جـامـعـة الـدول الـعـربـيـة.. الـقـرار والـخـيـار

05 أغسطس 2026
05 أغسطس 2026

قـد يـكـون انـتـقـالُ مـنـصـب الأمـيـن الـعـامّ لـجـامـعـة الـدّول الـعـربـيّـة مـن أحـمـد أبـو الـغـيـط، الـمـنـقـضـيـة ولايـتُـه، إلـى نـبـيـل فـهـمـي، وزيـر خـارجـيّـة مـصـر الأسـبـق، مـؤشِّـراً طـيّـبـاً عـلى إرادة اخـتـيـار الـرّجـل الـمـنـاسـب لإدارة هـذه الـمـؤسّـسـة فـي ظـرفٍ صـعـب تـحـتـاج فـيـه إدارتُـهـا إلـى الـكـفـاءة والـحُـنْـكـة والـمَـصـدوقـيّـة؛ وربّـمـا يـكـون قـد أُريـدَ بـهـذا الاخـتـيـار- الـمـوفَّـق فـي نـظرنـا - تـصـحيـحُ الخـلـل الـذي أصـاب جـهـاز الـجـامـعـة مـنـذ انـتـهـاء ولايـة عـمـرو مـوسـى عـلـيـهـا، قـبـل خـمـسـة عـشـر عـامـا، وإعـادة بـعـض الاعـتـبـار إلـى جـامـعـة شَـحَـبـتْ وذهـبـتْ عـنـهـا بـقـايـا نـضـارتـهـا الـسّـيـاسـيّـة فـي عـيـون أبـنـاء الأمّـة بـعـد الـذي أصـابـهـا مـن شـلـلٍ ومـن ضـمُـورٍ لأدوارهـا الـسّـيـاسـيّـة.

إنْ كـان هـذا، فـعـلاً، هـو الـواعـزُ الـذي يـقـف وراء اخـتـيـار نـبـيـل فـهـمـي لـمـنـصـب الأمـيـن الـعـامّ، خـلـفـاً لـسـابـقـه، فـقـد أصـاب الاخـتـيـارُ حـظّـاً مـن الـنّـجـاح مـلـحـوظـاً في الاهـتـداء إلـى الـكـفـاءة الـمـنـاسِـبـة الـتـي تـمـتـلـك المـؤهّـلات الذّاتـيّـة - الفــكـريّـة والـسّـيـاسـيّـة والخِـبْـراتـيّـة - التـي تَـقْـمَـن بـهـا عـمـلـيّـةُ الـتّـصـحـيـح تـلـك؛ فـإلـى تـكـويـن الـرّجـل الـرّصـيـن فـي حـقـل الـسّـيـاسـات الـدّولـيّـة وكـبـيـرِ خـبْـراتـه فـيـهـا: أسـتـاذاً جـامـعـيّـاً وعـمـيـداً وسـفـيـراً ووزيـرَ خـارجـيّـةٍ لـمـصـر، أسـعـفـتْـه بـيـئـتُـه الأولـى (= الأُسْـريّـة) بـالـتّـنـشـئـةِ الـمـنـاسـبـة؛ فـقـد وُلِـدَ لأبٍ كـان يـتـنـفّـس الـسّـيـاسـةَ والـعـمـلَ الـدّبـلـومـاسـي ويـتـقـلّـد فـي الـدّولـة أعـلـى الـمـنـاصـب (= إسـمـاعـيـل فـهـمـي)، ولا جَـرَمَ أنّـه آتـى الـوالـدُ ابـنَـه نـبـيـلاً خـيْـراً عـمـيـمـاً مـن الـخـبـرة والـمـنـاقـب.

وهـنـا يـكـفـي إسـمـاعـيـل فـهـمـي فـخـراً أنّـه اسـتـقـال مـن مـنـصـبـه، عـلى رأس الـخـارجـيّـة الـمـصـريّـة، غـداة زيـارة أنـور الـسّـادات الـمـشـؤومـة للـقـدس الـمـحـتـلّـة؛ وهـو فـي مـا أحـسـب، الـفـخـرُ الـمـنـتـقـل بـالـوراثـة مـن الأب إلـى الابـن.

ولـكـن، بـعـيـداً عـن الـرّجـال: مَـن نَـفُـس مـعـدِنُـه وعَـلَـتْ أسـهـمُـه مـنـهـم ومـن كـانـوا دون ذلـك مـرتـبـةً، فـإنّ مـشـكـلـة جـامـعـة الـدّول الـعـربـيّـة لـم تـكـن - يـومـاً - مـشـكـلـةَ أطـرٍ وكـفـاءات بـمـقـدار مـا كـانـت، ومـا بـرحـت حـتّـى الآن، مـشـكـلـة خـيـارات وسـيـاسـات ومـسـاحـاتٍ مـسـمـوحٍ بـهـا وسـقـوفٍ للـحـركـة واطـئـة.

نـعـم، لا مِـرْيـة فـي أنّ للـرّجـال أدوارَهـم الـتـي تـبـقـى أو يـطـويـهـا الـنّـسـيـان، فـي مـسـار ولايـتـهـم داخـل هـذه الـمـؤسّـسـة، تـبـعـاً لِـمَـا أجـزلـوا الـعـطـاءَ فـيـه وكَـدّوا واجـتـهـدوا، مـحـتـرمـيـن الـمـيـثـاقَ والـثّـوابـتَ ومـلـتـزمـيـن الاسـتـقـلالَ والـحـيـادَ فـي مـنـازعـات الـعـرب الـبـيـنـيّـة، أو لِـمَـا تَـنـكّـبـوا عـن الـسّـعـي فـيـه... بـل حـتّـى الـسّـعـي إلـيـه؛ إذْ إنّ للأفـراد دوراً مـشـهـوداً فـي أدوار الـتّـاريـخ وحـيـاة الـمـجـتـمـعـات لا يُـجْـحَـد، خـاصّـةً حـيـنـمـا تـنـعـدم الـقـيـمُ والـتّـقـالـيـد الـمـؤسّـسـيّـة فـي مـجـتـمـعٍ مّـا أو يَـضـمُـر حـجـمُـهـا فـيُـعـتـاض عـن غـيـاب ذلـك بـالـدّور الكـاريـزمـيّ للـفـرد؛ ولـكـنّ الـذي لا مـشـاحَّـة فـيـه أنّ الأدوار الإيـجـابـيّـة نـفـسَـهـا تـخـتـنـق بـيـن جـدران أيّ مـؤسّـسـةٍ تـتـهـالـك أوضـاعُـهـا وتـعـتـورهـا عـوامـلُ خـلـلٍ عـديـدةٌ فـي الـتّـكـويـن ونـظـام الاشـتـغـال. وعـنـدي أنّ جـامـعـة الـدّول الـعـربـيّـة لـيـسـت بِـدْعـاً مـن هـاتـيـك الـمـؤسّـسـات وأنّـهـا، لـهـذا الـسّـبـب، تـحـتـاج إلـى مـشـروع إصـلاحـيّ شـجـاع يـنـهـض بـأمـرهـا، ويـعـيـد ضـخّ أسـبـاب الحـيـاة فـي شـرايـيـنـهـا الـمُـنْـسَـدّة.

عـلـى فـيْـضِ مـا سـيـكـون عـلى أيّ مـشـروعٍ لإصـلاح هـيـاكـل الجـامـعـة أن يـتـنـاولـه، سـيـكـون عـلـيـه أن يـصـرف أكـثـر الاهـتـمـام - فـي الـمـقـام الأوّل- إلـى فـكّ عُـقَـدِ ثـلاثِ مـعـضـلاتٍ كـابـحـة تـتـعـلّـق بـالـعـلاقـة بـ «مـيـثـاق» الـجـامـعـة، وبـالـوضـع الـفـعـلـيّ لأحـكـام الـمـعـاهـدات والاتّـفـاقـيّـات الـمـوقَّـع عـلـيـهـا فـي نـطـاقـهـا، ثـمّ بـالـحـيِّـزات الـمـتـاحـة أمـام تـكـويـن مـسـاحـة الـقـرار الـجـامـع والـمـلـزِم.

أوّل الـمـعـضـلات تـلـك مـعـضـلـةُ الـمِـسَـاس الـمـسـتـمـرّ بِـ حُـرمـة مـيـثـاق جـامـعـة الـدّول الـعـربـيّـة مـن قِـبَـل الـدّول الأعـضـاء فـيـهـا؛ وقـد تـكـرَّر ذلـك فـي مـنـاسـبـات عـديـدة فَـطَـالَ مـواد رئـيـسَـةً فـيـه مـن قـبـل الـمـادّة الـثّـانـيّـة (الـمـتـعـلّـقـة بـالأهـداف الـتي تـكَـرَّسـت لـهـا الـجـامـعـة)، والـمـادّة الـخـامـسـة (حـول الـخـلافـات والـنّـزاعـات الـعـربـيّـة)، والـمـادّة الـسّـادسـة (حـول الاعـتـداء الأجـنـبـيّ عـلى أيّ دولـة عـربـيّـة)، والـمـادّة الـثّـامـنـة (عـن احـتـرام كـلّ دولـة نـظـام الحـكـم الـقـائـم فـي غـيـرهـا).

وفـي كـلّ حـالـةٍ مـن حـالات الـمِـسَـاس بـه تـتـولّـد أزمـةٌ تـزيـد مـن تـرسـيـخ مـا بـيـن الـدّول الـعـربـيّـة مـن شـروخٍ أو مـن عـدم ثـقـة، وقـد تـسـتـفـحـل إلـى الـحـدّ الـذي تُـشَـلّ فـيـه يـدُ الـجـامـعـة والـنّـظـامِ الـعـربـيّ الـرّسـمـيّ عـن إتـيـان أيّ إجـراءٍ يـقـود إلـى حـلّ؛ الأمـر الـذي يـنـتـهـي إلـى تـدويـل أزمـاتـنـا وإلـى الـتّـدخّـل الـعـسـكـريّ الأجـنـبـيّ فـي ديـارنـا وتـدمـيـر مـقـدّراتـهـا وتـقـطـيـع أوصـال وحـدة شـعـوبـهـا وإسـقـاط الـدّولـة...!

ثـانـي تـلـك الـمـعـضـلات مـعـضـلـة الإخـلال بـالـتـزامـات الـدّول الأعـضـاء بـمـا تـقـضـي بـه أحـكـام الـمـعـاهـدات والاتّـفـاقـيّـات الـتي أجـمـعـت عـلـيـهـا الـدّول الـعـربـيّـة ومـهـرتْـهـا بـتـوقـيـعـاتـهـا عـلـيـهـا، وبـمـا تـقـضـي بـه قـراراتٌ ذاتُ أهـمـيّـة فـائـقـة صـادرة عـنـهـا.

مـن ذلـك، مـثـلاً، عـدم الالـتـزام بـ «مـعـاهـدة الـدّفـاع الـعـربـيّ الـمـشـتـرك» (1950) ومـا تـقـضـي بـه مـن مـوجـبـات تـجـاه مـسـائـل الأمـن الـقـومـيّ الـعـربـيّ؛ وعـدم الالـتـزام بـتـنـفـيـذ اتّـفـاقـيّـة الـسّـوق الـعـربـيّـة الـمـشـتـركـة، الـتـي أقـرّهـا مـجـلـس الـوحـدة الاقـتـصـاديّـة الـعـربـيّـة (فـي 1964) الـتّـابـع للـجـامـعـة؛ ثـمّ مـن قـبـيـل الـتّـحـلُّـل الـمـتـمـادي مـن تـنـفـيـذ مـقـتـضـيـات قـرار الـمـقـاطـعـة الـعـربـيّـة لِـ «إسـرائـيـل» (1951) مـن درجـاتـهـا الـثّـلاث الـتي يـفـصّـلـهـا الـقـرار.

ولـقـد حـوّل ذلـك قـرارات الـجـامـعـة ومـعـاهـداتـهـا واتّـفـاقـيّـاتـهـا إلـى مـحـض نـصـوصٍ دُبِّـجـت لـئـلاّ تُـنَـفَّـذ، أو لـتـصـيـر - فـي أفـضـل أحـوالـهـا - مـواد مـتـحـفـيّـة للـزّيـنـة، بـيـنـمـا لـم تـؤخـذ فـي حـسـبـان الـمُـعـطِّـلـيـن أُولاء، الآثـارُ الـسّـلـبـيّـة، الـسّـيـاسـيّـة والـنّـفـسـيّـة، لـتـلـك الانـتـهـاكـات وأفـعـال الـتّـعـطـيـل فـي مـجـمـوع شـعـوب الأمّـة وانـتـظـاراتُـهـا مـن مـؤسّـسـةٍ جـامـعـة تـفـوق، بـكـثـيـر، مـا تـسـتـطـيـعُـه ومـا سُـمِـح لـهـا بـالـقـيـام بـه.

أمّـا ثـالـث الـمـعـضـلات فـمـعـضـلـةُ الـقـرار الـمـنـقـوص، لـئـلاّ نـقـول المـحـجـوز، فـي الـجـامـعـة. بـيـانُ ذلـك أنّ الـجـامـعـة لا تـمـلـك قـراراً لأنّـهـا، بـكـلّ بـسـاطـة، لـم تُـمْـنَـح ذلـك الـقـرار مـن طـرف أعـضـائـهـا، بـل إنّ قـرارهـا خـاضـع لـقـرارات أعـضـائـهـا وهـي مُـلـزِمـةٌ للـجـامـعـة بـدلاً مـن أن يـكـون قـرارُ الـجـامـعـة مـلـزِمـاً لأعـضـائـهـا! هـذا مـا يـفـسّـر الـهـامـشـيّـةَ والـشّـلـل اللّـذيـن يـتـنـاوبـان عـلى مـؤسّـسـة الـجـامـعـة مـنـذ تـأسـيـسـهـا.

وحـتّـى فـي اللّـحـظـات الـتـي تـدبّ فـي أوصـالـهـا الحـيـاة فـتـنـشـط، يـكـون ذلـك لأنّ الـوضـع الـعـربـيّ فـي حـالٍ أفـضـل: عـلى مـا كـان عـلـيـه فـي فـتـراتٍ بـعـيـنـهـا بـيـن مـنـتـصـف خـمـسـيـنـيّـات الـقـرن الـمـاضـي ومـنـتـصف سـبـعـيـنـيّـاتـه.

للـخـروج مـن هـذا الـنّـفـق الـكـالـح، لا مـنـدوحـة لـدول الـعـرب عـن أن تـفـعـل مـا فـعـلـتْـه دولُ أوروبـا لإنـجـاح اتّـحـادهـا: الـتّـنـازل للـجـامـعـة عـن جـزءٍ صـغـيـرٍ مـن الـقـرار الـوطـنـيّ لـكـلّ دولـةٍ قـصـد تـألـيـف قـرارٍ جـمـاعـيّ مـشـتـرك لـهـا جـمـيـعـا، وتـمـتـيـع الـجـامـعـة بـالاسـتـقـلالـيّـة فـي الـمـبـادرة والـعـمـل.

لـيـسـتِ الـمـواردُ الـتي تـحـتـاجـهـا الـجـامـعـة مـن الـدّول الأعـضـاء فـيـهـا هـي الـمـوارد الـمـالـيّـة الـضّـروريّـة، فـقـط، بـل تـحـتـاج مـنـهـا إلـى مـسـاحـةِ قــرارٍ مـن دونـهـا يـسـتـوي وجـودُهـا وعـدمُـهـا!