أمير عصر التحولات

18 يوليو 2026
18 يوليو 2026

مر أسبوع حافل بالأحداث، هكذا الصيف، كأننا نبلغ به أعماق نهر الزمن. لكن في عصرنا حين نبلغ تلك الأعماق ـ ولكثرة التشتيت وسلب الانتباه ـ ننسى تراتب الأهمية، وما المهم من الأهم، حتى أننا قد نخلط بين المهم والتافه، كتلك اللحظة التي تضطر فيها للتسمر أمام إعلان ساذج لا فكرة فيه ولا إبداع من أي نوع، ولا غاية غير أن ينغرس في دماغك بالقوة، وكأنه مصمم لغصب عينيك وفكرك عليه، لا لشيء إلا لأنك تنتظر المادة التالية له على اليوتيوب مثلًا.

لعل أحد أبرز أحداث هذا الأسبوع، بجانب عودة اشتباكات الحرب على مضيق هرمز وتداعياتها، كان رحيل الأمير حمد بن خليفة، ويتزامن ذلك مع الأدوار النهائية لمباريات كأس العالم ٢٠٢٦، والعلاقة هي أن الأمير الراحل كان هو صاحب مشروع نسخة كأس العالم الفائتة في الدوحة ٢٠٢٢م، هو الذي رأيناه قبلها على الشاشات يقفز بهجة لحظة إعلان فوز الدوحة باستضافة كأس العالم، وهو الذي يتزامن رحيله مع أحد الأحلام التي كان يحلمها لبلاده قطر، والتي تحولت في ظل حكمه القصير نسبيًا ١٩٩٥-٢٠١٣م، إلى واحدة من أشهر بلدان العالم وقبلاته في عصرنا على أكثر من وجه وصعيد، كانت الرياضة وكرة القدم وجهًا من وجوه عدة.

في منتصف التسعينيات نزلت صدفة مطار الدوحة لأول مرة في طريقي إلى عمّان، وحين نظرت للمدينة يومها من المطار لم يبرز لي فيها غير فندق الشيراتون، بوصفه أعلى بناء يرى بالعين، ثم حين عدت للدوحة بعدها بعشرة أعوام تقريبًا عام ٢٠٠٦م لم أكد أعثر على فندق الشيراتون إلا بصعوبة من التحول الشامل الذي شهدته المدينة خلال عقد واحد.

في التسعينيات كانت دبي هي الوجهة العالمية الأشهر في الخليج العربي، وكانت الصورة العالمية والعربية للخليج العربي غامضة ومغلوطة وبها الكثير من الاستيهامات وسوء الظن، تلك الصورة التي شاركت في صناعتها الأفلام السينمائية سواء العالمية أو العربية، وكذلك بعض الصحف والأقلام الإعلامية والصحفية، التي كانت تحمل نظرة استشراقية للمنطقة ككل، وللخليج تحديدًا، وكنا نحن كأفراد من ندفع الثمن في النظرات والتعاملات التي نجريها مع الآخر، أحيانًا بوصفنا محدثي نعمة، وأحيانًا بوصفنا سذج..إلخ، وكانت عبارات الخلايجة والبداوة، أو ما يدعى اليوم في النقاشات الأدبية بالاستخلاج، هو النظرة التي تشملنا ككل، أينما ذهبنا خارج بلداننا، إلا فيما ندر.

تلك النظرة احتدمت مع حرب الخليج الثانية وغزو العراق للكويت وهو الأمر الذي حدا بالشاعر خالد الفيصل إلى إطلاق بيته الشهير أيامها لنفي التهمة: «حنا العرب يــا مدعين العروبة/ وحنا هل التوحيد وأنتم له أجناب»، والمواجهة الشعرية إنما كانت انعكاسا للمواجهة الحربية على الأرض، وهو الغزو الذي شق وحدة الصف العربي وما زالت آثاره مستمرة رغم محاولات التجاوز.

كانت تلك النظرة نحو الخليجيين مدفوعة أغلبها بالجهل وأحيانا الاستصغار، وكأننا مجرد كائنات برزت للوجود مع اكتشاف النفط العربي، وكانت تضمر كما يبدو في داخلها شيئًا لا يخفى من الحسد، لكن الواقع، حتى لو قلصنا التاريخ الطويل للجزيرة العربية مما قبل الإسلام إلى مرحلة اكتشافات النفط في القرن العشرين فحسب، فإن هناك الكثير من الأثمان الغالية التي دفعتها هذه الشعوب والصراعات الداخلية التي قادتها تلك التحولات، والتي بلغت إلى الحروب الأهلية والانقلابات والإعدامات والاغتيالات، ولم يكن الأمر أمر صدفة عمياء أو لقمة سائغة أو حظًا، أو مجرد خطط استعمارية للهيمنة، ففي لحظات كثيرة انقلب الأمر حتى على الخطط الاستعمارية نفسها.

أستعيد تلك الصورة اليوم لنقارنها بعصرنا الحالي، حيث تحول الوعي العالمي تجاه المنطقة بفضل التحولات التي حدثت خلال العقود الأخيرة المنصرمة، وكان إحدى تلك التحولات الكبيرة حركة الأمير حمد بن خليفة، التي تجاوزت التحديث الشكلاني الخارجي والظاهري السائد قبلها إلى الحداثة الأعمق والأشمل، والتي أصبحت الطابع الذي دفع باقي دول الخليج باتجاه تحديث واشتباك أكثر عمقًا وبصيرة بالعصر وبالعالم المعاصر، وعدم الاكتفاء بالعيش على هامش العالم أو الحضور الخجول تحت أضواءه البراقة لحظة قبل العودة للظلام من جديد.

ظاهريًا يبدو أن الفكرة المسيطرة على النخب الخليجية حينها كانت هي أن المرحلة ليست أكثر من فورة نفطية ستنتهي، مجرد لحظة زمنية سرعان ما ستتبخر، ولهذه الفكرة دلالات كثيرة منها الأسلوب الذي مارسته تلك النخب وتواطؤها الضمني على ممارسات الاقتناص، والقنص، والتكسب السريع وادخار الأموال في البنوك الخارجية، والاستثمارات الخارجية التي كانت، ولعلها لا تزال أكثر من الاستثمارات الداخلية، هذا غير الممتلكات الشخصية والقصور في بلدان الشمال، والبذخ في الملاهي والمحافل، وهي التي ساهمت جزئيًا في تكوين السمعة السيئة المنتشرة.

طبعًا لم تكن التحولات في التسعينيات وبداية الألفية خالية من العيوب، لكنها دفعت المنطقة كلها نحو مرحلة جديدة وعصر جديد، وكانت أبرز التحولات تلك تحدث في الدوحة، في انفتاح فكري وإعلامي غير مسبوق جعل المنطقة العربية بأسرها تجد نفسها مكشوفة أمام ما تقدمه قناة الجزيرة آنذاك مثلًا، وهي القناة التي تحولت إلى قوة تخدم السياسات القطرية بشكل دفع بقية البلدان لإنشاء قنوات مشابهة لتقاسم تلك المنطقة التي كانت الجزيرة تسرح وتمرح فيها بطلاقة وحرية.

الجزيرة وكأس العالم مجرد مثالين، لعلهما الأبرز، يضاف إليها الاستثمارات التجارية والاقتصادية القطرية بفعل القوة المادية لإنتاج الغاز، لكن التحولات لم تكن شكلية بقدر ما كانت فكرية، وهو الذي جعل العشرية الثانية وهذه الثالثة من القرن العشرين تأتي الخليج بعصر تحولات عالمية شاملة، تعد المنطقة وتنظر إليها كمركز عالمي وتستثمر موقعها الجغرافي المتوسط بين الشرق والغرب، وتحول المواد الخام في بطنها إلى تنمية مستدامة وليست مجرد تنمية مؤقتة تتوقف بنضوب النفط والغاز.

كانت المسألة مسألة رؤية، وجهة نظر وطريقة تفكير، وكل تلك الرؤية جرى تحولها بفعل التغيرات التي قادتها قطر والدوحة والأمير الراحل في المنطقة، وهي التحولات التي لم تكن سهلة ولا يسيرة، بل واجهتها بقية الأنظمة التي كانت تخشى التغيير، بالعداء والتضييق والخصومة والقطيعة، حتى لا يكاد يوجد بلد أو نظام عربي لم يدخل في مثل تلك الخصومة، وتمكنت قطر بسياستها من تجاوز تلك الأزمات التي كان أبرزها وأشدها الحصار الخليجي ٢٠١٧-٢٠٢١م، حين وصل الجيل الشاب في بلدان الخليج إلى سدة الحكم.

كانت ردة فعله تجاه قطر دليلًا على تحول جديد، وفي العمق منه محاولة لتفكيك قوة قطر الناعمة وتأسيس مرحلة جديدة.

لعل عنوان موقع أثير الإلكتروني لم يبتعد عن الحقيقة حين ربط الشبه بين الأمير حمد والسلطان قابوس كقائدي تغيير، فما انكشف عبر الطموحات القطرية التي قادها الأمير حمد هو قدر منطقة الخليج منذ منتصف القرن العشرين كمنطقة ومركز تحولات عالمية. وهو القدر المتناسب مع ثقلها الاقتصادي كمصدر رئيسي للطاقة وهو المركز الذي ظلت السياسات التأسيسية تتجاهله، أو تكتفي بحصد إيراداته المادية لتعظيم ثروات النخبة والطبقات الحاكمة، دون إدراك صيرورة وعمق التحول نفسه كتحول شامل، على كل الصعد بدءًا من الفكر والثقافة العامة، وهو ما تطلب بالضرورة سياسات جديدة مواكبة، وهي تلك النافذة التي افتتحها الأمير القطري الراحل وما زالت تتعمق إلى اليوم عبر مراكز الدراسات والمشاريع الفكرية والثقافية والفنية الكبيرة.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني