ترامب يسعى نحو الديكتاتورية

18 مارس 2026
18 مارس 2026

ترجمة: أحمد شافعي -

لم تعد الولايات المتحدة بلدا ديمقراطيا. هذا ما يقوله صراحة أحد أكثر المصادر العالمية مصداقية بشأن سلامة الدول الديمقراطية، فقد توصل معهد (أشكال الديمقراطية) (V-Dem) في جامعة جوتنبرج إلى هذه النتيجة الخطيرة في تقريره السنوي، قائلا إن الولايات المتحدة تندفع إلى الاستبدادية بوتيرة تفوق المجر في سرعتها.

يقول ستافان ليندبرج مؤسس المعهد: «إن بياناتنا الخاصة بالولايات المتحدة ترجع إلى عام 1789. وما نشهده الآن هو التراجع الديمقراطي الأفدح في تاريخ ذلك البلد».

منذ عام 2012، يقود ليندبرج مجموعة باحثيه الصغيرة في السويد ليصبح المصدر العالمي الرائد في تحليل سلامة الديمقراطية العالمية. وقد انتهوا في تقريرهم الأحدث الصادر يوم الثلاثاء الماضي إلى أن الولايات المتحدة، للمرة الأولى في أكثر من نصف قرن، قد فقدت مكانتها العريقة باعتبارها بلدا ديمقراطيا ليبراليا. وهي الآن تمر بعملية سريعة أطلق عليها التقرير اسم «التحول إلى الأوتقراطية».

يقول ليندبرج: «استغرق الأمر من أوربان في المجر نحو أربع سنوات، واستغرق من فوتشيتش في صربيا ثماني سنوات، واستغرق من إردوجان في تركيا ومودي في الهند قرابة عشر سنين، تحقق فيها قمع المؤسسات الديمقراطية الذي حققه ترامب في عام واحد فقط».

وقد رجعت الديمقراطية الأمريكية الآن إلى أسوأ مستوى مسجل لها منذ عام 1965، عندما استحدثت قوانين الحقوق المدنية الأمريكية حق الاقتراع المطلق للمرة الأولى بقوة الأمر الواقع. وخلص التقرير إلى أن كل ما تحقق من تقدم منذ ذلك الحين قد تعرض للمحو.

على المستوى العالمي، تراجعت الديمقراطية إلى أدنى مستوياتها منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، ويقول ليندبرج: إن «العالم لم ير من قبل تحول هذا الكم من البلاد إلى الاستبداد في وقت واحد».

يعيش رقم قياسي يقدر بـ41% (3.4 مليار نسمة) من سكان العالم حاليا في بلاد تشهد تدهورا في الديمقراطية بحسب ما يذهب إليه التقرير، مضيفا أن واشنطن تقود هذا المنعطف العالمي المبتعد عن الديمقراطية.

ويستعمل الباحثون ثمانية وأربعين مقياسا لتقدير سلامة الديمقراطية، تشمل حرية التعبير والإعلام وجودة الانتخابات ومراقبة سيادة القانون وغيرها. وينتج عن ذلك (مؤشر الديمقراطية الليبرالية) الذي يتبين منه أن سرعة تفكك الديمقراطية الأمريكية غير مسبوق في التاريخ الحديث، والعامل الأساسي هو «التركز السريع العدواني للسلطات في يد الرئاسة» -بحسب ما يقول ليندبرج-، وقد تعرض الكونجرس للتهميش، بما يهدد «الضوابط والتوازنات» (أي القيود القضائية والتشريعية على السلطة التنفيذية) وهي مسألة حاسمة في الديمقراطية الأمريكية. في الوقت نفسه، تشهد الحقوق المدنية تراجعا متسارعا فتبلغ حرية التعبير الآن أدنى مستوياتها منذ أربعينيات القرن العشرين.

يقول ليندبرج: «إننا نشهد أسرع تركيز للسلطة في يد الجناح التنفيذي. فقد تنازل الجناح التشريعي عمليا عن سلطاته للرئيس. ولم يعد يعمل رقيبا على السلطة التنفيذية».

في السنة الأولى من رئاسته، وقع دونالد ترامب مائتين وخمسة وعشرين أمرا تنفيذيا، في حين أجاز الكونجرس الخاضع لسيطرة الجمهوريين تسعة وأربعين قانونا فقط. ويقول ليندبرج: إن «أغلب أوامر ترامب التنفيذية مهمة. إذ أغلق بها إدارات كاملة من الحكومة، وفصل مئات الآلاف من الموظفين. أما القوانين التي أجازها الكونجرس فهي في الغالب تعديلات تافهة لقوانين قائمة. ولذلك لم يعد لدينا فصل حقيقي بين الجناحين التشريعي والتنفيذي».

في الوقت نفسه، تنازلت المحكمة العليا عن أغلب ما لها من سلطة، حتى حينما تبطل أوامر ترامب التنفيذية، فإنه يتحايل على قراراتها، بحسب ما يخبرني ليندبرج، مشيرا إلى وجود أكثر من ستمائة دعوى قضائية جارية ضد إدارة ترامب في المحاكم. ومن المظاهر الأخرى لتدهور الديمقراطية المتسارع في أمريكا بحسب التقرير الإطاحة بالضوابط الداخلية التي تحمي الحكومة الفيدرالية من إساءة استخدام السلطة. وحينما أسأل ليندبرج كيف ينبغي أن نقرأ النتائج التي انتهى إليها تقريره، يقول قاطعا: إن «ترامب فصل المفتشين العموميين وكبار موظفي الخدمة المدنية في مختلف الإدارات، وأحلّ بدلا منهم موالين له. وهذا بالضبط ما فعله أوربان وإردوجان، إذ أطاحا بالقيود المفروضة على سلطتهما. وينبغي أن يكون واضحا الآن أن ترامب يسعى إلى الدكتاتورية».

فكيف أصبح معهد بحثي صغير في جوتنبرج هذا المصدر الموثوق لانحدار الديمقراطية في واشنطن؟ حينما أسس ليندبرج ـ أستاذ العلوم السياسية ذو الصوت الهامس ـ معهد (أشكال الديمقراطية) سنة 2012، كانت الديمقراطية العالمية توشك أن تبلغ ذروتها التاريخية.

يقول: «كنا حينها جميعا نبحث في عملية التحول إلى الديمقراطية، وكنا نشعر بالإحباط لأن المقاييس غير جيدة بالقدر الكافي، فأردنا أن ننشئ مؤشرا عالميا موثوقا يكون ذا نفع لمجتمع الباحثين في مجال الديمقراطية بأكمله».

وبعد خمس سنوات، حينما نشر المعهد أول مجموعاته البيانية الخاصة بالديمقراطية العالمية، أدرك خبراؤه أن الأمور تمضي بسرعة في الاتجاه الخاطئ، فالآن كما يقول ليندبرج «تحولنا جميعا نحن الباحثين في التحول إلى الديمقراطية، إلى باحثين في التحول إلى الأوتقراطية».

في الوقت نفسه، قوبلت تقاريرهم بالانتقاد والاتهام بالمبالغة بشأن المخاطر المحدقة بالاستقرار الديمقراطي العالمي. «قيل عنا إننا التحذيريون. لكن تحذيراتنا الآن تبدو قائمة على مسوغات وجيهة» كما يقول ليندبرج.

تعمل المجموعة الجوهرية المؤلفة من بضع عشرات الباحثين في جوتنبرج مع أربعة آلاف ومائتي باحث في مائة وثمانين بلدا يستعملون ما يوصف بأكبر قاعدة بيانات عالمية خاصة بالديمقراطية تضم أكثر من اثنين وثلاثين مليون نقطة بيانات لمائتين واثنتي دولة وإقليم، تغطي الفترة بين عامي 1789 إلى 2025. «ولدينا معايير مطلقة، لكنْ لدينا أيضا أفراد على الأرض يخبروننا بما يجري فعليا. والتقارير علمية بنسبة 100%، ودوافعها بحثية، وبياناتها بعيدة عن الهوى وتأثيرات الدولة والآراء الشائعة والاعتبارات السياسية».

ويعد تقرير معهد (أشكال الديمقراطية) الصادر بعنوان: «تفكك الحقبة الديمقراطية؟» قراءة واجبة في أوروبا، حيث إن سبعا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ـ هي المجر واليونان وكرواتيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وإيطاليا ورومانيا ـ «متأثرة بالتحول إلى الأوتقراطية»، وسط نذر باستعمال الحكومات الرقابة على الإعلام، وتقييد حرية التعبير، وقمع المجتمع المدني. فضلا عن انضمام البرتغال وبلغاريا إلى «قائمة المراقبة» الخاصة بالمعهد.

يصنف التقرير المملكة المتحدة بوصفها «المتأقرطة الجديدة» بدافع من «انحدار جوهري» في حرية التعبير والإعلام. يقول ليندبرج: إن «الأمر بدأ في المملكة المتحدة قبل كير ستارمر، مع قانون الانتخابات لعام 2022، وتوسيع الحكومة سلطتها على اللجان الانتخابية»، «وقلل قانون الشرطة لعام 2022 من الحقوق المدنية وحرية التعبير».

وتم استعمال قانون الأمن الإلكتروني لعام 2023 لمعاقبة التعبير الإلكتروني وفي قضايا لإسكات الصحفيين. وزاد قانون حرية التعبير في التعليم العالي لعام 2023 من مطالبة الجامعات بمراقبة المظاهرات وحرية التعبير، والمثير للقلق أنه لا يكاد يبدأ التراجع عن الديمقراطية حتى يصعب إيقافه في أغلب الحالات.

تتصدر الدنمارك والسويد والنرويج وسويسرا وإستونيا وأيرلندا مؤشر معهد أشكال الديمقراطية العالمي لعام 2025. وتبرز جهود دول أخرى منها بولندا لمحاولة الارتداد عن الأوتقراطية. وثمانية عشر بلدا فقط في العالم هي التي تتحول إلى الديمقراطية، وهو مستوى متدنٍ تاريخيا.

أما النقطة المشرقة الوحيدة في تقييم الولايات المتحدة فتتعلق بأن الانتخابات المفتوحة لا تزال تقام، وأن النظام الانتخابي «يبقى مستقرا في الوقت الراهن» لكن الأوامر التنفيذية منذ تولي ترامب السلطة تشير إلى مخاطر جديدة على النظام الانتخابي.

يقول ليندبرج: إن التهديدات التي يتعرض لها الموظفون وعمال الاقتراع الذين يديرون الانتخابات مثيرة بالفعل للقلق. «إننا نشهد تقارير إعلامية بأن 40% من عمال الانتخابات والاقتراع قد استقالوا منذ عام 2020. وإذا كان ترامب لم يقبل هزيمته آنذاك، فما الذي يجعله يتقبلها الآن؟ وإذا ما شهدنا إنكارا لنتائج انتخابات عام 2026، فسوف تكون انتكاسة ديمقراطية كاملة الأركان».

ولعل من أسباب التفاؤل الحذر أن نزوع ترامب الاستبدادي لا يحظى بشعبية. فأرقام تأييده تقل الآن عن 40%. وأعداد ضخمة من ناخبي ترامب محبطون بشدة من حربه الجديدة في إيران، ومن التصاعد المطرد في تكاليف المعيشة. ولقد نجح كثير من الولايات الليبرالية التي استهدفها ترامب ـ من قبيل مينيسوتا وكاليفورنيا ـ في مقاومة التهديدات التي تعرضت لها الحقوق المدنية والمجتمعات المحلية.

«كما أننا نشهد المزيد من النقد من داخل حركة ماجا» حسب ليندبرج.

وينبه التقرير إلى أنه سيكون من السذاجة أن نتصور البلاد الأوروبية آمنة من انحدار الديمقراطية مهما يكن ما يحدث في واشنطن. «فهي نزعة عالمية، ولا تقتصر على أمريكا. ويبين البحث بوضوح أن اليمين المتطرف لا يكاد يصل إلى السلطة حتى يزداد كثيرا احتمال تفكيك المؤسسات الديمقراطية» كما يقول ليندبرج.

في العديد من البلاد الأوروبية، يحتشد الناخبون الآن لانتخاب نسخهم من ترامب، بالرغم من تهديدات الإدارة المعلنة للقارة ودعمها المستمر للأحزاب المتطرفة التي تقوض الاستقرار الأوروبي. ويتبعها المحافظون التقليديون راجين ـ خلافا للمنطق ـ أن تنجح الأمور بطريقة ما هذه المرة خلافا لحقب سابقة من الحكم الأوتقراطي. وبأرقام صادمة ولغة واضحة وضوح الشمس، يبرز تقرير معهد أشكال الديمقراطية مخاطر هذا المسار.

مارتن جلين من كتاب صحيفة داغنس نيهيتر السويدية، ومؤلف كتاب «قواعد الجذب: لماذا تُعد القوة الناعمة مهمة في الأوقات العصيبة».

عن صحيفة ذي جارديان البريطانية