عندما تتوقف الصواريخ ولا يصمت الإعلام

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

لا أستطيع أن أفصل علاقتي بفكرة الحرب عن ذاكرتي الشخصية. كانت حرب أكتوبر 1973 أول حرب تحفظها ذاكرتي، وكنت وقتها تلميذا في المرحلة الابتدائية أسمع الكبار يتحدثون عن الجبهة وسيناء والعبور والبيانات العسكرية، وأرى كيف تتحول نشرات الأخبار إلى جزء من حياة الناس اليومية ومشاعرهم.

لم أكن أفهم السياسة كما أفهمها الآن، لكنني كنت أشعر أن شيئا كبيرا يحدث، وأن الخوف والقلق والشجاعة والترقب يمكن أن تجتمع في شارع واحد وفي اللحظة نفسها.

منذ ذلك الوقت لم تغادر الحروب منطقتنا طويلا، ولم تغادرني تلك العلاقة القلقة معها، ولا المفارقات الصارخة بين ما يقال في الإعلام، وما يجري على الأرض، وما يبقى بعد ذلك في الوعي والذاكرة.

بعد حرب أكتوبر لم تبتعد الحروب عن ذاكرتي. انتقلت المواجهات إلى أراض ودول عربية أخرى، بدءا من لبنان؛ حيث امتدت الحرب الأهلية نحو خمسة عشر عاما، وتخللها الغزو الإسرائيلي وما أعقبه من مجازر صبرا وشاتيلا.

وجاءت الحرب العراقية الإيرانية، الطويلة والقاسية، لتكشف كيف يمكن لصراع واحد أن يبتلع سنوات كاملة من عمر الدول والشعوب. بعدها وقع غزو الكويت ثم تحريرها، بما حمله ذلك من صدمة عربية عميقة وسقوط مؤلم لفكرة الأمن القومي العربي، مع تدفق غير مسبوق للصور الحية التي جعلت الحرب تدخل البيوت كحضور يومي ثقيل.

ثم جاءت الحرب على العراق في مطلع الألفية الجديدة، ثم الحروب الأهلية التي أعقبت الربيع العربي في سوريا واليمن والسودان.

ومع كل ذلك ترسخت لدي قناعة بأن الحرب لا تنتهي حين تتوقف العمليات العسكرية؛ فهي تظل حاضرة في اللغة، وفي الصور، وفي الخرائط، وفي الطريقة التي يعتاد بها الناس سماع كلمات مثل: الضربات الجوية، والدبابات، والتصعيد، والصواريخ الباليستية، وبنك الأهداف، كما لو كانت مفردات عادية في حياة طبيعية.

بين هذه الحروب الكبرى كانت فلسطين وغزة حاضرتين دائما في الوعي العربي كجرح مفتوح. وكانت إيران حاضرة أيضا في الذاكرة السياسية العربية منذ الثورة الإسلامية وما أعقبها من تحولات كبرى، وهو ما التقطه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل مبكرا في كتابه «مدافع آية الله: قصة إيران والثورة»، حين حاول أن يقرأ إيران خارج الصور السهلة والأحكام السريعة.

في ضوء كل ما سبق، لم أقرأ الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لوقف التصعيد حولها كخبر سياسي سريع يمر في شريط الأخبار. رأيت فيه فرصة نادرة لاختبار قدرة المنطقة والعالم على حماية لحظة هدوء وسط تاريخ طويل من الصراع وسوء الفهم.

ومع الوقت تعلمت من هذه الذاكرة الطويلة مع الحروب أن آثارها لا تبقى في المباني المهدمة وأرقام الضحايا والخسائر المادية فقط. تبقى الحروب أيضا في اللغة الإعلامية التي تستمر بعد أن تصمت الأسلحة، وفي الكلمات التي تشتعل في العقول، وفي العناوين التي تهيئ الناس لجولة جديدة من الخوف، وفي الصور التي يعاد تدويرها حتى يبدو التصعيد وعودة الحرب قدرا محتوما. لذلك اعتدت أن أتعامل مع أي اتفاق يفتح باب التهدئة كفرصة أولى، أو بادرة حسن نية، تحتاج إلى من يحميها من الذين اعتادوا إغلاق النوافذ، ومن الذين لا يرون في المنطقة سوى ساحة دائمة للابتزاز والحروب بالوكالة.

أدرك أن الاتفاق الذي أُعلن بين الولايات المتحدة وإيران لن ينهي صراعا معقدا بجرة قلم. ومع ذلك أراه لحظة مختلفة في منطقة لم تعرف لحظات الهدوء كثيرا.

فمنذ زرع الكيان الصهيوني في قلبها، اعتادت هذه المنطقة أن تدفع أثمانا باهظة لحسابات الآخرين، وأن تستيقظ على قرارات مفاجئة لا تشارك دائما في صنعها، ثم تتحمل آثارها الأمنية والاقتصادية والإنسانية. لذلك تبدو التهدئة الجديدة فرصة سياسية وإنسانية تحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة، وفي مقدمتها حكمة الإعلام في التعامل مع الأزمات.

يرتبط دور الإعلام في هذه اللحظات بقدرته على خفض حرارة الصراع ومقاومة إغراء التصعيد. فقد رأينا في حروب كثيرة كيف تسبق اللغة السلاح، وكيف تتحول غرف الأخبار والاستوديوهات والعناوين الكبيرة إلى مساحات تصنع مزاجا عاما مهيأ لتقبل الحرب. يبدأ الأمر بتكرار الحديث عن الضربة المقبلة، ثم تتسع مساحة التحليلات العسكرية، ويجد الناس أنفسهم أمام خطاب يصور عودة الحرب كأنها أمر لا مفر منه، ويجعل التفاوض والتهدئة مجرد تفصيل مؤقت في طريق مواجهة أكبر. هنا لا يكتفي الإعلام بنقل الأزمة، وإنما يشارك في التمهيد النفسي لها.

تعامل الإعلام الدولي طويلا مع منطقتنا كما لو أنها مسرح دائم للحروب. ففي جانب كبير من التغطيات العالمية يختصر الشرق الأوسط في ممرات نفطية، وقواعد عسكرية، وميليشيات، وعقوبات، وصواريخ، وتحالفات مؤقتة. وفي ظل هذا الاختزال تتراجع وجوه البشر، والمجتمعات، والاقتصادات التي تبحث عن النمو والاستقرار.

ومع تكرار هذه الصورة، تبدو الحرب جزءا من المشهد الطبيعي للمنطقة، ويبدو السلام طارئا على تاريخها، وتترسخ في نظر العالم صورة الشرق الأوسط كمساحة قابلة للاشتعال في كل لحظة.

الإعلام العربي معني بهذه اللحظة من موقع أكثر قربا وحساسية. فكل تصعيد في هذه المنطقة يصل أثره إلى بيوت الناس، وغذائهم، ومدارسهم، وموانئهم، وأمنهم اليومي. ومن ثم فإن التعامل مع التهدئة باعتبارها مصلحة عامة لا يقل أهمية عن نقد تفاصيل الاتفاق ومساءلة أطرافه. والإعلام الجاد يستطيع أن يحافظ على مسافة مهنية من الاتفاق من دون أن يتحول إلى دعاية له، ومن دون أن يبقى أسيرا للرؤى التي ترى في كل خفض للتوتر خسارة.

وتزداد أهمية هذا الدور حين يشرح الإعلام معنى التهدئة بلغة الناس، ويوضح أثر خفض التصعيد في أسعار الطاقة، واستقرار الملاحة والتجارة، وطمأنينة المدن التي تخشى أن تتحول إلى ساحات مواجهة، وحياة الأسر التي أنهكتها الأخبار الثقيلة. فالسلام لا يصبح قيمة عامة بمجرد توقيع وثيقة. إنه يحتاج إلى سردية عقلانية وإنسانية تجعل الناس يرون في منع الحرب حماية لمصالحهم وحياتهم، وفي الحفاظ على الاستقرار قوة سياسية وأخلاقية، وفي الخروج من منطق الضربة والرد مكسبا حقيقيا لشعوب المنطقة.

لا يمكن تجاهل أن بعض القوى لا ترى مصلحتها في دخول المنطقة مرحلة تهدئة طويلة. وفي مقدمة هذه القوى حكومة نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتطرف والصهيونية العالمية التي تبني جانبا مهما من استراتيجية وجود الكيان على مزاعم الخطر الدائم وتوسيع دوائر التهديد. وكلما اقتربت المنطقة من تهدئة محتملة، ارتفعت أصوات التحذير والتشكيك والتحريض، لأن تراجع خطاب الحرب يضعف واحدة من أهم الأدوات التي جرى استخدامها طويلا لتبرير العدوان والهيمنة. من هنا ينبغي ألا تمر عبارة «المخاوف الإسرائيلية» كما لو كانت حقيقة نهائية، أو وصفا محايدا لا يحتاج إلى تفكيك.

وتستحق الدبلوماسية الهادئة مساحة أكبر في التغطية الإعلامية. ففي منطقتنا يملك الذين يشعلون الأزمات صوتا أعلى في الغالب من الذين يحاولون تطويقها. ومع ذلك تظل قيمة الوساطة، والتدرج، وبناء الثقة، والبحث عن المخارج الممكنة، جزءا أساسيا من أي جهد يحمي المنطقة من العودة إلى دوائر العنف. فالتغطية التي تلاحق التصريحات الساخنة وحدها تمنح الضجيج أكثر مما يستحق، وتترك العمل الهادئ في الظل.

لقد أنهكت الحروب هذه المنطقة، وراكمت في وعي شعوبها خوفا طويلا من الجولة التالية. وإذا كان الإعلام لا يصنع التسوية النهائية، فإنه يستطيع أن يحمي الطريق إليها من التشويه المبكر، وأن يذكّر الجمهور بأن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر وحده، وإنما تلك العادة الذهنية التي تجعل تكرارها أمرا مقبولا.

وإذا كان هذا الاتفاق قد فتح ثغرة صغيرة في جدار التوتر، فإن واجب الإعلام أن يساعد على إبقائها مفتوحة.