حان وقت الوداع

01 فبراير 2026
01 فبراير 2026

كان جدّي، برنارد ليفي، حاضرًا بقوة في طفولتي. حين لم نكن نجوب نيويورك معًا، كان يجلس في مكتب شركته للمحاماة في مبنى وولوورث في جنوب مانهاتن، يكتب رسائل إلى محرر نيويورك تايمز، وحسبما تسعفني الذاكرة فقد نُشر له بعضها. كان قد توفي قبل أن أتعيّن كاتبَ عمود هنا، لكنه كان سيكون أول اتصال أجريه. الرحلة من بيت التينمنت الصغير الذي نشأ فيه في الحي الشرقي الأدنى إلى موقعي في هذه الصحيفة جزء من تجربة عائلتنا لما يُسمّى بالحلم الأمريكي.

كان شرفًا لا يضاهيه شرف أن أعمل هنا، محاطًا بهذا العدد من الصحفيين المدهشين. لكن بعد 22 عامًا رائعة، قررت أن أخطو خطوة مثيرة ومرعبة في آن: أن أغادر لأحاول بناء شيء جديد.

عندما جئت إلى «التايمز»، أردت أن أدافع عن فلسفة سياسية محافظة معتدلة، تستنير بأفكار مفكرين مثل إدموند بيرك وألكسندر هاملتون. وقد نجحت نجاحًا مذهلًا في جذب الناس إلى وجهة نظري، لدرجة أن الجمهوريين المعتدلين صاروا اليوم القوة المهيمنة في السياسة الأمريكية، يمسكون بالسلطة من البيت الأبيض إلى قصر غرايسي! لذا قلت لنفسي: يبدو أن عملي هنا قد اكتمل.

أمزح.

في الحقيقة، لطالما اعتقدت أن في الثقافة الأمريكية خللًا غريبًا يشبه فشل السوق. هناك برامج لا تُحصى عن السياسة والأعمال والتكنولوجيا، لكن هناك ندرة في البرامج التي تتناول الأسئلة الأساسية للحياة، تلك التي تُناقَش عادةً ضمن تعليم ليبرالي رفيع في الفنون والعلوم الإنسانية: كيف يصبح الإنسان أفضل؟ كيف يعثر على معنى في التقاعد؟ هل ما تزال أمريكا تمتلك سردية وطنية جامعة؟ وكيف تتعافى الأمم الكبرى من الاستبداد؟

عندما أفكر في حجم التغير منذ انضممت إلى «التايمز»، أجد أن الاتجاه الأكبر كان فقدان الأمريكيين الجماعي للإيمان ـ ليس الإيمان الديني فقط، بل أشكالًا متعددة من الإيمان. في 2003، كنا ما نزال نعيش أثر انتصارنا في الحرب الباردة، وكانت الثقة أعلى بأن الديمقراطية تجتاح العالم، وبأن أمريكا «خيرة» في جوهرها، وبأن التكنولوجيا ستنقذنا، وبأننا نستطيع الوثوق ببعضنا بعضًا. وحتى 2008، كان باراك أوباما قادرًا على خوض حملة رئاسية تفيض بأمل مثالي.

لكن عالم ما بعد الحرب الباردة جاء مخيبًا، حرب العراق حطمت ثقة أمريكا بقدرتها. الأزمة المالية حطمت ثقة الأمريكيين بأن الرأسمالية إذا تُركت وحدها ستنتج رخاءً واسعًا ومستقرًا. الإنترنت لم يفتح عصر اتصال عميق، بل عصرًا من ازدياد الاكتئاب والعداء والوحدة. وانهيار مستويات الثقة الاجتماعية كشف فقدانًا شاملًا للإيمان بجيراننا. وصعود الصين، وكل ما يتصل بـدونالد ترامب، حطم افتراضاتنا الهادئة عن دور أمريكا في العالم.

صرنا بلدًا أكثر حزنًا، وأقسى مزاجًا، وأشد تشاؤمًا. دراسة تاريخية حديثة عن الصحف الأمريكية وجدت أن الخطاب العام اليوم أكثر سلبية من أي وقت منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. أغلبية كبيرة تقول إن بلدنا يتراجع، وإن الخبراء لا يستحقون الثقة، وإن النخب لا تكترث للناس العاديين. وفقط 13% من الشباب يعتقدون أن أمريكا تسير في الاتجاه الصحيح. و69% من الأمريكيين يقولون إنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي.

فقدان الإيمان يولّد الإيمان باللاشيء. ترامب يجسّد العدمية، بافتراضه أن الأخلاق للحمقى، وأن الحياة قوة وعنف وترهيب وتنمر وقسوة. الشعبويون في العالم يسعون لصناعة واقع لا ينجو فيه إلا عديمو الرحمة، أمريكا تتحول إلى ذئب مسعور بين الأمم.

العدمية هي ذهنية تقول إن ما هو أدنى هو الأكثر «واقعية». الأنانية وتضخّم الأنا والشهوة إلى السلطة هي ما يدير شؤون البشر، أما الإيثار والكرم والشرف والنزاهة والضيافة فسراب، والمثل العليا خدعٌ يستخدمها الأنانيون لستر جشعهم، المتشائم من الحياة يمنح نفسه إذنًا بالعنف، قائلًا: لن نخدع مرة أخرى. إنها معركة «الكل يأكل الكل». إن أردنا البقاء، فعلينا أن ننتخب المتنمرين إلى المراتب العليا، في 2024، نظر 77 مليون ناخب أمريكي إلى ترامب ولم يروا في الرجل ما يجعله غير مؤهل أخلاقيًا.

من السهل قول إن ترامب أفسد أمريكا. لكن تمزيق القيم من الأعلى سبقه انهيار للقيم من الداخل امتد عقودًا. أربعة عقود من فرط الفردانية وسّعت حرية الاختيار لكنها أضعفت الروابط بين الناس. أجيال متعددة من الطلاب وأولياء الأمور هربت من الإنسانيات والفنون الحرة، بدافع الاعتقاد أن الهدف الأول من التعليم هو تعلم كيف نجني المال.

نحن نتخلى عن جوهرنا الإنساني. عناصر حضارتنا التي ترفع الروح، وتغذي التعاطف، وتوجّه النفس، تراجعت في الحياة الوطنية: التعبّد الديني، اللاهوت، الأدب، الفن، التاريخ، الفلسفة. كثير من المربين قرروا أنه بما أن القوى الغربية أنجبت الاستعمار ـ وهذا صحيح ـ فعلى الطلاب في الغرب ألا يتعلموا شيئًا عن سلالة حضارتهم، وأن يصبحوا أيتامًا ثقافيًا. ناشطون قرروا أن الإقناع أسطورة، وأن الحياة منافسة شرسة على السلطة بين جماعات مضطهِدة ومضطهَدة. ونتيجة للتقدم التقني والتآكل الإنساني، صارت الحياة موضوعيا أفضل، لكنها ذاتيا أسوأ. وسّعنا الحرية الشخصية، لكننا فشلنا فشلا تاما في مساعدة الناس على الإجابة عن سؤال: حرية.. من أجل ماذا؟

أعمق جرح ثقافي كان فقدان نظام أخلاقي مشترك. قلنا لأجيال متعددة: اصنعوا قيمكم الفردية بأنفسكم. هذا «التخصيص» للأخلاق حمّل الناس مهمة يستحيل إنجازها، فتركهم عاجزين أخلاقيًا وغير متشكلين. وصنع ساحة عامة عارية لا اتفاق واسعًا فيها على ما هو حق وجميل وخير. من دون معايير مشتركة للصواب والخطأ يستحيل حسم النزاعات، ويستحيل حفظ التماسك الاجتماعي والثقة. كل مجتمع سليم يستند إلى تصور مشترك للمقدّس ـ أبطال مقدسون، نصوص مقدسة، مُثُل مقدسة ـ وحين يزول ذلك، تكون النتيجة الطبيعية: قلق، وتفتت، وهبوط بطيء نحو الهمجية.

لا ينبغي أن يدهشنا أن استطلاعًا لجامعة هارفارد وجد أن 58% من طلاب الجامعات قالوا إنهم لم يشعروا بأي إحساس بـ«الغاية أو المعنى» في حياتهم خلال الشهر الذي سبق الاستطلاع. لا ينبغي أن يدهشنا أن الناس صاروا أكثر انعداما للثقة وأكثر إحباطا. ويطاردني تعليق لألبير كامو عن قارته قبل 75 عاما: رجال أوروبا «لم يعودوا يؤمنون بالأشياء الموجودة في العالم وبالإنسان الحي؛ سر أوروبا أنها لم تعد تحب الحياة».

نحتاج قيادة سياسية أفضل، بالطبع، لكن السؤال الحاسم الذي يواجه أمريكا هو: كيف نعكس هذا الفقدان المتغلغل للإيمان ببعضنا، وبمستقبلنا، وبمُثلنا المشتركة؟ لا أعتقد أن معظم الناس قادرون على الازدهار في كون عدمي بلا معنى. وعلى خلاف ما يقوله الساخرون، ما زلت أعتقد أننا لا تحركنا الدوافع الأنانية وحدها، بل الدوافع الأخلاقية أيضا: الرغبة في السعي نحو خير ما، والرغبة في التعاون، وفي رعاية بعضنا، وفي الانتماء. الحياة حركة، والحياة المزدهرة هي ذاتها الشيء الأبدي: رجل أو امرأة يسعى ويكافح في خدمة مثل ما.

أين يذهب الناس والأمم ليعثروا على ما يؤمنون به من جديد، وعلى قيم يوجّهون بها حياتهم؟ أين يذهبون لاستعادة جوهرهم الإنساني؟ يجدون ذلك في مجال الثقافة. وفي قراءتي للتاريخ، التغير الثقافي يسبق التغير السياسي والاجتماعي. تحتاج تحولا في التفكير قبل أن يتحول الاتجاه. تحتاج مناخا روحيا مختلفا.

وعندما أقول «الثقافة» لا أعني مجرد الذهاب إلى الأوبرا والمتاحف. أعني الثقافة بأوسع معنى: طريقة حياة مشتركة، عادات وطقوس، أغان وقصص شعبية، محادثات عن أفكار كبيرة وصغيرة. أعني كل ما يشكّل الجوانب الذاتية في الإنسان: إدراكاته، قيمه، عواطفه، آراؤه، ما يحب، ما يفتنه، أهدافه ورغباته. أعني كل ما يصوغ روح العصر، اللحظة الأخلاقية والفكرية، ذلك الماء المشترك الذي نسبح فيه. بهذا المعنى، لكل فرد دور في تشكيل الثقافة. نحن جميعا نصنع حولنا «بيئة أخلاقية» ترفع من نلمسهم أو تحط من إنسانيتهم.

كان بيرك يرى أن الثقافة ـ التي سمّاها «الأعراف/الآداب» ـ أهم من السياسة. وكتب: «الآداب أهم من القوانين. عليها، إلى حد كبير، تعتمد القوانين. القانون يمسّنا هنا وهناك، بين حين وآخر. أما الآداب فهي التي تزعج أو تلطّف، تُفسد أو تُطهّر، ترفع أو تُسفّل، تُوحّش أو تُهذّب، بفعل ثابت متواصل منتظم غير محسوس، مثل فعل الهواء الذي نتنفسه. هي التي تمنح حياتنا شكلها ولونها الكاملين. وبحسب جودتها، تُعين الأخلاق، أو تسدّ نقصها، أو تدمرها تماما».

الخبر الجيد أن الثقافة تتغير طوال الوقت، حين يكيّف الناس أنفسهم لمواجهة أزمات لحظتهم. في تسعينيات القرن التاسع عشر، أزاحت حركة «الإنجيل الاجتماعي» ـ بتركيزها الجماعي ـ ثقافة الداروينية الاجتماعية التي تمجد الفردانية وبقاء الأصلح. وهذا التحول الثقافي قاد لاحقا إلى تغير سياسي: عصر التقدمية. كما تبدلت الثقافة الأمريكية جذريا بين 1955 و1975، فأنتجت ثقافة أقل امتثالا، أقل تمييزا جنسيا وعنصريا، وأكثر إبداعا من سابقتها، وإن كانت أيضا أكثر تفتتا. حرب الثقافة التي بدأت آنذاك أنتجت اليسار الحديث واليمين الحديث معا. والثقافة الأمريكية اليوم مختلفة جدا عما كانت عليه خلال «الصحوة الكبرى» عام 2020.

مررنا بأزمنة صعبة من قبل، وكنا دائما نتعافى عبر مسار من القطيعة الثقافية ثم الترميم. يجب أن يُنزَع بعضٌ من منظومات القيم والممارسات القديمة، وأن تُعتنق أخرى جديدة.

ترامب مخلوق نادر: رجل مبتذل يفهم قوة الثقافة. وضع مصارعين محترفين على منصة آخر مؤتمر جمهوري لسبب: لترسيخ نموذج ذكوري معين. وسيطر على مركز كينيدي لسبب: لفرض سردية وطنية بعينها. للأسف، الثقافة التي يروّج لها ـ لأنها مبنية على الهيمنة ـ ثقافة تنزع الإنسانية.

الإنسانية الحقة، في المقابل، هي الترياق للعدمية. الإنسانية هي كل ما يصون كرامة كل شخص. أنتيغون وهي تحاول دفن أخيها حفاظا على شرف العائلة، وأبراهام لنكولن وهو يعيد ربط الأمة في خطاب التنصيب الثاني، ومارتن لوثر كينغ جونيور وهو يكتب رسالته من سجن برمنغهام ـ هذه أمثلة على الإنسانية. تريسي تشابمان ولوك كومبس وهما يؤديان «Fast Car» في حفل الغرامي ـ هذه أيضا إنسانية. كلها أمثلة لأناس يحاولون إيقاظ الدوافع الأخلاقية، والسعي للعدالة، ودفع الآخرين ليصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.

للإنسانية أشكال متعددة: إنسانية علمانية، إنسانية مسيحية، إنسانية يهودية.. إلى آخره. هي أي مسعى يعمّق فهمنا للقلب البشري، وأي جهد لتحقيق قيم روحية خالدة في ظروف زماننا، وأي لفتة تجعل الآخرين يشعرون أنهم مرئيون، مسموعون، ومحترمون. أحيانا يبدو المجتمع كله كأنه ساحة معركة بين قوى نزع الإنسانية من جهة ـ التحزب المسعور، وسائل التواصل الاجتماعي، الإباحية، التعصب ـ وبين قوى الإنسنة المحاصَرة من جهة أخرى.

إذا أردت أن تنحاز إلى الأنسنة، فانضم إلى «المحادثة الكبرى». هذا تقليد من الجدل يمتد آلاف السنين، ويضم اللاهوت والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والأدب والموسيقى ودراسة الحضارات العالمية والفنون. إنها محاولة جماعية لإيجاد توازن عملي داخل جدليات الوجود الإنساني الدائمة: التوتر بين الاستقلال والانتماء، والمساواة والإنجاز، والحرية والنظام، والتنوع والتماسك، والأمن والاستكشاف، والحنان والقوة، والعقل والعاطفة. هذه المحادثة لا تنتهي، لأنه لا حل دائما لهذه التوترات، بل محطات استراحة مؤقتة تصلح هنا أو هناك. داخلها يتعلم كل مشارك شيئا عن كيف يفكر، كيف يشعر، ماذا يحب، وكيف ينهض بدوره الاجتماعي.

من أكثر ما يبعث الحماسة في الحياة الأمريكية اليوم أن «نهضة إنسانية» بدأت بالفعل على أحرام الجامعات. كان ترامب سيئا للجامعات، لكنه، على نحو مفارق، كان رائعا لها أيضا. وسط الدمار، دفع قادة الجامعات إلى إعادة التفكير. ربما صار التعليم «مهنيا» أكثر مما ينبغي؛ ربما صارت الكليات أحادية اللون في تقدميتها؛ ربما أن الجامعات أنفقت جهدا كبيرا لخدمة مصالح الطلاب الخاصة حتى أهملت ـ دون قصد ـ الصالح العام. وأنا أرى الآن تغييرات في جامعات أمريكا، من كليات المجتمع إلى جامعات الولايات إلى جامعات النخبة. تأتي التغييرات في أربعة مسارات: أولا، وفرة في المقررات والبرامج التي تسعى لتربية الشخصية والتكوين الأخلاقي. ثانيا، مقررات وبرامج للتدريب على المواطنة والفكر المدني. ثالثا، برامج تساعد الناس على التفكير عبر الاختلاف. رابعا، مقررات تقدم نصائح عملية عن كيف يعيش المرء حياة مزدهرة.

أنظر إلى هذه الجهود بإعجاب وحماسة متزايدين. وسؤالي هو: كيف أشارك؟ أين أذهب لأتطوع؟ (في حالتي تحديدا، يبدو أن الجواب ينتهي إلى نيو هافن، كونيتيكت). وبالطبع، قوى الأنسنة لا تُحتاج في الجامعات فقط، بل داخل كل شركة ومجتمع ومنظمة، حيث ينخرط الناس في البحث الحيوي عن السلوك القويم، والقيادة الأخلاقية، وحكمة أعمق بشأن ما هو مهم حقا. كانت كتبي محاولات لتقديم التفكير الإنساني لجمهور واسع، وأينما ذهبت ألتقي أناسا يتوقون إلى أن يرتفعوا معنويا، ويجوعون إلى حكمة تناقلها الحكماء والأنبياء عبر القرون.

إن كنت قد قرأت أعمدتي، فربما تعرف أن إحدى ملاحظاتي المفضلة في علم النفس تقول إن الحياة كلها سلسلة من الاستكشافات الجريئة انطلاقا من «قاعدة آمنة». الناس يحتاجون قاعدة آمنة. جزء منها عاطفي: ارتباطات غير مشروطة بالعائلة والأصدقاء. جزء منها مادي: العيش في مجتمع آمن مع قدر من الاستقرار المالي. جزء منها روحي: العيش داخل نظام أخلاقي مشترك، وامتلاك الإيمان بأن العمل الجاد سيُكافأ، وبأن المستقبل سيكون أبهى.

أصدقائي في «حركة الوفرة» يقولون إن لدى أمريكا أزمة إسكان، وهم على حق. لكن بصورة أكثر جوهرية، لدى أمريكا «أزمة بيت». عندما لا يؤمن الناس أن لديهم بيتا آمنا عاطفيا وجسديا وروحيا، يصبحون أكثر خوفا من المخاطرة، وأكثر ركودا وسخرية وقلقا وعدوانية.

هذه ليست أمريكا التي يُفترض أن تكون! لقرون اشتكى مراقبون أجانب من أن الأمريكيين ـ إن كان ثمة شكوى ـ مثاليون أكثر من اللازم، متفائلون أكثر من اللازم، سُذّج أكثر مما ينبغي، يندفعون دائما نحو مغامرات جديدة من دون حساب الكلفة. وأكثر هؤلاء المراقبين بصيرة لاحظوا دائما أنه تحت مادية الحياة الأمريكية الخشنة ورياحها التنافسية هناك ريح روحية دافعة تحرّك الأميركيين نحو الحركة والابتكار وتحسين الذات وطرق المستقبل بجرأة. هذه هي طاقة لين-مانويل ميراندا في موسيقى «Hamilton»:» أنا مثل بلدي.. شاب، عنيد، جائع». وهذا هو خطاب تنصيب جون إف كينيدي: «معا دعونا نستكشف النجوم، ونقهر الصحارى، ونقضي على المرض، ونغوص إلى أعماق المحيط، ونشجع الفنون والتجارة».

لو استطاعت أمريكا أن تستعيد قاعدتها الآمنة عاطفيا وماديا وروحيا، ربما نسترد شيئا من جرأتنا القديمة. كان أوسكار وايلد يمزح قائلا إن «الشباب أقدم تقاليد أمريكا». وربما حان وقت أن تنضج البلاد، وأن تجمع طاقة الشباب مع نوع من التواضع والحكمة التي صاغها راينهولد نيبور في إحدى أشهر فقراته:

لا شيء يستحق أن يُفعل يمكن إنجازه في عمرنا؛ لذلك لا بد أن تنقذنا الرجاء.

ولا شيء حق أو جميل أو خير يكتمل فهمه داخل سياق تاريخي مباشر؛ لذلك لا بد أن تنقذنا الإيمان.

ولا شيء نفعله، مهما كان فاضلا، يمكن إنجازه وحدنا؛ لذلك ننقَذ بالمحبة.

ولا فعل فاضل يكون فاضلا بالقدر نفسه في نظر صديقنا أو عدونا كما هو في نظرنا؛ لذلك لا بد أن ننقَذ بأعلى صور المحبة: الغفران.

سأفتقد أشياء كثيرة في كوني كاتب عمود في «نيويورك تايمز» ـ القرّاء، والزملاء، والتعلم الذي لا ينتهي والذي تتطلبه الوظيفة. حتى المسمى الوظيفي وحده يرضي غروري! لكنني أظن أنني وجدت مشروعا وقضية تستحق أن أكرّس لها الفصل الأخير من حياتي المهنية.

شكرا من القلب للجميع.

ديفيد بروكس صحفي وكاتب عمود ومعلّق سياسي ـ ثقافي أميركي مولود في كندا، عُرف لسنوات طويلة ككاتب رأي في نيويورك تايمز، وهو مؤلف لعدة كتب في الأخلاق والسياسة والثقافة.

خدمة نيويورك تايمز

تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي