فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
16 أبريل 2026
16 أبريل 2026
عندي مال قدره 10000 ريال، وحال عليه الحول، وقبل إخراج زكاة ذلك المال دخل مبلغ إضافي من بيع سيارة أو منزل، فهل هذا المبلغ يضاف مع مبلغ الزكاة؟
الظاهر من السؤال أن وقت إخراج زكاته قد حل، بحولان الحول، ثم جاءت هذه الزيادة بعد هذا الميعاد الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج زكاة ماله، وعلى هذا فإن الذي يأتي من مال بعد حولان الحول لا يحسبه من ذلك الحول، فهو من حساب الحول القادم، وإنما يزكي المبالغ التي كانت عنده بعد اكتمال النصاب، وحال عليها الحول.
ولهذا فإنه لا ينبغي للمسلم أن يؤخر إخراج الزكاة، لأن في تأخيرها حبسًا لحقوق المستحقين للزكاة، عليه أن يبادر، ويمكن له أن يقدم إخراج الزكاة مراعاة لاعتبارات مرعية شرعًا، أما أن يؤخرها دون سبب فإن في ذلك حبسًا لهذه الحقوق عن أصحابها، وهذا مما لا ينبغي، بل الواجب المبادرة، وأن يكون قد أعد حسبته، وعلم كم عليه، واختار الأصناف التي سيؤدي إليها الزكاة بنفسه أو بمن يثق فيهم، فلا يحبس الزكاة عن مستحقها، لكن ما يأتي من مال بعد حولان الحول فإنه يحسب من الحول القادم لا من الحول الماضي، والله تعالى أعلم.
شخص عليه قسط لبنك إسلامي يقطعه هذا البنك شهريًا، ومنذ فترة وهو يجمع مبلغًا من المال ليدفع القرض دفعة واحدة ويتخلص منه، ولكن موعد زكاته حان، وهو لا يستطيع دفع القسط قبل هذا التاريخ كونه في العمل، ويعود نفس تاريخ موعد الزكاة، ويشترط البنك حضوره شخصيًا، هل تسقط زكاة هذا المبلغ؟
إذا هو أعد هذا المال وادخره لأجل سداد هذا الدين، وإنما هي بضعة أيام حتى يذهب بنفسه ليؤدي هذا المال إلى البنك، في هذه الحالة لا يحسب هذا المال من جملة زكاته ما دام سيؤدي به الدين الذي عليه، وقد عزله لهذا الغرض، وسيدفعه في أيام، وما حبسه إلا ارتباطه بالعمل، فهذا الدين كأنه أخرجه من ملكه لشدة تعلق حق الدائن به، ولأنه قصد بجمعه وعزله أن يؤديه إلى الدائن، فأداء الديون هو الأولى والألزم في حقه، ثم بعد ذلك إن بقي له شيء فإنه يزكيه، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»، لماذا (فأنّه) وليس (فإنّه)، وهل هناك ملحظ بياني أو بلاغي في هذا الأمر؟
نعم، هذا من حيث اللغة، في همزة (أن) الثانية وجهان: الفتح والكسر، (فأنه) و(فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير)، وفي غير كتاب الله عز وجل (فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير). هذه من الأحوال التي يجوز فيها الكسر والفتح، كسر همزة (إن) ويجوز فتحها أيضًا، كما يقول ابن مالك:
بعد إذا فجاءة أو قسم * لا لام بعده بوجهين نمي
مع تلو فا الجزا وذا يطرد * في نحو خير القول إني أحمد
ما يعنينا هنا مع تلو فاء الجزاء، لأن الآية الكريمة قالت: «كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ» ، إذًا من حيث الوضع اللغوي هذا وجه من وجوه العربية بأن تأتي همزة (أن) مفتوحة، ويجوز أن تأتي مكسورة بعد فاء الجزاء، له نظائر في القرآن الكريم، في سورة الأنفال، في قول الله تبارك وتعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ».
والذي يظهر لي أنه يسأل عن همزة (إن) الثانية، أما الهمزة الأولى في الآيتين فلأن المصدر يسد مسدها، وهمزة (إن) تفتح لسد مصدري مسدها، فـ(واعلموا أنما غنمتم)، فهنا لأن المصدر يسد مسدها، وكذلك في الآية التي يسأل عنها في الهمزة الأولى، في همزة (إن) الأولى: (كتب عليه أنه من تولاه)، لأنها في مقام نائب فاعل للفعل (كتب)، فهي تقوم هي ومعموليها مقام نائب الفاعل.
حتى ننتهي من الهمزة الأولى، إذا قلت بأن لها نظائر في القرآن الكريم، في قول الله تبارك وتعالى في سورة التوبة: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ»، في هذين الموضعين هناك قراءات بالفتح وقراءات بالكسر، وهذا يؤكد ما عليه القاعدة النحوية من جواز الفتح والكسر مع تلو فاء الجزاء.
أيضًا في قول الله تبارك وتعالى: « وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، وهناك أيضًا قراءة بالكسر، (فإنه)، إلا أن هذه الآية في سورة الحج فليست فيها قراءة «فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ».
الآن فرغنا من الجانب اللغوي، وهو جواز الوجهين مع تلو فاء الجزاء، فإنه يجوز في همزة (إن) الفتح والكسر.
وذكرت أغلب الأمثلة له مما ورد في كتاب الله عز وجل، وقلت بأنها فيها جميعًا الفتح والكسر قراءات، إلا في هذا الموضع من سورة الحج، فإنها لم ترد إلا بقراءة: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، وعلى هذا فلماذا هذا الاختيار، الذي وجدته بعد طول بحث، الآية شغلتني مدة، وجدت كلامًا للفراء يقول فيه بأن (إن) المكسورة يمكن الاستغناء عنها، مثال: في قراءة في غير القرآن الكريم: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)، يمكن أن يقال: (فلله خمسه).
إذًا همزة (إن) إذا كانت مكسورة في موضع فإنه يمكن أن يستغنى عنها، كما يمكن أن يستبدل بها الضمير (هو)، أما هنا فلا يمكن، لأنها جاءت مفتوحة، فلا يمكن الاستغناء عنها، إذًا فوجودها مقصود، والقصد من وجودها هو ما يدل عليه التأويل.
فعندما نقول: « فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»، وتقدم أن همزة (أن) المفتوحة يسد مسدها المصدر، فتقدير الكلام هنا: فإضلاله وهدايته للسعير حاصلان، أو ثابتان، أو فثابت إضلاله وهدايته للسعير، أو فحاصل أو واقع إضلاله وهدايته للسعير.
إذًا تبين أن مجيء (إن) مفتوحة الهمزة هنا يعطي معاني أوسع، يعطي أن يكون المصدر المؤول خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: ثابت أو حاصل أو واقع، أو أن يكون مبتدأ لخبر محذوف تقديره كذلك.
إذًا هناك قوة في المعنى تتأتى بإثبات همزة (إن) مفتوحة لا تحصل بكسر همزة (إن)، ولِمَ احتُج إلى قوة في المعنى، لأن صيغة (كتب) في القرآن الكريم هي أقوى صيغ الإلزام والفرض والقضاء، (كتب) تأتي في القرآن الكريم بمعنى فرض.
ومن ذلك: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ»، «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ»، «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ»، يأتي في سياق ما فيه تأكيد إلزام وقضاء من الله تبارك وتعالى، وإيجاب لا مزيد عليه، وهذا يتناسب مع هذا السياق في هذه الآية الكريمة، لبيان أن إضلال من يتولى الشيطان ودلالته إلى السعير أمران حاصلان مؤكدان واقعان، لا يمكن أن يتبدلا أو أن يتغيرا.
وهذا يختلف عن آية الأنعام، حتى لا يعترض أحد ويقول: هناك أيضًا صيغة (كتب)، (كتب ربكم على نفسه الرحمة)، هذا وعد من الله عز وجل، لا إيجاب على الله تبارك وتعالى، فإنه جل وعلا لا مكره له، أما الخطاب هنا فبيان حقيقة لا تتغير ولا تتبدل، وأريد تقويتها بأقوى المؤكدات اللفظية والمعنوية.
من استعمال الألفاظ والتراكيب لما يعطي أقوى دلالة، والمعنى فيه ثابت مستقر، مؤكد بأقوى المؤكدات، ولذلك فإن فتح همزة (أن) في هذا الموضع هو الذي يؤدي إلى هذه المعاني والدلالات، فلذلك جاءت بهذه الصيغة، ولم ترد أي قراءة متواترة بالكسر كما تقدم، هذا والله تعالى أعلم.
من أراد أن يفتح حسابًا في بنك تقليدي ليحصل على بطاقة «ديبيت كارد»، من أجل أن يأخذ منافعها، فهي تعطي خصومات في أماكن تجارية أو أيضًا في صالات المطارات وغير ذلك، هل يصح هذا؟
لا، لا يصح له ذلك، لأن هذه ليست من الضرورات، أما مع انعدام وجود مصارف إسلامية واضطراره إلى فتح حساب بنكي، لأن أغلب المعاملات اليوم إنما تقوم على هذه البطاقات وعلى وجود حسابات مصرفية، فحينئذ يمكن أن يرخص له، أما أن يبتغي بعض المزايا وما يصاحب فتح الحساب في بنوك ربوية تقليدية، وتحصل أو لا تحصل، هذا باب آخر، لكن لما هو أقرب إلى الرفاهية والترف فهذا لا يسوغ له أن يلجأ إلى مؤسسة ربوية، والله تعالى أعلم.
بعض شركات الهواتف تقول: اشترِ بعشرة ريالات على أن تحصل مكالمات بقيمة 20 ريالًا، فهل في ذلك ما يشكل؟
ما دام النقد هنا في مقابل منفعة، والمنفعة هي حزمة المكالمات التي تقدم، فلا يظهر أن هناك إشكالًا، لأن هذه النقود هي في مقابل الخدمة المقدمة، هذه المنافع من مكالمات ورسائل وتصفح شبكة المعلومات، وإن قدرت بقيمتها، لكنها خدمة معينة يستفيد منها، فهو كأنه النقود في مقابل هذه الخدمة، وهي منفعة متقومة، فلا حرج في مثل هذه العروض، والله تعالى أعلم.
إذا كانت أموال الزكاة كثيرة، هل يمكن أن يؤخذ جزء منها صدقة للمساعدة في بناء منزل؟
الأصل في الزكاة أنها صدقة واجبة، والاستعمال القرآني لها أنها صدقة، فربنا تبارك وتعالى يقول: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ»، فسماها صدقات، وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ»، فالصدقة الواجبة هي الزكاة، فعند الإطلاق قد تطلق الصدقة ويراد بها الزكاة.
فهل يمكن أن يبنى بها بيت لفقير أو مسكين؟ هنا أمران: الأمر الأول أن يكون مستحقًا للزكاة، كأن يكون فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا بالشروط التي تكرر ذكرها، فإن كان كذلك، أي كان مستحقًا للزكاة، فإن أفضل طريقة، وهو في حاجة إلى البيت، ويخشون من إعطائه النقود مباشرة ألا يحسن التصرف، لأن قيمة بناء البيت ليست بالمبلغ اليسير.
وقد تدعوهم نفوسهم إلى توزيع ذلك المال على أكثر من أسرة مستحقة، ولكن لشدة احتياج هذا الفقير إلى منزل يأويه هو وأسرته، وليس له ما يعينه على ذلك، وعنده أولاد وبنات، ولا بد من مراعاة الفصل بينهم، والحاصل أن المسكن اليوم ليس بترف، بل هو حاجة تبلغ حد الضرورة.
وإن قال: لا، أنا محتاج للمال، فالطريقة المثلى هي أن يخبروه بأن لك زكاة، فهل تسمح أن نشيد لك بهذه الزكاة بيتًا يأويك؟ فإذا قال نعم، فكأنه قبض المال، ووكلهم، وحينئذ لا حرج عليهم في أن يبنوا له بذلك القدر من المال بيتًا.
والأصل في الزكاة أنها تمليك، فقد يكون الفقير أحسن تدبيرًا للمال من المعطي، فيمكن له أن يثمر هذا المال، وأن ينميه، ثم ينشئ به مصدرًا لكسب يده، لينتقل من حال الفقر إلى حال الغنى.
فهذا الوجه أولى، ويؤخر بناء البيت ثلاث سنوات أو أربع سنوات، يمكن له أن يستأجر الآن بقيمة يسيرة ويثمر هذا المال، قد يكون هو أحسن تدبيرًا، ولذلك الأصل في الزكاة أن تكون تمليكًا.
وهذا هو المأخوذ من اللام في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء)، ثم لما جاء الرقاب قال: (وفي الرقاب)، لأنها عتق، ليس تمليكًا.
إذًا الوسيلة التي اقترحها هي أن يخبروه بأن لك قدرًا من المال من الزكاة، ونرى أنك مستحق، فهل تسمح أن نبني لك بها بيتًا؟ فيكون بحسب جوابه التصرف كما تقدم، والله تعالى أعلم.
