لن أدع دونالد ترامب يغزو عقلي!

17 يونيو 2023
17 يونيو 2023

ترجمة: أحمد شافعي -

أحاول أن أكون شخصا عقلانيا. أحاول أن أكون شخصا ينظر إلى العالم بعينين واثقتين. وعلى مدار العقود، تكونت لدي توقعات بشأن الطريقة التي يجري عليها العالم وتحكم مسالك الناس. وأعتمد على هذه التوقعات فيما أؤدي وظيفتي في تحليل الأحداث واستشراف ما سيحدث لاحقا.

ومع ذلك أجد أن دونالد ترامب يحيرني عند كل منعطف. إذ أجد أنني لست متشائما بالقدر الكافي الذي يجعلني أصيب في استشراف ما هو قادر عليه.

لقد دأبت على التهوين من فساده. فصدمتني العدوانية التي تصرف بها ترامب في المناظرة الأولى مع جو بايدن سنة 2020. وفيما كنا نشهد جلسات لجنة الاستماع إلى الشهادات في أحداث السادس من يناير، أذهلني أن أتبين كم العدوانية الذي عمل به ترامب من أجل إفساد الانتخابات، ثم حدث في الأسبوع الماضي فقط وأنا أقرأ لائحة اتهامه الفيدرالية أن ذهلت مرة أخرى حينما عرفت مدى انتهاكه الصارخ للأمن القومي.

ومع ذلك لا أستطيع أن أشعر بالخجل التام من سذاجتي الدائمة تجاه دونالد ترامب. فلا أريد أن أبدو من أولئك الذين يسهل عليهم تمثُّل شخص نرجسي لا يقيم وزنا للأخلاق والدخول في رأسه.

الأحرى أنني لن أسمح لعدواه أن تصيب دماغي. ولا أفضل أن أسمح لذلك الرجل بتغيير رؤاي للعالم. ولو أن السذاجة بين الحين والآخر هي ثمن الاستقلال العقلي عن ترامب، فأنا على أتم الاستعداد لدفع هذا الثمن.

كنت أفكر في هذا كله بينما أهيئ نفسي لسبعة عشر شهرا من الحملات الانتخابية يبدو أنها قادمة علينا عما قريب، ويحتل فيها ترامب مرة أخرى بؤرة التركيز من وعي الأمة. أفكر كيف أننا سوف نضطر مرة أخرى إلى الدفاع عن مقدساتنا الداخلية بينما يسعى هو في كل دقيقة إلى احتلال أدمغتنا.

أتشبث في رؤية للعالم يسهل السخرية منها. إذ أتمسك بإيماني بأن أغلب الناس، على عيوبهم، ينشدون الخير. وأتمسك بإيماني بأن مؤسساتنا، على تهلهلها، شرعية في جوهرها وتستحق منا الاحترام. وأتمسك بإيماني بأن للشخصية أثرها، وأن الأخيار في نهاية المطاف يسودون وعديمي الأخلاق ينحسرون.

لا أعتقد أن هذه الرؤية للعالم وليدة براءة طفولية. فهي نابعة من خبرة مباشرة بالحياة، وبعد آلاف من الحوارات، وتغطية لأعمال ساسة من الحياة الحقيقية مثل باراك أوباما وجون مكين وميت رومني.

إن دونالد ترامب، بمحض وجوده، عدوان على هذه الرؤية للعالم. ترامب طاغية. وقد قال أرسطو قبل كل تلك السنين إن الطغيان جوهره العسف. فحينما يتولى طاغية السلطة، لا تبقى من سيادة للقانون، ولا يبقى من قاعدة حاكمة. لا يبقى غير أهواء الطاغية. لا يبقى غير رغبته الجامحة في الحصول على أكثر من نصيبه العادل في كل شيء.

في ظل الطغيان تصبح القوانين الخارجية تعسفا. وحتى حين لا يمارس ترامب سلطة الدولة، حتى وهو في حملته الانتخابية لا أكثر، يمارس ترامب سلطة ثقافية. وفي ظل الطغيان الثقافي تصبح القيم الداخلية هي الأخرى تعسفا، إذ تقوم على أهوائه ونزواته الراهنة.

إن الفئات التي نستعملها في تقييم العالم تفقد معناها، أعني القسوة والطيبة والنزاهة والفساد والأمانة والخيانة والكرم والأنانية. وإذا بالقيم السامية تبدو ساذجة عبثية منقطعة الصلة بما بين أيدينا من أوضاع. وترامب بمحض وجوده ينشر إنجيله الضد، والناس فيه أنانيون، والقوة الغاشمة بموجبه هي التي تدير العالم. وكل ذلك له أثره في الفوز والخسارة. وفي ظل تأثير ترامب، تنشأ لدى الناس في خفاء وتكتم ذهنية عدمية.

ولقد أتى ترامب بالفعل على الحزب الجمهوري بهذه الطريقة المحددة. ولأوجه تركيزي على قيمة واحدة أجهز عليها ترامب فعليا هي فكرة أنه ينبغي أن يوجد رابط ما بين المعتقدات الكامنة في رأس أحدنا والكلمات التي تخرج من أفواهنا. لو أن أحدكم يقول شيئا وهو غير مؤمن به، فيجب على أقل تقدير أن يكون هذا مشفوعا بإحساس بالذنب ناجم عن نفاقه.

ولقد درجت على أن أسمع على الأقل بعض الجمهوريين وهم يعربون عن إحساسهم بالذنب في الجلسات الخاصة بينما كانوا في العلن يدعمون رجلا لا يكنون له غير الاحتقار. ذلك الإحساس بالذنب يبدو أنه تبدد تماما. والاحتقار نفسه تبدد. وأوقف كثير من الجمهوريين عمل ملكته الأخلاقية أصلا، إذ انتهوا في بادي الأمر إلى أن الأخلاق الشخصية عديمة القيمة.

ويمتد أثر ترامب المدمر إلى ما وراء حزبه. فكل نظام اجتماعي ثابت يقوم على إحساس بشرعية. ذلك هو الاعتقاد والإيمان بأن لمن نالوا السلطة حقا في الحكم. وأنهم يمارسون السلطة من أجل الصالح العام.

ترامب يهاجم هذه القيمة أيضا. ويصر أن الادعاء العام لا يخدم سيادة القانون، وإنما هو بيدق سياسي في يد جو بايدن. والموظفون المدنيون ليسوا شيئا عدا «الدولة العميقة» يعملون على إسقاط ترامب. وقد استشرى هذا الموقف التشكيكي في مجتمعنا. وتحول التشكك اللائق في مؤسساتنا إلى جائحة من فقدان الثقة، وتشكيك طائش مفاده ما دمت في اللعبة، فقد فسدت على طول الخط.

خلال الشهور القادمة، لن يكون ما نواجهه محض تنافس سياسي، وإنما معركة بيننا نحن المؤمنين بالمثل، حتى وإن بدونا بإيماننا هذا سذجا في بعض الأوقات، وبين من يذهبون إلى أن الحياة نضال ضار من أجل الكسب الأناني. ولن يكون انتصارهم غير خطوة على الطريق إلى همجيتنا الثقافية.

ديفيد بروكس كاتب عمود في نيويورك تايمز منذ 2003، ومؤلف كتاب «الطريق إلى الشخصية» وأحدث كتبه «الجبل الثاني».

«خدمة نيويورك تايمز»