No Image
إشراقات

فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

23 أبريل 2026
23 أبريل 2026

امرأة تملك ذهبًا وحال عليه الحول الآن، وهو بالغ النصاب، واشتركت مع زوجها في جمعية، وقُسمت الجمعية نصفًا لها ونصفًا له، هل يدخل نصفها في زكاتها؟

نعم، تدخل نصيبها، سواء كان النصف أو غير ذلك، تدخل نصيبها مع أموالها التي حال عليها الحول، بما أنها قد أخذت نصيبها قبل حولان الحول، ما لم تنفق هذه الأموال في جهة من الجهات، فإن عليها أن تزكيها، لأنها مالكة لهذا المال، ونصيبها معلوم، نصيبها من أموال هذه الجمعية التي وصلتها معلوم محدد، فإن ذلك في ملكها، وملكها ملك تام لهذه الأموال، فتزكيها مع زكاة أموالها في حولها، أي في حول المرأة نفسها إن كان لها مال مزكى من قبل.

وهنا توضيح، رغم أنه تكرر في مناسبات عديدة، لكن لا يزال الناس يسألون عنه، فهذا التوضيح يتعلق بما يعرف بالمال المستفاد، ويقصد به المال الزائد الذي يأتي، ولا يحول عليه الحول، يأتي أثناء الحول، ولما يحل عليه الحول.

فرجل أو امرأة عندهم حول يزكون فيه، وقبل نهاية هذا الحول دخلت عليهم أموال بشهر، بشهرين، بثلاثة، بأربعة، فالبعض يظن بأن هذا القدر من المال يجب أن يحول عليه حول حتى يزكى، هذا قول موجود لكنه ضعيف، وليست عليه الفتوى، وفيه مشقة لا ينتبه لها الناس.

لأن هذا يعني أنه كلما جاء، وصل عندهم قدر النصاب من هذه الأموال التي تضاف إلى رصيدهم، فإنهم يضعون له تاريخًا هجريًا لأجل حساب حوله، فيظلون هكذا طيلة العام وهم يزكون كلما جاءت دفعة، فإنهم يضبطون لها حولًا ويخرجون زكاتها عند تمام الحول.

وهكذا، لا، هذه الأموال المستفادة، هذه الأموال الإضافية التي تأتي إلى ما حال عليه الحول من النصاب، يعني يشترط حولان الحول على النصاب، فأما ما يأتي فوق النصاب، ولو كان أضعافًا مضاعفة، فإن حوله من حول ذلك النصاب، ويزكى معه.

فما دامت هذه الأموال تأتي قبل حولان الحول، فإنها تزكى مع حول المزكي الذي حال على نصابه وهو في ملكه، والله تعالى أعلم.

ما معنى عبارة «القرآن حمّال أوجه»، وهل يسوغ تفسير القرآن تفسيرات تخصصية إضافة إلى الفقهية والعقائدية كالتفسير الاقتصادي والتربوي والاجتماعي والسياسي، كل باختصاصه؟

هذه المقولة تُنسب إلى الإمام علي -كرم الله وجهه- ولكن لم أجد لها ذكرًا في شيء من المصادر المعتبرة، ولم أجد أحدًا من المفسرين استأنس بها أو ذكرها أو اقتبسها أو استشهد بها، ولم أجد أحدًا ممن اطلعت عليهم ممن كتب في علوم القرآن ذكر هذه المقولة أو أشار إليها من قريب أو من بعيد.

فبناءً على كون المقولة هي مما وضعه الناس، فالأصل أن يُطالب قائلها أو مستعملها بتفسير لها، ثم يُنظر بعد ذلك في تفسيرها ومدى اتفاقه أو اختلافه مع القواعد المرعية والأصول التي يُعوّل عليها في تفسير كلام الله عز وجل.

ذلك أن العبارة مهمة، وغالب من يستعملها إنما يريد بها إضفاء سيولة في معاني كتاب الله عز وجل، وغالب من يستعملها من المعاصرين يستعملونها في سياق نزع هيمنة القرآن الكريم وزعزعة مرجعيته ومركزيته في تشكيل البناء الإسلامي، فيستعملونها لأجل إضفاء معانٍ متعددة حيث لا تحتمل.

لا يحتمل السياق والتركيب القرآني وجود معانٍ لا اللغة تسعف على ذلك، ولا سياق الآية الكريمة، ولا النظائر في كتاب الله عز وجل، ولا مقاصد القرآن الكريم يمكن أن تعين على تلك الوجوه التي يشير إليها، فهناك محاذير في صدارتها ما أشرت إليه من تسييل المعنى، وعدم وجود معنى واضح محدد محكم في كتاب الله عز وجل.

والمحذور الثاني، هو نزع هيمنة القرآن الكريم، نزع مرجعية القرآن الكريم ومصدريته، بحيث يكون فضفاضًا، ليس هناك فهم صحيح ولا تفسير واحد يمكن أن يُحتكم إليه، وفي هذا تعطيل لمرجعية القرآن الكريم نفسه، وهذا أمر بالغ الخطورة.

فهناك قواعد تحكم النظر في كتاب الله عز وجل، وتحكم التعامل مع آياته تفسيرًا وتدبرًا واستنباطًا. هذه القواعد تقوم أول ما تقوم على كون كتاب الله عز وجل أنزل، كما قال ربنا جل وعلا، بلسان عربي مبين.

وتقوم بعد ذلك على ما يتصل بكون القرآن الكريم مشتملًا على آيات محكمات وآيات متشابهة، وحيث وجد المتشابه فإنه يُرد إلى المحكم من الكتاب العزيز نفسه.

ويستند أيضًا إلى قواعد، هذه القواعد هي القواعد الأصولية، وقواعد اللغة، وأسباب النزول، وعلوم القرآن الكريم، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة ضوابط أصول الفقه، والمصطلحات التي يستعملها المفسرون، فكل ذلك هو الذي يحكم تفسير كلام الله عز وجل، والنظر فيه بالاستنباطات والنتائج.

أما أن يُجعل كلامًا فضفاضًا، وأن يُؤتى بوجوه بعيدة متعذرة لا يحتملها السياق ولا تقبلها اللغة، وتُطرح سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا من العبث الذي لا يصح في كتاب الله عز وجل، ولذلك يجب الحذر في التعامل مع مثل هذه المقولات.

إن كان هناك ما يتصل بقواعد اللغة التي تسمح بوجود تأويل قد يكون تأويلًا قريبًا وتأويلًا بعيدًا وتأويلًا مقبولًا، فهذا مما يحتمل وجوهًا، لكن هذا لا نجده في كتاب الله عز وجل إلا في مواضع.

ربنا جل وعلا يقول: « وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ»، هل القروء بمعنى الحيض أو بمعنى الأطهار هنا يحتمل وجوهًا.

ورأينا في مواضع كثيرة أنه حتى في حروف المعاني التي ترد في آيات الكتاب العزيز، قد يتسع المعنى، أي يتسع معنى الآية الكريمة ويتكامل مع سائر المعاني ولا يناقضها، ومع سائر القراءات المتواترة ولا يناقضها أيضًا بوجوه متعددة من معاني تلك الحروف.

وهذا له أمثلة كثيرة، ولعلنا تعرضنا في مناسبات عديدة لأمثلة منها، فلسنا بحاجة إلى الترجيح؛ لأن تلك الوجوه متكاملة، وهي كلها صحيحة يشهد لها السياق بالصحة، والتركيب اللغوي يشهد لها، وقواعد اللغة تشهد لها، ولا تعارض شيئًا من الأصول التفسيرية.

فبهذا المعنى، نعم، يمكن أن نقول إن الآية الكريمة تحتمل وجوهًا، وهذه الوجوه مقبولة حسنة صالحة في هذا السياق.

أما أن يوصف كلام الله عز وجل، أن يوصف القرآن الكريم بأنه حمّال وجوه، فهذه العبارة مهمة.

يعني لنأخذ سورة الإخلاص على سبيل المثال: « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، ما هي هذه الوجوه التي يحملها القرآن الكريم؟ « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، ما هي الوجوه؟ « وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ»، « إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ».

ولو أردنا مثالًا من الأحكام الشرعية التي يأتي بعض المعاصرين اليوم ويوهمون الناس أنها تحتمل وجوهًا، إذا بها تناقض كل القواعد من قواعد اللغة نحوًا وصرفًا وبلاغة وبيانًا، وتناقض قواعد التفسير.

من مثل قوله تبارك وتعالى: « وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»، جزء من آية كريمة قليلة الألفاظ، لكن فيها من المؤكدات اللغوية ما لا مزيد عليه، لا يعرفها إلا من يحسن العربية بقواعدها، بنحوها وصرفها وتراكيبها وبلاغتها.

فلا يأتي أحد ويقول هذه الآية تحتمل وجوهًا، أي وجوه تحتمل؟ الآية واضحة، يعني أكمل ما يمكن أن تؤدي من معنى مستنبط منها، وهو لزوم الحجاب في النساء المسلمات، وأن يسترن به رؤوسهن ثم يدلينه على نحورهن وصدورهن.

أُكّد بمؤكدات لفظية لا مزيد عليها: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، فلا تحتمل وجوهًا، وهكذا سائر... ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾، يأتي أحد ويزعم دعوى المساكنة، والله تبارك وتعالى يأمر في هذه الآية، كما في مواضع أخرى من كتاب الله عز وجل، بحفظ الفروج وبمنع قربان الفواحش.

فهذه المقولات، هذه بعض أمثلة، جاءت هكذا لأجل التحذير من الانجراف وراء مثل هذه المقولات دون تمحيص، بقي ما أشار إليه السائل، وأعتذر عن الإطالة، التفسير التخصصي.

يعني التفسير التخصصي، هل هو تفسير أو هي وجوه؟ فممكن، أن يأخذ الاقتصادي من كتاب الله عز وجل ما يستشهد به في علم الاقتصاد، وكذلك في مجالات التربية.

يأتي أيضًا المتخصص في التربية، فيجد ملاحظ ونكات لا يجدها غيره، لا ينتبه إليها، فيظهرها للناس، فيوظف علومه وملكاته في استنباط معانٍ يحتملها السياق، وتتقبلها القواعد، ولا تتناقض مع ما هو أوثق منها، فبهذا يتكامل تفسير كلام الله عز وجل، وكل يأخذ منه ما يجد فيه بغيته بناءً على هذه القواعد والأصول.

لكن لم أرَ من سمى مثل هذه الاستنباطات أنها تفسير اقتصادي للقرآن الكريم أو تفسير سياسي، لا، هي قد تكون لفتات، ومضات، قد تكون أحكامًا، قد تكون عبرًا وعظات أو دروسًا تؤخذ من مواضع، لأن القرآن الكريم كتاب هداية.

ولا ريب أن هذه مجالات الحياة المختلفة سنجد فيها هدايات كثيرة من كلام الله عز وجل في كتابه الكريم، ينفع الناس في مختلف الشؤون والمجالات.

ليس من قبيل الإسقاط المعرفي ولا الإسقاط التاريخي، حتى لأن هناك من يبرر ما توصل إليه من معرفة اقتبسها من الغربيين مثلًا، يبررها بآية قرآن، يحاول أن يلبسها لبوسًا من كتاب الله عز وجل، والمشكلة أنها قد لا تكون، أي تلك النظرية التي يؤمن بها أو ذلك الطرح، قد لا يكون ثابتًا، قد يكون مجرد تكسب بالمال وسطحية.

لا تخفى على عاقل راسخ في العلم، وكذلك أيضًا لا يصح أن يحمل كلام الله عز وجل ما لا يحتمل، فيكون هناك تكلف في التحميل، ورأينا هذا كثيرًا حتى فيما يتعلق بالإعجاز العلمي على سبيل المثال، أنه في كثير من الأحيان، للأسف الشديد، يبالغ بعض الناس، فيحملون الآيات ما لا تحتمل.

يكون قوله مخالفًا لقواعد اللغة وللقواعد التفسيرية، وأحيانًا يزعمون أنهم يأتون بعلوم، هي لا، ليس يعني... لا صحة لما يدعونه، يعني من نحو مثلًا علم الاشتقاق.

الاشتقاق علم عربي موجود في علوم العربية، وله قواعده في الصرف، بل حتى في النحو، وفي معاني النحو، فأنت لا تبتدع علمًا جديدًا لتحاكم به كلام الله عز وجل.

بل ترجع إلى هذه العلوم، وبما أقرته من قواعد ومن أصول ومن مبادئ ومن ضوابط، فلا شك أن هناك خلافًا، أن هناك توجيهات، هذه التوجيهات كما قلت هي من داخل هذه العلوم نفسها، لكن أن يُحمل ما لا يحتمل، وأن يُكلف ما لا يقبله السياق والقواعد، فهذا مما لا يصح في التعامل مع كلام الله عز وجل، خاصة أولئك الذين يبحثون في القرآن الكريم عن إشارات ضمنية للداروينية حتى وصل بهم الحال هذا.