ضـحـايـا الـحـروب والمتـضـرّرون مـنـهـا
18 مارس 2026
18 مارس 2026
هـنـاك، دائـمـاً، ضـحـايـا لـحـروب الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة ومـتـضـررون كُـثـر بـمـقـدارٍ لا تُـشـبـهـهـا فـيـه حـروب الآخـريـن فـي الـعـالـم. أول الـضـحـايـا مَـن تـقـع عـلـيـهـم حـروبُـها مـن الـشـعـوب والـدول؛ هـذه الـتي تُـزهَـق فـيـهـا أرواح الأبـريـاء وتُـتْـرَك فـيـهـا عـاهـات دائـمـة، جـسـديـة ونـفـسـيـة، لـمـن كـانـوا مـن المـوت بـمَـنـجـاة؛ وتُـدمَـر فـيـها الـمـواردُ والـمـقـدَرات وسـائـر مـا عـلى الأرض مـن مـكـتسـباتٍ تـحـصَـلـت بـالعـرق والـصـبـر والـتـضـحـيـات؛ وتُـداس فـيـهـا السـيـادات وتُـهـان الـكـرامـات... إلـخ. والـغـالـبُ عـلى ضـحايـا حـرُوب أمـريـكـا الانـتـمـاءُ إلـى صـنـف الـدول الجـنـوبـيـة الـصـغـيـرة الـتـي تـصـطـدم بـسـيـاسـات الهـيـمـنـة والإخـضـاع فـتـرفـضـهـا مـبـديـةً شـكـلاً مـن العـصـيـان الـمـعـلَـن عـلى سـادة البـيـت الأبـيـض؛ الـعـصـيـانُ عـيـنُـه الـذي مـا يـلـبـث أن يـتـحـول إلـى ذريـعـةٍ لـشـن الـحرب عـلـيـهـا إنْ لـم تـكـن هـنـاك، سـلـفـاً، ذرائـع أخـرى جـاهـزة مـن قـبـيـل «حـيـازة أسـلـحـة الـدمـار الـشـامـل»، أو السـعـي إلـى ذلـك، أو مـن قـبـيـل إيـواء الإرهـاب ودعـمـه وتـوفـيـر مـلاذاتٍ لـقُـواه، أو مـن قـبـيـل اضـطـهـاد الأقـلـيـات وانـتـهـاك حـقـوق الإنـسـان ومـا شـاكـل ذلـك مـن ذرائـعَ تـخـفـي الأهـداف السـيـاسـيـة والاسـتـراتيـجـيـة لـتـلك الـحـروب وتـطـمِـس صـلات تـلـك الأهـداف بـالـهـيـمـنـة السـيـاسـيـة والـسـيـطـرة عـلى الـمـوارد.
إلى جـانـب هـؤلاء الـضـحـايـا يـوجـد مـتـضـررون مـتـفـاوتـون فـي درجـات الـضـرر الـذي يـلـحـقـهـم مـن تـلك الـحـروب مـع أنـهـم لـيـسـوا طـرفـاً فـيـهـا ولا أرادوهـا أن تـنـشَـب لِـمَـا تـولِـدهُ مـن مـشـكـلاتٍ وكـوارثَ تُـنـيـخ بـكـلـكـلـهـا عـلى الـجـمـيـع، هـذا إذا لـم تـخـرُج وقـائـعُـهـا عـن السـيـطـرة فـيـمـتـدُ لَـظَـاهـا ويَـسَـع الأرجـاءَ كـافـةً لـيـنـتـهـيَ بـهـا الأمـرُ إلـى حـربٍ مـوسَـعـة: إقـلـيـمـيـة أو عـالـمـيـة؛ وهـل بـدأتِ الـحـروب الـعـالـمـيـةُ الـكـبـرى إلا مـن حـروبٍ صـغـيـرة ومـحـدودة؟! عـلى أن الـمـتـضـرريـن أُولاء كُـثْـر، لـكـنـا سـنـكـتـفـي - مـن كـثـرتـهـم - بـالإشـارة إلـى ثـلاثـةٍ مـنـهـم هُـم الأَظْـهـرُ بـيـن أولـئـك الـمـتـضـرريـن:
دول الـجـوار أولُ الـمـتـضـرريـن الـمـبـاشـريـن مـن الحـرب حـيـن يـكـون مـيـدانُـهـا عـلى حـدود تـلك الـدول. أمـا أشـكـال الـضـرر الـنـاجـم مـن الـحـرب فـلا حـصـر لـهـا؛ مـن إصـابـتـهـا إصـابـاتٍ عـسـكـريـةً مـبـاشـرةً وتـعـريـض أمـنـهـا الـوطـنـي والإقـلـيـمـي لـمـخـاطـر جـسـيـمـة، إلـى إلـحـاق الأذى الشـديـد بـمـصـالحـهـا الحـيـويـة الاقـتـصـاديـة؛ إلـى إغـراقـهـا بـمـوجـاتٍ مـتـدفـقـة مـن اللاجـئـيـن الـهـاربـيـن مـن جـحـيـم الـمـوت الجـمـاعـي مـع مـا يـرتـبـه عـلـيـهـا ذلـك مـن ثـقـيـلِ الأعـبـاء؛ إلـى اسـتـبـاحـة سـيـادة أجـوائـهـا بـالـطـائـرات والـصـواريـخ وبـالـتـالـي، تـعـطـيـل الـمـلاحـة الـجـويـة؛ إلـى إصـابـة سـلاسـل الـتـوريـد بـالخـلـل، إلـى رفـع الـكـلـفـة الاقـتـصـاديـة والـمـعـيـشـيـة بـتـوقـف الإنـتـاج ووقـف الـتـبـادل الـتـجـاري الخـارجـي، أو الـتـقـلـيـص مـنـه تـقـلـيـصـاً فـادحـاً، وارتـفـاع أسـعـار الـمـحـروقـات، نـاهـيـك بـالـتـعـطـيـل الـذي قـد تـتـعـرض لـه الـمـؤسـسـات الاجـتـمـاعـيـة الحـيـويـة مـثـل الـمـدارس والـجـامـعـات. ومـا أكـثـر الحـالات الـتـي صـارت فـيـهـا دول الجـوار، فـي حـروب أمـريـكـا عـلى زيــدٍ أو عـمـرو، أشـبـه مـا تـكـون بـالـرهـائـن الـتي زُجَ بـهـا فـي صـراع لا نـاقـة لـهـا فـيـه ولا جـمـل كـمـا قـد يُـزَج بـنـاسٍ عـاديـيـن فـي مـؤسـسـةٍ بـنـكـيـة مـا بـيـن مـجـمـوعـة مـقـتـحِـمـة للـسـطـو عـلـيـه وقـوةٍ تـجـرِب السـيـطـرة عـلى الـمـوقـف مـن خـارج. والـمـشـكـلـة تـعْـظُـم أكـثـر إنْ أخـذنـا فـي الحـسـبـان أن دول الجـوار تـظـل تـدفـع - حـتـى بـعـد الحـرب - ثـمـنـاً سـيـاسـيـاً غـالـبـاً فـي شـكـلِ فـقـدانٍ مـتـبـادَل للـثـقـة بـيـنـهـا والـبـلـدِ الذي تـعـرَض للـحرب، فـيـزيـد مـعـدل الهـجْـس لـديـهـا بـهـواجـس الأمـن الـمـشـروعـة مـن طـرفـيْ الـحـرب، ومـن احـتـمـال تـجـدُد انـدلاعـهـا فـي أي حـيـن!
الـقـانـونُ الـدولـي، والمـؤسـسـات الـدولـيـة التـي تـقـوم عـلى أمـر حِـفـظِـه وحـمـايـتـه (الأمـم الـمـتحـدة تـحـديـداً)، ثـانـيُ الـمـتـضـرريـن مـن حـروب أمـريـكـا فـي الـعـالـم مـنـذ مـا بـعـد الحـرب عـلى كـوريـا (1950- 1953). خـاضـت الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة حـروبـهـا كـافـة - مـا عـدا فـي حـالـتـيـن - مـن غـيـر الاسـتـنـاد إلـى تـفـويـضٍ دولـي مـن مـجـلـس الأمـن، وفـي حـالٍ مـن الـتـحـدي الـسـافـر للـقـانـون الـدولـي ولـدول العـالـم قـاطـبـةً. حـدث ذلـك مـنـذ شـنِـهـا الحـرب عـلى ڤـيـيـتـنـام، بـدءاً مـن الـعـام 1955، وحـتـى يـوم الـنـاس هـذا مـن دون أن تَـأْبَـهَ إلـى أحـدٍ فـي الـعـالـم: حـتـى مـع تـعـالـي أصـوات الاحـتـجـاج ضـدهـا مـن قِـبَـل الأمـم الـمـتـحـدة ودولٍ دائـمـة الـعـضـويـة فـي مـجـلـس الأمـن، دعـك مـن بـقـيـة دول الـعـالـم وأمـمـه الـتي لا تـقـيـم واشـنـطـن لـمـوقـفـهـا وزنـاً! وضـعـت قـانـونـهـا وإرادتَـهـا فـوق الـقـانـون والإرادة الـدولـيـيـن، وتـصـرفـت مـع الأمـم الـمـتـحـدة وكـأنـهـا مـحـضَ مـلـحَـقٍ لـوزارة خـارجـيـتـهـا، وحـيـن تَـعْـصـي أمـرهـا فـلا تـسـايـرهـا فـي مـا أرادت، تـعـاقـبـهـا بـعـقـاب مـنـظـمـاتـهـا مـالـيـاً (وفـي عـهـد تـرامـپ بـالانـسـحـاب مـنـهـا جـملـةً). هـكـذا أفـقـدت حـروبُـهـا الـقـانـونَ الـدولـي سـلـطـتَـه الـمـرجـعـيـة وقـدرتَـه الإنـفـاذيـة، بـل هـي أفْـقـرتْـه مـن صـدقـيـتـه وسـمـعـتـه حـتى مـا عـاد أكـثـرُ الـعـالـم يـعْـتـد بـه أو يـعـوِل عـلى إنـصـافـه حـقـوقَ الـمـغـبـونـيـن والـمـعـتَـدى عـلـيـهـم. ومـن الـبـيـن أن الـضـرر الـفـظيـع الـذي أصـاب الـقـانـون الـدولـي مـن حـروب أمـريـكـا الـجـائـرة يـفـوق أيَ تـصـورٍ أو تـوقُـعٍ لـمـداه، لأنـه قـد يـكـون تـمـهـيـداً لـتـكـريـس الـقـانـون الـوحيـد الـمـوازي لـه: قـانـون الـغـاب!
أمـا ثـالـثُ الـمـتـضـرريـن فـ الـمـصـالـح الـدولـيـة فـي مـسـتـويـات تـجـلـيـهـا كـافـة. لـو نـحـن اكـتـفـيـنـا مـنـهـا بـالـمـصـالـح الاقـتـصـاديـة، فـقـط، لأَلـفـيْـنـا أنـفـسـنـا أمـام طـائـفـةٍ مـن الأضـرار الـشـديـدةِ الـوطـأة عـلى اقـتـصـادات الـدول مـنـفـردةً أو مـجـتـمـعـةً فـي اتـحـاداتٍ إقـلـيـمـيـة. يـكـفـي أن تـلك الحـروب غـالـبـاً مـا تُـفـضـي إلـى هـز اسـتـقـرار الأسـواق الاقـتـصـاديـة والـمـالـيـة، ورفـع أسـعـار الـطـاقـة - خـاصـةً إذا هـي وقـعـت فـي مـنـاطـق مـصـادر الـطـاقـة فـي الـعـالـم - مـع مـا يـنـجـم مـن ذلك مـن مـشـكـلات الارتـفـاع فـي أسـعـار مـواد الـغِـذاء، وارتـفـاع كـلـفـة الاسـتـيـراد وتـغـطـيـة حـاجـات الأسـواق الـوطـنـيـة. وقـد يـتـسـع نـطـاقُ آثـار تـلك الحـروب فـي الـمـصـالـح الـدولـيـة إلـى حـيـث تـقـود إلـى تـعـطـيـل الـعـمـل فـي مـشـاريـعَ اقـتـصـاديـة كـبـرى دولـيـة أو قـاريـة لارتفـاع كـلـفـتـهـا الـمـاديـة وانـعـدام الـيـقـيـن بـإمـكـان الـخـروج مـن مـنـطـقـة الأزْمـات الـعـاصـفـة الـتي تـخـلـقـهـا تـلك الحـروب. هـذا دون حـسـاب مـا يـصـيـر عـلـيـه أمـر الاسـتـثـمـارات، فـي هـذه الأجـواء، مـن تـردُدٍ وخـوفٍ وإحـجـامٍ أو حـتـى إدبـار.
يـطـول الـحـديـث بـنـا فـي كـل عـنـوانٍ مـن هـذه الـعـنـاويـن الـثـلاثـة لـضـحـايـا حـروب أمـريـكـا والـمـتـضـرريـن مـنـهـا لـو شـئـنـا الـتـفـصـيـل فـيـهـا. لـكـن الـعـامَ مـنـهـا قـد يُـغـنـي، وقـد يـكـفـي أن نـتـأمـل فـي مـشـهـد هـذه الحـرب الـمجـنـونـة الجـاريـة عـلى مـسـرح الـخـلـيـج وضفـتـيـه، وقـد شـنـهـا الـحـلـف الأمـريـكـي- الإسـرائـيـلـي عـلى إيـران ووقَـع فـيـهـا الأذى عـلى دول الـخـلـيـج الـعـربـيـة، لـكـي نـرى فـيـه كـل تـجـلـيـات الـحـروب الـعـدوانـيـة ومـآسـيـهـا واحـتـمالاتـهـا الـسـيـئـة.
عـبـد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي
