العلم والثقافة بوصفهما أسسًا للحكم الرشيد
18 يوليو 2026
18 يوليو 2026
في زيارته الأخيرة لجمهورية فرنسا، زار جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقر اليونسكو - منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – وألقى خلال الزيارة كلمة أكد فيها دعم سلطنة عمان المستمر لجهود المنظمة، وأشار إلى إطلاق «جائزة اليونسكو – السلطان هيثم للتراث الثقافي غير المادي» تمنح للمؤسسات والمنظمات والمراكز والمعاهد العلمية والثقافية والهيئات الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجال التراث الثقافي غير المادي، وهي امتداد لرسالة عمان في سياساتها الداخلية والدولية بأن تكون الثقافة عنصرًا أساسيًا من منظومة التنمية الوطنية، وبناء الإنسان، وواقعة التحضر، كما في كونها رسالة لتقريب الشعوب، وتعزيز أطر التفاهم انطلاقًا من سعي البشر للمعرفة والتعارف.
في حيثياتها فإن الزيارة تقرأ في سياق أوسع من أطرها البروتوكولية؛ خاصة في توقيتها من ساعة العالم، الذي تحتدم فيه الصراعات ويكاد لا يصحو إلا على قارعة صراع جديد، مادي في العسكرة والمال والاقتصاد والاحتكاك المباشر، أو معنوي في الأفكار والملاسنات الحضارية والإيديولوجيات والقيم المتضاربة والمتصارعة؛ لغاية أن أصبح الصراع هو الطبيعة، والسلم والتفاهم والتحاور هو الاستثناء والحدث.
ولذلك، فإن الزيارة في رسائلها الضمنية هي تأكيد على دور التربية والعلم والثقافة بوصفها جوامع إنسانية، متى ما استطاعت البشرية الالتفاف حولها، والإيمان بقيمتها، وتوظيفها كأطر للتعاون والنمو متى ما حافظت على قدر من التفاهم والحالة الإنسية التي أصبحت غائبة ومهددة في عالمنا.
كما أنها رسالة لتعميق منظور عمان للتنمية ومقاصد رؤيتها 2040 في التوازن بين النمو المادي والفكري للفرد والمجتمع، فقد أكد جلالته – أعزه الله – في سياق خطابه أمام المنظمة «.. التأكيد على التزام سلطنة عمان الراسخ بدعم رسالة منظمة اليونسكو السامية التي تنسجم مع رؤية «عمان 2040»، والعمل جنبا إلى جنب مع المجتمع الدولي من أجل تعزيز دور المنظمة المحوري في مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصال، بما يسهم في ترسيخ أسس السلام المستدام، وتعزيز قيم التسامح والتفاهم، ودعم مسارات التنمية والازدهار الإنساني في عالم أكثر توازنًا وعدلًا واستقرارًا».
على الجانب الآخر يمكننا أن نقرأ الزيارة والخطاب السامي بأنهما تأكيد على ضرورة التمسك بـ«الآليات الدولية»؛ سواء كانت تلك الآليات في صيغة مؤسسات أو منظمات أو مراكز أو قوانين ومعاهدات وتوافقات دولية، والحفاظ على ما تبقى من حد أدنى من تماسكها في ظل ما تواجهه اليوم من ضغوط على مستوى الديمومة والتمويل والشرعية وضعف الاحتكام لآلياتها وأعرافها أمام صعود لتيارات الشعبوية السياسية والثقافية، وتنامي النزعات القومية في مختلف معسكرات العالم، الأمر الذي دفع خلال السنوات الماضية إلى تراجع الثقة بالعمل متعدد الأطراف. فكل ما يحدث هو محصلة طبيعية لاحتدام الاستقطاب السياسي وتضارب المصالح بين القوى الكبرى إلى إضعاف قدرة هذه المؤسسات على بناء التوافق والاستجابة الفاعلة للأزمات وقوض قدرة بعضها على أداء أدوارها ورسائلها الأساسية، عوضًا عن تسييسها بقبضة التمويل أو النفوذ.
وفي المقابل، توسعت الخطابات التي تشكك في شرعية المنظمات الدولية مما انعكس على حدود تأثيرها وصورتها كموجهات للتوافق العالمي، وبسبب هذه الحالة أصبحت بعض الدول متخلفة عن أداء التزاماتها المالية تجاه هذه المنظمات - ومنها دول كبرى - مما حدا بمسؤولي الأمم المتحدة إلى التحذير من أزمة مالية وشيكة.
الشعوب بطبيعتها عالميًا ما زالت تؤمن بالتعاون العالمي، وبتفعيل آليات العمل متعدد الأطراف، وهذا ما تطرحه استطلاعات عديدة وتؤكد عليه فقد أظهر مسح دولي نشر في 2025 أن 75% من المشاركين يؤيدون التعاون العالمي عندما يثبت قدرته على حل المشكلات. لكن المشكلة هي في الخطابات السياسية التي أصبحت تدفع بشكل واضح نحو تقديم السيادة الوطنية والمنظور القومي والقطري على الالتزامات الجماعية. مما يضع مؤسسات كبرى وقوانين وآليات قائمة أمام تحدٍ لاستعادة الثقة وتعزيز العدالة والتمثيل والفاعلية في صناعة القرار العالمي.
تقرأ الزيارة ويقرأ قرار تخصيص الجائزة بوصفهما تعزيزا لصورة عمان بوصفها راعيًا تاريخيًا للاستقرار الحضاري عبر الحقب المتوالية، سواء كانت محركاته أو مهدداته سياسية أو ثقافية أو فكرية.
وتؤكد عمان أنها تراهن على هذه الوظيفة كسردية وطنية، وأداة للقوة الناعمة؛ فهما انصرف العالم إلى منطق الصراع، وحشد من القوة للمواجهات المحسوبة وغير المحسوبة؛ تظل التربية والعلم والثقافة آليات للبناء والتصحيح، ومسارات تشهد التجارب التاريخية أنها هي مدخل إعادة التعمير سواء في المستوى المادي أو على مستوى الإنسان، وفكره وقيمه، ومنظوره الأساس نحو السلم والتنمية والبقاء.
ويأتي الدعم السامي الكريم من منبر دولي ارتباطًا بما عرف في سيرة جلالته من اهتمام وافر بالثقافة ورعاية لها في مختلف أشكالها ومناشطها.
كما أن الخطاب أكد على دعم سلطنة عمان لجهود المنظمة في مجالات أخرى كالذكاء الاصطناعي والتغير المناخي وصون البيئة وتعزيز مبدأ الدراية الإعلامية.
وهذا يقودنا إلى سؤال محوري؛ أين يمكن أن تتموضع عمان في خارطة تعزيز التعاون الدولي؟ ونعتقد أن هذا المشهد العالمي ـ على تشظيه ـ يتيح فرصًا مهمة لتموضع سلطنة عمان في قيادة بعض مجالات التعاون الدولي والإقليمي والإنساني، اتساقًا مع رسالتها، وميزتها، وجغرافيا وجودها.
حيث يمكن لسلطنة عمان أن تشكل مدرسة للدبلوماسية الوقائية استنادًا على إرثها التاريخي في فهم الصراعات وحلحلة القضايا الدبلوماسية، وتوجيه مسارات التفاهم السياسي حتى في أكثر القضايا تأثيرًا وانقسامًا وحدة.
كما يمكن لها قيادة تعاون دولي نوعي في بناء التفاهمات لحماية المياه والطاقة والاتصالات والخدمات الأساسية خلال النزاعات وهي قضية تتجدد باستمرار وتلقي بآثارها على الحالة الإنسانية لعقود طويلة.
كما أن هناك فرصة مواتية اليوم لقيادة حوار دولي حول الثقة الرقمية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الأزمات وتعزيز منظورات الدراية الإعلامية والسيبرانية الوقائية في أوقات الاضطرابات والمخاطر، بالإضافة إلى فرصة أخرى في توظيف إرثها البحري والحضاري في قيادة مشروع تعاون إقليمي حول بناء ذاكرة مشتركة لدول المحيط الهندي وحماية التراث الحي الموازي لتلك الذاكرة باعتبار امتدادها وصلاتها الحضارية التي تشكلت حول المحيط والنشاط التاريخي والحضاري الذي عرفه عبر الزمن.
إن العالم اليوم بقدر ما يعرف لغة الصراع، يرنو إلى التفاهم، وإن رغبة الشعوب والإنسانية في الوئام ستنتصر يومًا على شهية المخاطر والصراعات.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان
