الشديد، والخوف، وانعدام الخصوصية، بينما يتحول الحصول على المياه أو الطعام أو الدواء إلى معركة يومية تستنزف ما تبقى من طاقتهن. داخل هذه الخيام لا تنتهي المسؤوليات عند إعداد الطعام أو غسل الملابس، بل تمتد إلى رعاية المرضى، والبحث عن الأدوية، وحماية الأطفال من الحشرات والقوارض، ومحاولة إقناعهم بأن الغد سيكون أفضل، رغم أن كل المؤشرات تقول العكس.

أمومة تقاوم العجز

في أحد مخيمات النزوح في مواصي خانيونس، تجلس أم يحيى صادق (43 عامًا) إلى جوار أطفالها الأربعة، بينما يلف الصمت خيمتها الصغيرة إلا من أنين طفلين يعانيان شللًا دماغيًا كاملًا، وثالث أقعده المرض عن الحركة. تبدأ يومها قبل شروق الشمس. ترفع طفلها الأول بين ذراعيها بصعوبة، ثم تنتقل إلى الآخر لتغيير ملابسه بما توفر من ماء، وهي تدرك أن الكمية الموجودة في العبوة البلاستيكية يجب أن تكفي للشرب والطهي والتنظيف حتى نهاية اليوم. وتقول، وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها: «أحيانًا أقف أمام أطفالي ولا أعرف ماذا أفعل، أسمع بكاءهم ولا أملك دواءً يخفف وجعهم، ولا أملك حتى الماء الكافي لتنظيفهم، أشعر أنني أخسرهم ببطء أمام عيني، بينما أقف عاجزة». تتنهد طويلًا قبل أن تضيف: «قبل الحرب كانوا يتلقون جلسات علاج طبيعي باستمرار، وكانت لديهم كراسٍ خاصة وأدوية وأطباء يتابعون حالتهم. اليوم لا أعرف متى كانت آخر جلسة علاج، ولا متى نام أحدهم ليلة كاملة دون ألم أو تشنج». وتشير إلى الذباب الذي يحط على وجوه أطفالها باستمرار قائلة: «أظل ساعات أطرد الذباب عن وجوههم، في الليل أقاتل البعوض، وأراقب القوارض وهي تتحرك بين الأغطية، أخاف أن تعض أحدهم وهو لا يستطيع حتى أن يصرخ أو يدافع عن نفسه». ثم تصمت قليلًا قبل أن تقول بصوت يكاد لا يُسمع: «لا أبكي لأنني متعبة، أبكي لأنني لا أستطيع أن أكون الأم التي يحتاجها أطفالي، كل ما أريده هو دواء، وحفاظات، وطعام يناسب حالتهم، ومكان يحفظ كرامتهم».

الشيخوخة حين

تصبح المساعدة أمنية

غير بعيد عن خيمة أم يحيى، تعيش أم أحمد سليم (56 عامًا) مع زوجها الذي أنهكته الأمراض المزمنة والسنوات الطويلة، لا أبناء يعيلونهما، ولا دخل ثابت، ولا قدرة على الوقوف لساعات طويلة في طوابير المياه والطعام. يجلس زوجها كل صباح أمام الخيمة مترقبًا مرور أحد الجيران أو المتطوعين، لعل أحدهم يمنحه زجاجة ماء أو رغيف خبز. أما أم أحمد فتقول: «أكثر ما يؤلمني ليس المرض، بل الشعور بأنني أصبحت عاجزة، طوال حياتي كنت أساعد الناس، واليوم أنتظر من يساعدني.»

وتضيف وهي تخفض رأسها: «حين أطرق باب خيمة لأطلب قليلًا من الماء أو الطعام، أشعر وكأن الكلمات تثقل لساني. أعتذر قبل أن أطلب شيئًا، لأنني أخجل من احتياجات فرضها المرض والعمر». وتتحدث عن زوجها قائلة: «يعاني السكري وارتفاع الضغط، وأنا أيضًا أحتاج إلى أدوية للقلب والمفاصل. أحيانًا تمر أسابيع كاملة دون أن نجد العلاج. نكتفي بالدعاء، ونقول لعل الغد يحمل لنا ما عجز عنه اليوم». وتتابع: «لسنا بحاجة إلى الكثير، فقط نريد أن نعيش ما تبقى من أعمارنا بكرامة، دون أن نخاف كل يوم من الجوع أو المرض».

أرملة تصنع

الخبز وتصنع الأمل

في مخيم للأيتام بمنطقة الزوايدة، تستيقظ مريم حجاج (25 عامًا) قبل أطفالها الخمسة، استشهد زوجها، وترك لها مسؤولية أسرة كاملة، لم تسمح للحزن أن يهزمها، فجمعت الطين، وصنعت فرنًا صغيرًا، وأصبحت تخبز الأرغفة وتبيعها داخل المخيم. تقول وهي تضع الأرغفة فوق قطعة قماش نظيفة: «في البداية لم أعرف كيف سأعيش، كنت أخاف من الغد أكثر من خوفي من الحرب. لكنني قلت لنفسي إن أطفالي لا ذنب لهم، ويجب أن أجد أي وسيلة لأطعمهم». وتضيف: «أجمع الحطب وبقايا الأخشاب من كل مكان، وأقف ساعات أمام النار والدخان. أحيانًا تدمع عيناي من شدة الدخان، لكنني أكمل لأنني أعرف أن أطفالي ينتظرون رغيفًا يسد جوعهم». وتبتسم وهي تنظر إلى أطفالها ثم تقول: «حين يبيع أطفالي الخبز أشعر بالفخر والحزن معًا. الفخر لأنهم يساعدونني، والحزن لأن مكانهم الحقيقي يجب أن يكون في المدرسة، لا في سوق المخيم». وتتابع: «أحلم أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة، وأن يحملوا دفاتر بدلًا من أكياس الخبز. أخاف أن يكبروا وهم يعتقدون أن الخيمة هي الوطن، وأن الانتظار هو شكل الحياة الطبيعي».

السرطان لا ينتظر

انتهاء الحرب

في خيمة أخرى، تجلس غادة محمود (44 عامًا)، النازحة من شرق مدينة غزة، تحاول أن تخفي ألمها بابتسامة هادئة. كانت تتلقى علاجًا منتظمًا لمرض السرطان، لكن الحرب أوقفت كل شيء. تقول: «كنت أعرف مواعيد علاجي بدقة، أما اليوم فأعد الأيام التي مرت دون دواء». وتضيف: «لا أخاف الموت بقدر خوفي على أطفالي. أخاف أن يفتحوا أعينهم يومًا فلا يجدوني». ثم تنظر إلى سقف الخيمة وتتابع: «كل صباح أرتب الخيمة، وأعد الطعام إن وجد، وأبتسم أمام أطفالي وكأنني بخير. لا أريدهم أن يشعروا بأن المرض ينتصر علي». وتقول بصوت متماسك: «أعرف أن السرطان لا ينتظر، وأن التأخير في العلاج يعني تدهور حالتي، لكنني ما زلت أؤمن أن الله لن يخذلنا، وأن هذه الحرب لا بد أن تنتهي».

معاناة تتجاوز حدود الاحتمال

لا تختلف تفاصيل الحياة كثيرًا بين خيمة وأخرى. المياه شحيحة، ما يجبر النساء على المفاضلة بين الشرب والنظافة الشخصية وغسل الملابس. وتتكدس النفايات بين الخيام، بينما تنتشر الحشرات والقوارض بصورة غير مسبوقة، في ظل تراجع خدمات جمع النفايات وتضرر شبكات الصرف الصحي، لتتحول بيئة النزوح إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال وكبار السن والمرضى. وتحذر منظمات الأمم المتحدة مرارًا من أن نقص المياه النظيفة، وتدهور خدمات الصرف الصحي، وارتفاع درجات الحرارة، وانتشار الآفات، كلها عوامل تضاعف خطر تفشي الأمراض المعدية داخل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار واسع ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

رغم هذا الواقع القاسي، ما تزال النساء في غزة يقفن في الصف الأول للحياة. هن الأمهات، والممرضات، والمعيلات، وربات البيوت، ومقدمات الرعاية، وحارسات ما تبقى من تفاصيل الأسرة. يبدأن نهارهن قبل الجميع، وينهينه بعد الجميع، ويخفين دموعهن حتى لا يراها أطفالهن. وراء كل خيمة امرأة تحمل قصة لا تختصرها نشرات الأخبار، ولا تعكسها الأرقام والإحصاءات.

والخيمة ليست بيتًا، بل هي مساحة ضيقة تختبر فيها النساء معنى الصبر كل يوم، وتحاول كل واحدة منهن أن تحافظ على ما تبقى من كرامة أسرتها، رغم الجوع والخوف والمرض والنزوح. في غزة، لا تحمل النساء أعباء النزوح وحدها، بل يحملن الحياة نفسها فوق أكتافهن، ويتمسكن بالأمل، رغم أن كل شيء من حولهن يدعو إلى اليأس.