هل نبيع عقول أطفالنا؟
01 فبراير 2026
01 فبراير 2026
حذر كثير من الباحثين من تأثير الأجهزة الذكية عمومًا، ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا على صحة الأطفال النفسية والعقلية. هذه التحذيرات لم تبق أسيرة أوراقهم، بل نقلوا عبرها قلقهم على مستقبل الأجيال القادمة علميًا وسلوكيًا إلى حكومات العالم آملين اتخاذ تدابير وقائية، وأخرى علاجية؛ لتفادي تفاقم هذه المحاذير، حتى يصعب أو يستحيل معالجة آثارها الدائمة وتراكماتها المعقدة.
وضمن الاستجابة لهذه التحذيرات انحاز نواب فرنسا ـ بعد جلسة نقاش «ماراثونية» استمرت حتى الفجر، وبأغلبية كاسحة ـ لمصلحة الأطفال على حساب حريتهم في مواصلة الانغماس في مخاطر ومزالق وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث أقر البرلمان الفرنسي مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عامًا.
خطوة أكّد ضرورتها الرئيس إيمانويل ماكرون باعتبارها وسيلة لحماية الأطفال من الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات، بل إنه نشر قبل أيام مقطع فيديو يقول فيه: «إن مشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع أو للتلاعب بها سواء من قبل المنصات الأمريكية أو الخوارزميات الصينية».
ووفقا لإقرار البرلمان الفرنسي بأغلبيته مشروع الحظر يحال إلى مجلس الشيوخ للمصادقة عليه قبل أن يصبح قانونًا نافذًا.
جاء كل ذلك بعد إعلان الوكالة الفرنسية للأغذية والبيئة والصحة والسلامة المهنية هذا الشهر خطورة وسائل التواصل الاجتماعي؛ لما لها من آثار سلبية على المراهقين، وخاصة الفتيات مع أنها ليست السبب الوحيد لتدهور صحتهم النفس.
وتشمل مخاطر وسائل التواصل التنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتوى العنيف فضلا عن التشتيت الذهني والتشويش العاطفي.
هذا التشريع المتضمن كذلك حظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية يجعل من فرنسا ثاني دولة تخطو مثل هذه الخطوة بعد أستراليا التي منعت قبل شهر من هم دون سن 16 عاما من استخدام وسائل التواصل.
أستراليا كأول دولة تطبق هذا الإجراء عالمياً أزالت المنصات فيها نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين امتثالاً للقانون الذي يهدف لحماية القصر من الآثار السلبية للاستخدام المبكر والمفرط للتكنولوجيا.
دول أخرى تدرس تنظيم وسائل التواصل للقُصَّر؛ حيث يناقش البرلمان في بريطانيا تطبيق فحص عُمر صارم على الأطفال دون 16 عاماً؛ لضمان عدم تمكنهم من الوصول إلى منصات محددة.
وفي الدنمارك تم الاتفاق على حظر الوصول للأطفال دون 15 عاماً لبعض منصات التواصل مع دراسة تفاصيل التشريع النهائي. وإسبانيا مع اقتراح مشروع قانون لمنع الأطفال دون 16 عاماً من الوصول إلى الشبكات الاجتماعية، أو منصات الذكاء الاصطناعي باستثناء حالات معينة بحد أدنى 14 عاماً للوقاية من المخاطر الرقمية. وفي إيطاليا يدرس البرلمان فرض قيود على الأطفال دون 15 عاماً مع التحقق الرقمي من العمر عبر الهوية الوطنية الرقمية المرتبطة بالاتحاد الأوروبي. واليونان تبحث حكومتها حظر وسائل التواصل للأطفال بعد تجربة ناجحة في منع الهواتف الذكية داخل الصفوف الدراسية. كذلك يدرس البرلمان الألماني فرض حظر شامل على الأطفال دون السن القانونية مع تقرير نهائي متوقع في خريف 2026.
ولا يقتصر هذا الاهتمام على الاتحاد الأوروبي وحده؛ إذ تتقدّم النرويج ونيوزيلندا وماليزيا ومصر والهند في مسار مشابه؛ كلها جهود وخطط تتلمس آثار تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الشباب.
وكانت السلطات في إندونيسيا قد أعلنت حجبها المؤقت لروبوت الدردشة «غروك» التابع لشركة إيلون ماسك بسبب خطر إنشاء محتوى إباحي بواسطة الذكاء الاصطناعي، لتصبح أول دولة تمنع الوصول إلى تلك الأداة.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تنديد حكومات وهيئات تنظيمية في أوروبا وآسيا بالمحتوى الجنسي على التطبيق، وفتح بعضها تحقيقات في الأمر.
ومن غريب التبرير بعد تواصل عدد من مستخدمي إكس مع «غروك» ردّت الأداة أن «إنشاء الصور وتعديلها متاحان حاليًا للمستخدمين الذين يدفعون اشتراكات يمكنكم الاشتراك للاستفادة من هذه الميزات» ليرد ناطق باسم رئيس الوزراء البريطاني أن قرار غروك «يحوّل ببساطة ميزة تتيح إنشاء صور غير قانونية إلى خدمة مميزة»، ويشكل «إهانة لضحايا التمييز ضد النساء والعنف الجنسي».
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «لن نتسامح في أوروبا مع سلوكيات لا يمكن تصورها، مثل التعري الرقمي للنساء والأطفال».
كما أكدت مفوضة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي هينا فيركونين إنّ التحقيق «سيُحدّد ما إذا كانت «إكس» قد أوفت بالتزاماتها القانونية» بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي المصمم لمراقبة عمالقة الإنترنت.
لكن مع كل تلك المحاذير لا ينبغي تعميم الحظر؛ إذ لا بد من استثناءات تشمل المنصات العلمية والتعليمية، كما تشمل تطبيقات المراسلة المباشرة بموافقة ومراقبة الأهل، خاصة مع مؤسسات تعليمية سبق أن اعتمدت استخدام الأجهزة النقالة في نظامها التعليمي. وتبقى التحديات قائمة في صعوبة مراقبة وتحديد عمر المستخدمين فعليًا، ثم متابعة انضباط شركات توليد تطبيقات التواصل الاجتماعي حماية لصحة الأطفال النفسية والعاطفية. تحديات جديرة بالتذليل لعقول ليست للبيع.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية
