الشرق الأوسط ينجرف إلى الفوضى
18 يوليو 2026
18 يوليو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
تستمر الحرب في إيران، بالتوازي مع المحادثات الرامية إلى إيقافها. وفي حين أن كلا الطرفين يود لو أن الحرب تنتهي، فإن هذه الحالة البرزخية تلحق فوضى عارمة بالاقتصاد والسياسة في إيران، بينما تتسبب في فقدان حركة ماجا لشكلها الطبيعي المعهود. غير أن واقعا قد يكون الآن في طور الترسخ، حيث يستمر القتال ببساطة دونما هدف، شأنه شأن محادثات السلام نفسها. وشأنه أيضا شأن السفن العالقة في مضيق هرمز.
تقدِّر الولايات المتحدة أن الحصار البحري، في غياب مذكرة للتفاهم، يمكن أن يحجِّم طهران اقتصاديا ويضيِّق عليها مجال المناورة بما يرغم طهران في نهاية المطاف على الرجوع إلى طاولة المفاوضات.
وقد أفلح شكل من أشكال هذا التكتيك في الدفع إلى الاتفاق النووي عام 2015 حينما شعرت إيران أنه من الضروري أن تتفاوض بعد ما عانته من آلام العقوبات التي مضت تنعكس على الشارع.
وبالمثل تقدِّر إيران أن عجز الولايات المتحدة عن تسديد ضربة قاضية وهوس ترامب بأسواق الأسهم يعطيانها ميزة في هذه اللعبة الدموية المتصاعدة.
لعل طهران تغالي في تقدير قدرتها على احتمال مزيد من الضغط الاقتصادي، وهي تغالي أيضا في تقدير مدى مبالاة الولايات المتحدة بهذا الصراع. وبالمثل، لعل الولايات المتحدة منصرفة عن حقيقة أن إيران لا تبالي كثيرا، ومن ثم فهي عازمة أشد العزم على أن تتقبل الآلام الاقتصادية والاجتماعية، ما دامت لا تهدد سيطرة الحرس الثوري على مفاصل السلطة.
وثمة أشخاص معينون في طهران يميلون إلى محاولة انتظار خروج ترامب لكي يروا من سيخلفه. فلعل رئاسة على رأسها جيه دي فانس تكون أقل ارتباطا بإسرائيل مثلما يعتقدون، بل لعلها تكون أشد سخاء مع الجمهورية الإسلامية عندما يتعلق الأمر بالتنازلات، بدافع من الرغبة في إنهاء ما يخشى فانس من أن يتحول إلى حرب أبدية.
ولكن في حين أن كلا الطرفين يجرب لعبة الجمود، فإن عواقب غير مقصودة آخذة في الظهور. إذ يبدو أن الجولة الأخيرة من الضربات قد أضرت قضية المفاوضين الإيرانيين الذين كانوا يرون أن يقبلوا بسخاء الولايات المتحدة والمساعدات الاقتصادية، فحل بدلا منهم، مع تزايد اهتراء مذكرة التفاهم، المتشددون الدينيون في طهران ممن يزداد صوتهم علوا الآن، فهم يصيحون قائلين «لماذا يجب أصلا أن نثق في الأمريكيين؟» وتتردد في هذا السؤال مقولة علي خامنئي بأن أي صفقة مع الولايات المتحدة سوف تنتهي على الدوام نهاية سيئة، وهو نفس المعنى الذي كرره مجتبى خامنئي. لكن هذه المعارضة الإيرانية للمفاوضات تنم عن معارضة أعمق للإغاثة الاقتصادية من خلال الاستثمارات الأمريكية والغربية.
فالمتشددون يرون ها هنا حصان طروادة، إذ تتحول المساعدة الاقتصادية إلى نفوذ فاسد للرأسمالية الجامحة والمادية، وكلاهما يهدد ـ بحسب ما يرى هذا الرأي ـ النقاء الثوري.
ومع استمرار الضربات وتراجع المحادثات، تضعف القوة التفاوضية لدى قاليباف ومن معه أمام خصومهم الداخليين. ولا يزال الحرس الثوري الإيراني وقاليباف مسيطرين على مفاصل السلطة، لكن ما من ضامن لاستمرار هذا الوضع، وهذا تطور من شأنه أن يزيد من ضيق المساحة القائمة للحوار والمخارج الممكنة.
وفي المنطقة الأوسع قد تظهر هذه التبعات غير المقصودة على أوضح ما يمكن. فمن ذا الذي كان يمكن أن يتصور، على سبيل المثال، أن تؤدي الإطاحة بصدام حسين في عام 2003 إلى أن تحقق إيران طموحها القديم بالسيطرة على السياسة في العراق؟ وبالمثل من ذا الذي كان ليتنبأ بأن القضاء على البعث في العراق سوف يكون وقودا مباشرا لصعود داعش؟ والآن تريد الولايات المتحدة تقليص وجودها في الشرق الأوسط، وكانت الاتفاقية التي أبرمت بين إيران والمملكة العربية السعودية في عام 2023 بوساطة من الصين هي التبعة الكبرى الأولى لذلك التحول في السياسة. كما أننا رأينا دليلا على دبلوماسية أكثر استقلالا في عام 2025 حينما قام وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بزيارته التاريخية إلى طهران.
وتدرك الدوحة أن دوام الصراع مع إيران، بما يضع بنية الطاقة الأساسية لديها وقدرتها التصديرية في مهب الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، إنما هو وضع لا يمكن القبول بدوامه. ولذلك فإن قطر تدرس الاستثمار في إيران، وذلك نهج براجماتي وسياسة واقعية، ومن شأنه أيضا أن يفضي إلى توتر بين الدوحة وواشنطن.
وتحالف الإمارات العربية المتحدة الناشئ مع إسرائيل يزيد من تآكل الإحساس بالإجماع الاستراتيجي في الخليج والشرق الأوسط.
وبدون قوة أمريكية تحقق الاستقرار، ثمة مخاطرة بالتشرذم.
ولقد سألني واحد من الشخصيات السياسية في المنطقة هذا الأسبوع: هل يسعون إلى الإطاحة إيران، أم هم ببساطة يسعون إلى إضعافها؟ ولو أن الأمر كذلك، فماذا في الجانب الآخر إلا إيران غاضبة وراغبة في الانتقام؟»
لعل الدرس الأكبر في هذا المقام هو أن التحالفات مهمة في الجغرافيا السياسية. والتحالفات تقوم على مستوى ما من القدرة على التنبؤ القائم ضمن نظام ما، سواء أكان هذا النظام تجاريا أم مخابراتيا أم دبلوماسيا.
وهذه التحالفات تثمر الثقة وتتحول في نهاية المطاف إلى إلى كلٍّ أكبر من مجموع أجزائه. وبدون التحالفات نخاطر بإنهاء هذا النزر القليل من القدرة على التنبؤ والنظام في المنطقة.
تشارلي جامل مؤرخ ودبلوماسي سابق عمل في قسم إيران بوزارة الخارجية البريطانية
الترجمة عن ذي سبكتيتور
