الإعلانات التسويقية لشركات الاتصالات بين الحقيقة والتضليل
05 أغسطس 2026
05 أغسطس 2026
ما أكثرها الإعلانات التسويقية التي تروج لها شركات الاتصالات للخدمات التي تقدمها للمشتركين عبر وسائل التواصل المختلفة سواء المتعلقة بالهواتف المتنقلة، أو خدمات الإنترنت، أو الخدمات الإضافية التي تتنوع حسب الاشتراكات الشهرية أو السنوية. الهدف الذي تنشده شركات الاتصالات من الإعلانات التسويقية لمنتجاتها الحصول على شريحة أكبر من المشتركين للمحافظة على علامتها التجارية والعمل على نمو أرباحها السنوية.
فيما يخص قطاع الاتصالات، هناك ثلاث شركات رئيسة تقدم خدمات الاتصالات، وهي: الشركة العمانية للاتصالات (عمانتل)، الشركة العمانية القطرية للاتصالات (أوريدو)، الشركة العمانية لاتصالات المستقبل (فودافون عمان) مع شركة رابعة مختصة بتقديم خدمات الإنترنت، وهي أواصر عمان. عليه فدخول فودافون وأواصر فتح مجالا أوسع للمنافسة ومنع الاحتكار، وأيضا أسهم ذلك في تقديم خدمات متنوعة وباقات وأسعار مختلفة مما زاد من حجم الإعلانات التسويقية في سوق الاتصالات، الأمر الذي قد ينتج معه نوع من التضليل في تلك الإعلانات التسويقية.
وقد تكون أهم نقلة نوعية التي عززت من المنافسة هي خيارات المشتركين الدخول في الباقات الشهرية (المفوترة) للهواتف المتنقلة، دون إلزام المشتركين في التعاقد السنوي مع شركات الاتصالات وفي الانتقال السلس بين الشركات. وبالتالي، بعد مرور مدة من الزمن أصبحت شركات الاتصالات لا توجه إعلاناتها للباقات الشهرية التي توفر دقائق أكثر، وإنما إلى الإعلانات التسويقية للباقات التي توفر خيارات أكثر لحجم البيانات (Data) وسرعتها، لأن نمط التواصل والتراسل تغير جذريا من الاتصال عبر المكالمات الهاتفية إلى استخدام التطبيقات الإلكترونية المختلفة.
وإن كان المجال ليس لسرد كثير من الإعلانات التسويقية لشركات الاتصالات إلا ما يتطلبه المقال من التوضيح والتحليل. على سبيل المثال، هناك إعلان من إحدى الشركات تقول فيه «أسرع إنترنت في سلطنة عُمان لمدة سبع أو ثماني سنوات على التوالي». هذا الإعلان قد يكون حقيقيا حسب تقييم الجهات الفنية المعنية التي تعمل على قياس سرعات الإنترنت، ولكن التعميم بأن الإنترنت هو الأسرع الذي تقدمه الشركة في سلطنة عُمان قد يكون فيه نوع من التضليل للمشتركين نظرا لأن الشركة صاحبة الإعلان تغطيتها للخدمات المتعلقة بالإنترنت محدودا قياسا بالنطاق الجغرافي لأماكن الحصول على الخدمة في سلطنة عُمان. كما أن قياسات سرعات الإنترنت تُؤخذ من المشتركين الحاليين، والذين يتمركزن في نطاق جغرافي محدد، ولا يمثلون عينات مختارة من القرى والولايات والمحافظات بشكل واسع.
ومن أغرب الإعلانات التي قد يشوبها التضليل عن الحقيقة، قيام بعض الشركات بالإعلان بما معناها «لأول مرة في سلطنة عُمان استمتع بخدمة الإنترنت بلا حدود مع مودم...». هذا الإعلان يوحي بأن تقنية المودم الذي تستخدمه الشركة يعتبر الوحيد في سلطنة عُمان، ولكن بعد مقارنة ما ورد بمضمون الإعلان يتضح بأنه ليس كذلك. فهناك أجهزة متطابقة لنفس الميزات تقدمها شركات الاتصالات الأخرى، وقد يكون البعض منها أكثر تقدما من الناحية الفنية، مما ورد في إعلان الشركة السابق ذكره.
تتعدد صيغ الإعلانات التسويقية لشركات الاتصالات، والتي نقول: بأنها ليست جميعها تضليل، وقد تكون حقيقية. ولكن من الصعوبة بمكان قيام شركات الاتصالات بإيهام المشتركين بأن خدماتها استثنائية باستخدام عبارات «لأول مرة في سلطنة عُمان» أو «أسرع إنترنت في عُمان» مع وجود نفس الخدمة أو مماثل لها لدى شركات أخرى. هكذا إعلانات قد تعطي رسائل مضللة لا تعكس الخدمات المقدمة للمشتركين في قطاع الاتصالات. كما تعمل تلك الإعلانات على إغراء المشتركين وتزويدهم بمعلومات تحفزهم الدخول في التزامات تعاقدية مع شركات الاتصالات قد لا تستطيع تلك الشركات بعد مدة من الزمن الالتزام بما هو وارد بتلك الإعلانات نظرا لكثرة الطلبات أو أن البنية التحتية لشبكة الاتصالات لا تساعد في ذلك.
على سبيل المثال، إحدى شركات الاتصالات، قامت بتضمين خدمات إضافية في العقود التي تبرمها مع المنتفعين من خدمات الإنترنت المنزلي، وهي توفير جهاز يقدم خدمات ترفيهية عند الاشتراك لمدة تعاقدية معينة. ولكن بعد مدة من الزمن لم تستطع تلك الشركة مواكبة كثرة الطلبات أو أن الجهاز أصبح يكلفها مبالغ إضافية حيث قامت بتحويل الميزة الإضافية من توفير الجهاز إلى توفير رابط إلكتروني أو تطبيق إلكتروني مصحوب بخاصية الدخول عن طريق الرقم السري. ولكن حتى فترة قريبة ذلك الرابط أو التطبيق الإلكتروني أصبح غير متوفر لدى الشركة عند رغبة المشترك الجديد الحصول على خدمة الإنترنت المنزلي، وإنما يُوفر لاحقا، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور خلل في قدرة الشركة بالالتزام ببنود العقد في الأوقات المحددة.
كما أن الإعلانات التسويقية المتضمنة لخدمات الاتصالات أصبحت تتسم بالسرعة في إبرامها بين المنتفعين وشركات الاتصالات، والذي قد يتم هاتفيا أو عن طريق المواقع الإلكترونية لشركات الاتصالات. تلك السرعة مطلوبة، ولكنها قد تفتقر إلى الشفافية في معرفة البنود الأساسية للتعاقد مما يؤدي إلى سوء الفهم في قراءة البنود المتفق عليها بين الطرفين. مثال لذلك، السرعات المتفاوتة جدا بين التعاقد لمدة سنة، والتعاقد لمدة سنتين قد تغري المشتركين في التعاقد لمدة سنتين رغبة منهم في الحصول على السرعات العالية للإنترنت والمزايا الإضافية.
ولكن بعد الدخول في التعاقد، فإن الشركات تقوم بين الحين والآخر بطرح إعلانات تسويقية لمزايا إضافية جديدة قد تكون لنفس الباقات التعاقدية أو لباقات جديدة. في أحيان كثيرة تكون شركة الاتصالات هدفها استقطاب مشتركين جدد، وليس تكريم العملاء الذين يتعاملون معها لسنوات. عليه فعند رغبة المشركين الحاليين الاستفادة من تلك الإعلانات التسويقية، فإنهم مطالبون الدخول في تعاقد جديد لمدد مماثلة تبدأ من تاريخ الحصول على تلك الميزة أو الخدمة الإضافية على الرغم من عدم وجود زيادة في قيمة الباقة الشهرية.
ومن المفارقات التي يلاحظها المشتركون في خدمات الاتصالات، بأنه يُفرق بينهم في قيمة الخدمات الإضافية الجديدة التي تُعلن عنها شركات الاتصالات. فعندما تكون مشتركا في باقة شهرية، فإن قيمة الخدمة أو الميزة الإضافية على سبيل المثال، الحصول على «المقوي الذي يوزع الإنترنت» أو الاشتراك بها، تختلف قيمته من مشترك إلى آخر حسب الباقة الشهرية. وبالتالي، لكي يكون الإعلان عن تلك الميزة أو الخدمة حقيقة، وليس تضليلا، فينبغي أن يحصل عليها المشتركون على قيمة اشتراك متساوٍ بغض النظر عن نوعية الباقة الشهرية للمشتركين.
من تأثير الإعلانات التسويقية، فإنها تعمل على تحفيز المشتركين في اتخاذ قرارات الدخول في تعاقد لمدة سنة أو سنتين للحصول على خدمات الاتصالات وخاصة الإنترنت المنزلي. ذلك التعاقد يضمن حقوق الطرفين، ولكنه يتضمن أيضا شروطا مجحفة عند رغبة المشترك في فسخ التعاقد. مثال لذلك، أحد المشتركين، وبعد مضي ما يقرب من (75%) من مدة التعاقد تفاجأ بضرورة دفع غرامة مالية تصل إلى مائة ريال عند رغبته في فسخ العقد، على الرغم من بقاء المشترك متعاقدا مع الشركة لمدة تصل إلى (18) شهرا. وقد نتفق بأن العقد شريعة المتعاقدين، ولكن وضع هكذا غرامات مالية لا تتناسب مع المدة المتبقية من انتهاء العقد فيه نوع من عدم الوضوح والتضليل في العلاقة التعاقدية بين الطرفين. في الجانب الآخر، المشترك ليس في مصلحته التنقل بين شركات الاتصالات إلا إذا ظهرت له تحديات في جودة الخدمة المقدمة أو استحداث إعلانات تسويقية من شركات الاتصالات يرى بأنه يحق له الحصول عليها دون تمييز بينه وبين المشتركين الجدد.
يلاحظ بأن هناك تنافسا محموما بين شركات الاتصالات لتقديم خدماتها من خلال التنوع والتجديد في الإعلانات التسويقية لتلك الخدمات التي تقدمها للمشتركين. وهذه بطبيعة الحال حالة صحية يتطلبها التسارع الرقمي والتكنولوجي في قطاع الاتصالات. وبالتالي، ذلك التنافس الذي يأتي مصحوبا في شكل ونمط الإعلانات التسويقية لخدمات الاتصالات، يأمل المشتركون منها بأن تكون معبرة عن خدمات ومزايا حقيقية يغلب عليها الوضوح والشفافية، وليس بها أية أنواع من التضليل التسويقي، حماية لحقوق المنتفعين وشركات الاتصالات.
