د.عبدالله الهنائي: جذور علم القراءات في عُمان تمتد إلى القرون الأولى
16 أبريل 2026
توثيق ما يقارب 250 شخصية عُمانية لها ارتباط بهذا العلم
16 أبريل 2026
كتب - ماجد الندابي
في ندوة علمية متخصصة احتضنتها كلية العلوم الشرعية، حملت عنوان «جهود الإمام أبي محمد الحسن العُماني في التجويد والقراءات والوقف والابتداء وعلوم القرآن»، قدم الدكتور عبدالله بن سالم الهنائي كلمة رئيسة مهمة، تناول فيها بعمق البعد التاريخي والعلمي لإسهامات العُمانيين في علوم القرآن، مستعرضا مسارا ممتدا عبر القرون، ومقدما قراءة تحليلية لتطور هذه العلوم في البيئة العُمانية، ومكانتها في السياق الإسلامي العام.
فقد استهل الهنائي كلمته بطرح إشكالية لطالما واجهها الباحث العُماني في المحافل العلمية خارج البلاد، حيث أشار إلى أنه عند المشاركة في بعض المؤتمرات في الدول العربية والإسلامية، وخاصة في مجالات القراءات وعلوم القرآن والتفسير، كثيرا ما يطرح عليه سؤال متكرر: هل كان لأهل عُمان حضور علمي في هذه المجالات؟ وهل توجد جهود معتبرة يمكن الإشارة إليها؟ ومن هم أعلامها؟ مؤكدا أن الجواب لم يكن يوما إلا بالإيجاب، غير أن الحاجة كانت ملحة لتوثيق هذا الحضور وإبرازه بصورة علمية منهجية.
وأوضح أنه قرر التوجه نحو مشروع بحثي يعنى بتتبع جهود العُمانيين في علوم القرآن، وأشار إلى زيارته إلى تركيا في عام 2021، والتي تزامنت مع فترة جائحة كورونا، حيث أتاح له الهدوء والعزلة العلمية فرصة التفرغ لقراءة كتب التراجم قراءة موسعة، خاصة تلك المتعلقة بالقراء والمفسرين، وبين الهنائي أنه خلال تلك الفترة اطلع على عدد كبير من كتب التراجم، سواء العامة أو العُمانية، مثل كتب السير والتراجم المحلية، واستطاع من خلالها حصر ما يقارب 250 شخصية عُمانية لها صلة بعلم القراءات، معتمدا في ذلك على منهج دقيق يقوم على إثبات من اشتغل بالقراءات بشكل واضح، مع التمييز بين من ثبتت صلته بهذا العلم ومن كان الأمر فيه محل شك.
وانتقل بعد ذلك إلى عرض محاور كلمته، موضحا أنها تدور حول ثلاثة مجالات رئيسة: جهود العُمانيين في القراءات، وجهودهم في التفسير، ثم إسهاماتهم في طباعة المصحف الشريف، وأشار إلى أن هذه المحاور تمثل مجمل الحضور العلمي العُماني في علوم القرآن.
وفي حديثه عن المحور الأول، وهو علم القراءات، قدم الهنائي عرضا مفصلا لمفهوم القراءات ونشأتها وتطورها، مستعرضا الأطوار التي مر بها هذا العلم حتى استقر في صورته المعروفة، كما تناول الأسباب التي أدت إلى نشأة القراءات، والجذور التاريخية للقراء في عُمان، مؤكدا أن هذا العلم ليس دخيلا على البيئة العُمانية وإنما له حضور راسخ يمتد إلى القرون الأولى.
وأشار إلى أن من أوائل أعلام القراءات في عُمان الإمام جابر بن زيد، الذي ترجمت له كتب التراجم الكبرى، مثل كتب الإمام الذهبي وغيره، واعتبر من القراء، بل نسبت إليه قراءة خاصة، كما بين أن العصر الذهبي للقراء العُمانيين كان في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حيث ازدهر النشاط العلمي، خاصة في البصرة التي استقر فيها عدد من العلماء العُمانيين، مستفيدين من البيئة العلمية النشطة هناك.
وتطرق إلى عدد من الأعلام، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، العالم لغوي الذي كان له إسهام في القراءات أيضا، إضافة إلى شخصيات أخرى من أسر علمية عريقة كالأسر الجهضمية، التي كان لها حضور بارز في هذا المجال.
كما أشار إلى استمرار هذا الحضور في القرون اللاحقة، مستشهدا بالإمام أبي محمد الحسن بن علي العُماني في القرن الخامس الهجري، والذي يعد مرجعا في كتب القراءات والوقف والابتداء، حيث اعتمد في منهجه على الجانب اللغوي والتعليمي بشكل واضح، بخلاف بعض المدارس الأخرى التي غلب عليها الاعتماد على الرواية والسماع.
وتوقف الهنائي عند خصائص التأليف العُماني في القراءات، مبرزا ميله إلى المدرسة النحوية واللغوية، واعتماده على التحليل والتعليم، وهو ما يميز الإنتاج العلمي العُماني في هذا المجال، كما أشار إلى نماذج من المخطوطات العُمانية في القراءات، سواء المطبوعة أو المحفوظة في المكتبات.
واستعرض نماذج من القراء العُمانيين في العصور المتأخرة، مثل عبد الله بن بشير الحضرمي، الذي كتب المصحف بخط يدوي مميز، وابتكر فيه نظاما فنيا دقيقا في توزيع الكلمات والحروف داخل الصفحات، في محاولة لضبط التوازن البصري للنص القرآني، وهو ما وصفه الهنائي بأنه من الأعمال الفريدة التي يصعب تقليدها حتى باستخدام التقنيات الحديثة.
وأشار إلى أنه قام بترجمة واحد وأربعين قارئا وقارئة من العُمانيين عبر العصور، مؤكدا أن بعض هؤلاء كان له تأثير يتجاوز الإطار المحلي إلى الساحة الإسلامية العامة.
وفي المحور الثاني، تناول الهنائي جهود العُمانيين في علم التفسير، موضحا أنه شارك مع عدد من الباحثين في إعداد «معجم المفسرين العُمانيين»، الذي يهدف إلى حصر العلماء الذين اشتغلوا بالتفسير، سواء بالتأليف أو بالتدريس أو بالممارسة العلمية، وبين أن تعريف «المفسر العُماني» لا يقتصر على من ألف تفسيرا كاملا، بل يشمل أيضا من كانت له إسهامات تفسيرية معتبرة، حتى وإن لم يدونها في كتاب مستقل، مثل بعض العلماء الذين عرفوا بالتفسير في مجالسهم العلمية.
وأشار إلى أن عدد مؤلفي التفاسير من العُمانيين بلغ سبعة عشر عالما، إلى جانب عدد أكبر من العلماء الذين اشتغلوا بالتفسير دون أن يؤلفوا فيه، واستعرض عددا من الأسماء، مثل أبي الحواري، الذي اعتمد على تفسير مقاتل مع إضافات خاصة، وسعيد بن أحمد الكندي، وغيرهم من العلماء الذين أسهموا في هذا المجال، كما أشار إلى تنوع الاتجاهات التفسيرية في عُمان، بين التفسير اللغوي، والبياني، والعقدي، والموضوعي، مؤكدا أن هذا التنوع يعكس عمق التكوين العلمي للمفسرين العُمانيين، الذين غالبا ما كانوا يجمعون بين علوم متعددة، خاصة علوم اللغة.
وتوقف عند بعض التجارب التفسيرية المميزة، وجهود العلماء المعاصرين الذين قدموا تفاسير جزئية أو دروسا تفسيرية مسجلة، وأكد الهنائي أن قلة عدد التفاسير العُمانية مقارنة ببعض البيئات الأخرى لا تعني ضعف الاهتمام، بل تعود إلى طبيعة هذا العلم الذي يتطلب تأهيلا لغويا وعلميا عاليا، إضافة إلى ظروف تاريخية وسياسية أثرت في الإنتاج العلمي.
وفي المحور الثالث، تناول جهود العُمانيين في طباعة المصحف الشريف، مستعرضا تاريخ هذه الجهود منذ بداية القرن الخامس عشر الهجري، حيث شهد العالم الإسلامي حراكا واسعا في هذا المجال، وأشار إلى أن عُمان أسهمت في هذا الحراك من خلال إصدار عدد من المصاحف، بدءا من طبعات أولية شهدت بعض الملاحظات، وصولا إلى طبعات أكثر دقة، بالتعاون مع جهات علمية متخصصة، مثل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
كما تطرق إلى تجربة طباعة المصحف الخاص بجامع السلطان قابوس الأكبر، والذي خضع لمراجعات دقيقة، وطبع في عدة طبعات، مؤكدا أهمية وجود لجان علمية متخصصة لمراجعة المصحف قبل اعتماده، وسرد تجربة شخصية في مراجعة أحد المصاحف، حيث تم العمل على تدقيقه بشكل مكثف، كلمة كلمة، بالتعاون مع عدد من العلماء، وهو ما كشف عن وجود أخطاء تم تصحيحها، مما يؤكد أهمية الدقة في هذا المجال.
