الطريق نحو السلام يمر عبر هرمز
05 أغسطس 2026
05 أغسطس 2026
ثلاثة أمور لم يكن أكثر المحللين دراية وعمقا وقربا من مطابخ القرار في العواصم ذات الارتباط والصلة الوثيقة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يتوقع حدوثها عشية انطلاق حمم القاذفات وتساقط القنابل والمتفجرات الأمريكية والإسرائيلية على أهدافها في عمق الأراضي الإيرانية نهاية فبراير الماضي.
الأمر الأول الذي لم يكن ضمن حزمة التنبؤات القائمة على استخدام أدوات تحليل البيانات والمعلومات، هو أن تتجاوز الحرب على إيران القيد الزمني الذي ضُرِب لها والذي قدر لها وبحسب تسريبات رشحت حينها تتحدث عن سقف زمني مداه أربعة أسابيع كحد أقصى، والحرب الآن دخلت شهرها السادس.
الأمر الثاني الذي لم يكن متوقعا هو أن تستطيع إيران الصمود في وجه الآلة العسكرية الضخمة والشرسة لخصمين لدودين تناصبهما العداء وتقف على الحلبة تقاوم وهي مثخنة بالجراح دون أن تسقط وتستسلم، وهو عين ما حدث واعترف به الرئيس ترامب بقوله في إحدى تصريحاته إن الإيرانيين «أظهروا صمودا ومقاومة كبيرين وقدرة عالية على التحمل والصلابة».
والأمر الثالث وهو الأكثر أهمية والأكثر بُعدا عن التوقع من بين الأمور الثلاثة، هو أن يدخل مضيق هرمز بقوة ضمن معادلة الحرب ويصبح بمثابة نقطة ضعف أمريكية، ومحور ارتكاز لإيران وورقة فاعلة في يدها تمكنها من قلب ميزان القوة لصالحها وهي تواجه وحدها قوة توفرت لها كل عناصر القوة والبطش والجبروت التي من شأنها إلحاق الهزيمة بها بيسر وسهولة، والواقع الحالي يشير إلى أن طهران نجحت إلى حد كبير في فرض إرادتها وتصورها فيما يتعلق بالوضع بمضيق هرمز وأحسنت استخدام هذه الورقة التي لم تكن ضمن حساباتها في خطتها الدفاعية صبيحة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها، وهذه واحدة من إفرازات وتفاصيل وتداعيات الحرب التي حتمت توجيه بوصلة الأحداث على غير ما أراد لها من أشعلوها.
يقول الأديب الروسي تولستوي في رائعته الأدبية رواية «الحرب والسلام»: «التاريخ ليس هو ذاك الذي يصنعه الرجال الكبار، بل الآخر الذي تحتمه مجموعة كبيرة من الأسباب والتفاصيل في تراكمها».
تولستوي يقول ذلك وكأنه يصف ما يجري على خشبة مسرح السياسة الدولية في زماننا هذا، وما يدور من أحداث في الفصل المسرحي الذي نعيش تفاصيله الآن في المنطقة حيث تعتقد بعض القوى الأجنبية غريبة اليد واللسان أن باستطاعتها إعادة كتابة تاريخ المنطقة وتحويل مساره في الاتجاه المعاكس بقصف جوي بأطنان من القنابل الذكية أو غير الذكية مصحوبة بتصريحات وثرثرات نارية، وما درى هؤلاء (الكبار) أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.
وأن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب والتفاصيل المتراكمة عبر التاريخ تحول دون نجاح القنابل وترسانات السلاح في كسر إرادة الشعوب وإعادة صياغة تاريخها.
والحروب لا تدار على طريقة كتاب السيناريو وشركات الإنتاج السينمائي التي تتحكم في كل تفاصيل الفيلم، وتسوق الأحداث المصنوعة سوقا نحو النهاية التي يريدها المنتج بسهولة ويسر، الحرب لا يمكن التحكم في مسارها ولا يمكن وضع كيفية لنهايتها ولا قيد زمني تنتهي عنده.
هي شيء يشبه المارد حين يخرج من قمقمه تصعب السيطرة عليه وقد يكون من أخرجه من محبسه أول ضحاياه، لذلك فإن الكبار وصناع التاريخ بحق هم أولئك الذين يجعلون الحكمة مدادا لكتابة التاريخ وسَوْس البشر وأساسا لبناء علاقاتهم مع الآخرين واحترام حضاراتهم وثقافاتهم وقيمهم وعدم الطمع في مواردهم ومقدراتهم أو الاستهانة بقدراتهم والمبالغة في التقليل من شأنهم، والإساءة إليهم.
إن ما انتهت إليه المحادثات أمس الأربعاء بشأن مضيق هرمز يعتبر علامة فارقة في خضم الأحداث الجارية ومحطة مهمة في مسار الحرب الأمريكية على إيران؛ فبعد 160 يوما من الحرب وما صاحبها من تطورات وأحداث وخسائر في الأرواح ودمار في المنشآت عاد الجميع مرة أخرى إلى المربع الأول، إلى يوم 26 فبراير الماضي قبل الحرب بيومين حيث عقدت الجولة الثالثة والختامية من المفاوضات بين طهران وواشنطن برعاية معالي السيد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي لبحث الملف النووي وملف رفع العقوبات الأمريكية على إيران، لكن واشنطن قلبت الطاولة على نحو فاجأ الجميع بشنها الحرب بعد يومين فقط من وصف مسؤول أمريكي لها بأنها كانت إيجابية، ووصف وزير الخارجية الإيراني لها بأنها كانت الأفضل من بين الجولات، مما أشاع حالة من التفاؤل بحدوث تقدم والوصول إلى اتفاق مرضٍ للطرفين لكن القنابل الأمريكية أحالت التفاؤل إلى حالة من الصدمة وقضت على آخر الآمال في سلام يفكك الأزمة.
الحكمة العمانية كانت سابقة لكل التقديرات من كل الأطراف، فلو أن واشنطن صبرت واستمرت بالسير على مسار التفاوض الذي رعته عُمان وشارف على بلوغ محطته الأخيرة ما كانت ألسنة نيران الحرب لتتمدد، وما كان لأزمة مضيق هرمز لتطفو على السطح وتفرض نفسها بهذه القوة والتأثير على الجميع.
عُمان سبقت الجميع في تقدير عواقب الخيار العسكري وثماره المُرة فكانت حريصة دومًا وما تزال على إنفاذ المسار السلمي وجعله الخيار الأوحد، وحذرت من تداعيات الحرب ليس فقط على أمن واستقرار دول المنطقة، بل على أمن واستقرار العالم بأسره وهو ما أثبتته الأحداث.
ومن مفارقات هذه الحرب أن من هدد في لحظة عَمى بصيرة عُمان بالأمس هو اليوم يستظل بظلها وينتظر واقفا على هامش طاولة مفاوضات جمعت مسقط وطهران للتشاور حول مضيق هرمز ليبني على ما يتمخض منها من نتائج.
بعد أن أدرك بيقين أن مسقط هي نافذته الوحيدة للخروج من المأزق وأن القوة الحقيقية ليست في حيازة العدة والعتاد العسكري وشن الحروب، وإنما هي في القدرة على صنع السلام.
وعُمان تصنع السلام عبر دبلوماسيتها ذات النظرة الثاقبة وصبرها الاستراتيجي ونهجها المرن، والقوى العظمى الحقيقية هي التي تصنع السلام، وليس التي تنشر الخراب.
عاد الجميع إلى مسقط ينشدون السلام والعود أحمد والسلام أولى أن يطلب وينشد. إن الطريق إلى السلام يمر عبر مضيق هرمز باتفاق ذكي يعطي كل ذي حق حقه ويقدم أنموذجا فريدا يحتذى في القبول بالحلول الوسط ومبدأ التسوية القائمة على العدالة والاحترام بعيدا عن التغول والحيف والظلم.
