No Image
إشراقات

جامع أبي الحسن البسيوي

19 مارس 2026
ذخائر المحبرة العمانية
19 مارس 2026

أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي، عاصر قدوم بني وجيه إلى عمان في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). ثم عاصر من أئمة عمان: سعيد بن عبدالله الرحيلي وراشد بن الوليد وحفص بن راشد اليحمدي.

التحق بمدرسة أبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة البهلوي، وكان من أبرز تلامذته، وتأثر به كثيرا فتابعه في آراء المدرسة الرستاقية.

له مؤلفات عديدة منها "جامع أبي الحسن" في العقيدة والفقه، وجعله على هيئة سؤال وجواب، مستعملا أسلوب الحوار في مناقشة مسائله، و«سبوغ النعم» المعروف بـ «مختصر البسيوي»، جمع فيه خلاصة أبواب الفقه، وراعى ذكر المعمول به في أغلب الأحيان، وله مجموعة سير في تأييد مبادئ المدرسة الرستاقية والردّ على مخالفيها، ومنها سيرة في الاعتراض على إمامة حفص بن راشد اليحمدي.

الفترة الزمنية التي عاش فيها البسيوي شهدت أوج الازدهار العلمي في عُمان، حيث نضج التأليف في علمي الكلام، وأصول الفقه، وكان هذا النضج ثمرة مدرستين فقهيتين متنافستين في العلم؛ إحداهما تميزت بالتأصيل ورد الفروع إلى الأصول وترجيح أحد الأقوال على غيرها، وكان عمدةَ هذه المدرسة أبو محمد عبدالله بن بركة البهلوي، وعُرفت بالرستاقية نسبة إلى مدينة «الرستاق» في عُمان. وأما المدرسة الثانية فقد تميزت بتوسيع دائرة الرأي، واستخراج الأقوال العديدة في المسألة الواحدة، وكان رأس هذه المدرسة الإمام أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، وعُرفت بالنزوانية، نسبة إلى «نزوى» العاصمة العُمانية في ذلك الوقت. ولأن أبا الحسن البسيوي تتلمذ على يد ابن بركة البهلوي كان من الطبيعي أن ينعكس منهج شيخه عليه، وقد بدأ منتصرا لشيخه في أكثر من موقف، في حين كان يرد على بعض آراء الكدمي. إلا أن أبا الحسن البسيوي في كتابه: «الجامع» قد استفاد إلى حد ما من طريقة الكدمي، فقد توسع في الأقوال أكثر من شيخه ابن بركة البهلوي.

وكانت لأبي الحسن البسيويّ مكانة علمية بارزة، فكان مرجعا للفتوى ومصدرا للإرشاد الدّيني. ومما يظهر مكانته، موقفه من بعض الأمور السياسية بما أعلنه في الإجابة عن إمامة حفص بن راشد، وفي سيرته المسماة: سيرة الحجة على من أبطل السؤال عن الحدث الواقع بعمان. ومما يؤكد تلك المكانة العلمية، أن كتابه «المختصر» كان معتمد العلماء في الفتوى والأحكام حتّى القرن التاسع/‏‏الخامس عشر.

توفي في منتصف هذا القرن تقريبا عام 364هـ/ 975م.

(2)

تميّز كتاب: «الجامع» للبسيوي من ناحية المحتوى، حيث اتسم بانفتاحه على المدارس الإسلامية، وظهر ذلك في أمرين مهمين: أولهما الاستفادة من الأقوال التي تتناسب مع المنطق الأصولي الذي يعتنقه المؤلف، والرد على ما لا يتناسب مع منطقه بما يراه ملزما من الحجة والبرهان. كما تميز الكتاب بشموله لفرعي الشريعة: أصول الدين، والفقه، حيث شكلت مباحث علم الكلام وأصول الدين ما يقارب من ربع الكتاب، في حين شغلت أمهات العبادة (الصلاة والزكاة والصوم والحج) الربع الثاني منه، والبقية في سائر أبواب الفقه. كما تميز الكتاب من ناحية الاستدلال، وتفاوتت الأدلة التي احتج بها أبو الحسن بحسب المقام، ففي علم الكلام جاء التركيز في المقام الأول على أدلة القرآن الكريم، ثم العقل، ثم اللغة، ولم تحظ هذه المباحث إلا بالقليل من الاستدلال الروائي، وغالبا يكون الاستدلال من الروايات المتفق عليها، وذلك راجع إلى أن منهج البسيوي في تقرير مسائل الإيمان هو الاعتماد على الأدلة قطعية الثبوت. أما في مسائل الفقه فإن الاحتجاج اعتمد على القرآن، ثم السنة النبوية، وقد بدا واضحا التفريق بين السُّنَّة المتفق عليها بين الأمة، وبين الروايات المختلف فيها، وكان غالبا يرد المختلف فيه إلى دلالات القرآن، أو المشهور من السُّنَّة والسيرة النبوية، وإلى ما جرى عليه العمل بين الصحابة، وإلى دلالات اللغة.

كما تميز الكتاب باستعمال بعض المصطلحات التي اشتهرت عند المدرسة الإباضية أكثر من غيرها، ومن ذلك على سبيل المثال: مصطلح «الكفر» الذي يشمل كفر الشرك، ويعني: الخروج من الملة الإسلامية، والذي يكون في أحكامه الدنيوية التمايز التام بين المسلمين والمشركين، وكفر النعمة الذي يعني: الغش والنفاق، والذي يكون المتلبس به كبقية المسلمين؛ له ما لهم وعليه ما عليهم، إلا عن ظلمه وفجوره فإنه لا يعان، بل يُمنع قدر الاستطاعة، وكفر النعمة عُرف عند بعض المدارس الإسلامية، ولا سيما أهل الحديث بالكفر دون الكفر. ومن هذه المصطلحات مصطلح «الجملة» الذي يعني: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به النبي حق من عند الله.

كما جاء أسلوب الكتاب متميزا كمحتواه، فتميز في عمومه بتسلسله المنطقي في عرض المسائل، وهذا يُعد تقدما منهجيّا في التأليف الفقهي في عمان، فمن يقارن بينه وبين جامع ابن بركة يجد هذا الفارق جليا، إلا أن ذلك لا يعني ذلك الالتزام الكامل بهذا التسلسل؛ إذ شهد في بعض الأحيان شيئا من التداخل في المسائل ضمن الباب الواحد. كما أنه تميز في بنائه الداخلي فجاء بليغا متماسكا سهل العبارة قريب المأخذ، بعيدا عن التكلف. كما اتبع المؤلف منهجا تربويا متميزا، فغالبا تبدأ مسائل الكتاب بطرح افتراضي تمثل فيه سائلا يسأل، فيقول على رأس كل مسألة: «سأل فقال»، ثم يعقب على ذلك بقوله: «قيل له»، وهذا سهّل كثيرا عملية تبويب الكتاب وتقسيمه القائم على طرح السؤال والإجابة عنه، وفقا لما تقتضيه تلك الإجابة من وجوه الاستدلال وإنزال وجوه الدلالة منها على واقعة السؤال؛ ولهذا كان تأليفه يتجه جهة الواقع العلمي والتطبيقي.

(3)

وقد أحسن المؤلف حين سماه بـ «الجامع»؛ فإن تلك التسمية تكشف عن أمانته في العرض واحترامه لنفسه ولعقول قرائه من الفقهاء والباحثين وطلاب العلم، وفيها ما يبرر عدم التعرض لكثير من موضوعات الأبواب الفقهية التي انطوى عليها كتابه، حيث جاء عرض مسائل الكتاب وفقا للأسئلة المطروحة وليس وفقا لما يقتضيه العرض الفقهي التقليدي.

نشر هذا الكتاب في عدة طبعات منها لوزارة التراث والثقافة، وطبَعه الأزهر الشريف في مجلدين، بمقدمة ضافية كتبها د. عبد الله النجار. يبدأ المجلد الأول بكتاب "أصول الدين" لبيان موضوعات العقيدة، فتحدث عن المعرفة بالله تعالى، ومعنى بعض أسماء الله تعالى ومعنى الاستواء، وأسباب اختلاف الناس في صفات الله تعالى، ومدلول اسم الكفر، والقضاء والقدر، والإيمان والإسلام والجهل.. واشتمل على كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج. أما المجلد الثاني: فيشتمل على بقية القضايا الفقهية التي ناقشها المؤلف، وهي: كتاب القربات ويضم أبواب الاعتكاف والأيمان والنذور، وكتاب الميراث والوصية وكتاب العتق وكتاب النكاح وكتاب الذبائح، وكتاب البيوع، وكتاب الغصب وكتاب الكبائر والحدود، وكتاب الجهاد، وكتاب الإمامة، وكتاب التوبة.

يصرّح البسيوي في عدة مواضع بأن الأصل الرئيس هو القرآن الكريم، فهو يميز في الباب الواحد من المسائل بين الأحكام الثابتة بالكتاب أو الثابتة بالسنة أو الحديث، أو تلك المأخوذة من القياس، مع تسليمه بأن الحكم الثابت قياسا لا يرقى إلى مرتبة الحكم الثابت بأصول الشريعة. ويميز البسيوي أيضا بين ما يسميه "السنة المتفق عليها" و"السنة المختلف فيها"، والبسيوي كان وسطا في التعامل مع الروايات فكان يرى ملاحظة الدلالات القرآنية في توجيه هذه الروايات، مع اعتبار دلالاتها البيانية المجردة. كما يعتبر النظر العقلي من أهم مرتكزات النظر الفقهي.