لا انتصار في الحرب على إيران

18 مارس 2026
18 مارس 2026

سوف يأتي يوم لا محالة وتضع الحرب أوزارها، بعدها يأتي كل طرف من أطراف الحرب ويعلن انتصاراته، حسب الأهداف الهجومية أو الدفاعية التي وضعها للدخول في صراع كهذا. ولكن المنتصر فيها مهزوم؛ لأنها حرب ليست مشروعة، والدول التي أشعلتها ليست دفاعا عن الحق بل انحراف عنه.

الدول التي بدأت الحرب وهي الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني كان هدفهم الأسمى هو تغيير النظام الداخلي في إيران لإيجاد نظام آخر يتماشى مع نهجهم وأجندتهم، ولكن تلك الدول المعتدية لا تفهم التاريخ إلا قليلا.

فتغيير الأنظمة وإقصاؤها له تداعياته الخطيرة من حيث زيادة الفتن الداخلية وتشكيل جبهات مضادة تقاتل بعضها البعض، وتتغذى الخلايا النائمة والإرهابية وتزيد نبرة حب الانتقام مع تكوين تنظيمات تسعى لتقلد السلطة، وإن كانت ليست أهلا لها.

كما أن الحروب تفتح الطريق للتدخلات الخارجية حيث يتم تجييش الأطراف المتنازعة وبث الكراهية والعداوة بينهم؛ ولعل ما حدث في ليبيا والسودان واليمن والعراق وأفغانستان هو خير مثال على ذلك.

إيران الدولة التي طُعنت مرتين، الأولى كانت في (2018) بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي، والثانية هذا العام وهي في المراحل النهائية للتفاوض أيضا على برنامجها النووي. ولكن الدول المعتدية بإعلان الحرب عليها، لم تعلم بأنها أوقدت شرارة الغضب بالقيادة الإيرانية وقدرتها على الصمود وأيضا تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز على أثر الضربات العسكرية التي تلقتها إيران والتي لم تقتصر على الأماكن والمواقع العسكرية، حتى المدنية والصحية والتعليمية.

إغلاق مضيق هرمز أو التحكم في السفن التي يسمح لها بالعبور لم يحسب لتداعياته الاقتصادية من حيث تذبذب الإنتاج العالمي من النفط؛ هذه التداعيات أوصلت بأسعاره لمستويات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت حدود (150) دولارا للبرميل.

هزيمة إيران بالشكل الذي تريده الدول المعتدية عليها لم تكتمل أركانها؛ وذلك لأن إيران وبمناورتها المستمرة في إغلاق مضيق هرمز مكنتها تلك المناورة من تغيير بوصلة الحرب.

فبعد أن كانت الخطة القضاء على النظام الإيراني خلال أربعة أيام أو أسبوع تفاجأت الدول المعتدية بأن الأمر ليس كذلك؛ حيث استطاعت إيران الحصول على ورقة استراتيجية في المناورة على بث القلق في سلامة واستدامة إمدادات الطاقة العالمي. فعلى الرغم من المحاولات اليائسة من أمريكا الحصول على دعم من الدول الغربية والآسيوية التي لها مصالح في عبور سفنها عبر المضيق، عن طريق إرسال سفن حربية لتأمين ناقلات البترول إلا أن تلك المحاولات الأمريكية لم تجد آذانا صاغية من أغلب تلك الدول؛ لتجد الولايات المتحدة نفسها في مأزق جديد وهو استمرار ارتفاع أسعار النفط والذي يخيب من آمالها في الانتصار الذي كانت تطمح إليه في إنهاء الحرب في مدة قصيرة جدا، كما وجدت الطرف الآخر وهي إيران غير مبالية بمدة الحرب طالت أم قصرت.

دول الخليج العربية قد تكون هي المتضرر الأكبر من اندلاع هذه الحرب، وإن كانت ليست طرفا مباشرا فيها، ولعل التداعيات الاقتصادية على المدى القصير أو المتوسط من حيث فقدان معدل الأمان للاستثمارات الأجنبية، بعد أن كانت مقصد الشركات العالمية والأثرياء، نظرا لما تتمتع به من ميزات تنافسية موازنة بالدول الغربية.

ولكن حتى الآن ليس هناك دليل على بداية هروب الأموال الأجنبية أو الشركات من دول الخليج. في الجانب الآخر فإن البنوك الخليجية مهددة باستنزاف محلي قد يصل إلى (307) مليارات دولار حسب تقدير وكالة ستاندرد آند بورز، إذا استمرت الحرب بهذه الضراوة ولمدة زمنية أطول.

ولكن لتقليل آثار التداعيات الاقتصادية فإن دول الخليج العربية - لأول مرة - تتوافق على تحكيم صوت العقل والحكمة بعدم الانجرار للمناشدات الأمريكية المستمرة للمشاركة في هذه الحرب؛ حيث إنها تيقنت بأن آثار الانجرار وراء الفتنة الأمريكية في هذه الحرب الدامية ضررها أكثر من نفعها.

الولايات المتحدة الأمريكية في كلتا الحالين سوف تعود بعتادها الحربي بعد انتهاء الحرب وهي بعيدة جغرافيا عن المنطقة. وبالنسبة لدول الخليج فإن التزامها الحياد يقطع الطريق أمام المتربصين من الأطراف الأخرى التي تدفعها لتحويل المنطقة إلى بؤر للصراعات الإقليمية.

كما أن من أسباب الحرب هو الرغبة في تشكيل النظام العالمي الجديد بالشرق الأوسط التي يغذيها الكيان الصهيوني المتغطرس حيث يلقى دعما أمريكيا، وبالتالي، لا يفرق في تحقيق مآربه لآثار ذلك التشكيل المتمثل في القتل الوحشي للأطفال وكبار السن من المدنيين وتدمير البنية التحتية من المدارس والمباني السكنية والمراكز الصحية في إيران وفي لبنان.

هذه التداعيات قضت على الأخضر واليابس في أجزاء كبيرة من لبنان الجريح والذي يقابل بصواريخ لا تفرق بين المدني والعسكري، بل ترهيب وتهجير لم يشهده منذ عقود من الزمن.

حزب الله المقاوم في لبنان الذي يدافع عن أرضه من أسباب مشاركته في الحرب، يرى بأنه سكت طويلا على انتهاكات الهدنة التي وافق عليها لبنان مع العدو الصهيوني الغادر الناكث للعهود؛ ولكن ذلك العدو تفاجأ بمستوى من الجاهزية العسكرية لم يكن يتوقعها.

حزب الله كان نصيرا ومدافعا عن القضية الفلسطينية، ضحى بالغالي والنفيس من أجل ثبات القضية وإعلاء كلمة الحق على الباطل.

وللوصول إلى نوع من الانتصار الزائف من هذه الحرب؛ فإن النظام العالمي أصبح يعمل بازدواجية المعايير؛ فمع التداعيات الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية ومن أجل إيجاد حل وقتي لتقليل ذلك الارتفاع، تم غض الطرف عن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، بمنحها الموافقة على بيع النفط الروسي لتهدئة ارتفاع الأسعار.

روسيا قبل الحرب كانت معزولة اقتصاديا وماليا من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، حتى أنه تمت معاقبة الدول المستوردة للنفط الروسي ومنها الهند، ولكن من أجل إظهار نشوة الانتصار الوهمي، فالعقوبات تتحول إلى مكافآت في ظل النظام العالمي الذي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها لتشكيله في الشرق الأوسط.

كما أنه لدواعي تشكيل النظام العالمي بالشرق الأوسط، أصبحت الدول لا تعطي بالا للتداعيات الإنسانية لآثار الحرب على إيران التي يتجاوز سكانها (90) مليون نسمة وانهالت عليها الصواريخ الظالمة فدمرت ما يزيد على أربعين ألف منشأة مدنية حسب ما أورده الهلال الأحمر الإيراني.

ذلك التدمير شمل المنازل والمدارس والمراكز الصحية، كما أجبرت الحرب على النزوح الداخلي لما يزيد على ثلاثة ملايين نسمة.

هناك اعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن - على أقل تقدير- لم تستطع تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل وهي مستمرة في الاستنزاف العسكري لأسلحتها الأمر الذي يزيد من التكاليف الباهظة للحرب، وقد يطيل أمدها. في الجانب الآخر فإن الصراع مع إيران أدى إلى انهزام الولايات المتحدة سياسيا بعد رفض أغلب دول حلف الناتو المشاركة في تأمين مضيق هرمز مما يؤهل لمرحلة مستقبلية من الخلافات أو التصدعات في الجوانب العسكرية للأهداف التي من أجلها تم تأسيس الحلف.

أيضا كما يقولون، شهد شاهد من أهلها، فهذا مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب بالولايات المتحدة في بيان استقالته يصرح علنا للعالم بأن إيران لا تشكل خطرا إرهابيا على الولايات المتحدة الأمريكية وأن الضغط من الكيان الصهيوني واللوبي الأمريكي هما من تسببا في اتخاذ قرار الحرب على إيران.

هذه الاستقالة لا محالة أصابت البيت الأبيض بالجنون بعدما كانت التصريحات تتوالى بأن إيران كانت تمثل خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية ويجب مباغتتها بالهجوم عسكريا.

بيان الاستقالة أيضا يناقض التصريحات السابقة بأن الحرب ليست ضغطا من الكيان الصهيوني بل هو قرار استراتيجي أمريكي لحماية الشعب الأمريكي.

ختاما، الحروب عواقبها وخيمة وقاسية على الجوانب الإنسانية والاقتصادية تمتد آثارها لعقود من الزمن. كما لا يمكن لأي طرف أن يخدع نفسه بإعلان الانتصار مهما كانت النتائج.

كما أن هذه الحرب أظهرت هشاشة النظام العالمي، ومقدرة الدول في إشعال الحروب في الوقت الذي تريده دون حساب لمبادئ القانون الدولي.

وإن كان هناك انتصار حقيقي فهو صوت الحكمة الذي تعاملت معه الدول الخليجية والأردن والعراق وتركيا في عدم المشاركة في الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران نظرا لعواقب المشاركة على المشهد السياسي والاقتصادي والإنساني بين إيران ودول الجوار الإقليمي.

د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس